أهلية منقوصة.. حول أول قانون لتنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين
مقدمة
في غياب تام للحوار المجتمعي، أعلن مجلس الوزراء إحالة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين -وهو الأول من نوعه في التاريخ التشريعي لمصر- إلى مجلس النواب لمناقشته وإقراره وسط تعتيم كامل على بنوده، واكتفاء الحكومة والكنائس المصرية بالإفصاح عن بعض المبادئ والمسائل التي ينظمها، بدون نشر مواد مشروع القانون كاملة، أو حتى أجزاء منها.
جاء إعلان مجلس الوزراء بعد أيام من توجيهات رسمية من الرئيس بسرعة إصدار قوانين الأحوال الشخصية المُعلّقة منذ سنوات، والتي انعقدت لجان صياغتها في سرية تامة. وتثير الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع التوجيهات الرئاسية الأخيرة - رغم بطء مناقشات إعداد مشروع القانون التي استمرت ما يزيد عن خمس سنوات- مخاوف جدية من سرعة إقرار البرلمان للقانون دون إتاحة فرصة لمناقشة حقيقية، سواء تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية أو خشية مناقشة شأن تعتبره الحكومة والكنيسة مثيرًا للحساسية أو الجدل الديني.
هذا النهج السري ليس سمةً جديدةً للجان صياغة مشروع القانون، فبعدما سلّم ممثلو الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية مسودة المشروع إلى وزارة العدل في 15 أكتوبر 2020، أعلنت الأخيرة في عدة بيانات مقتضبة عن تنظيم ثماني جلسات للحوار المجتمعي بين ممثلي الكنائس، للاستماع إلى وجهات نظرهم بهدف الوصول إلى رؤية قانونية توافقية. وكان غياب "المجتمع" عن "الحوار المجتمعي" سمة أساسية في عملية إعداد مشروع القانون؛ إذ غاب أصحاب المصلحة الرئيسيون عن أي نقاش أو تفاوض وحُرموا من مجرد إبداء الرأي. وحتى في الجلسات التي نظمتها وزارة العدل مع اللجنة المكوّنة من ممثلين عن الكنائس الستة، والتي توافقت على مسودة نهائية غير معلنة تم التوقيع عليها في ديسمبر 2024، حضر ممثلون عن المخابرات العامة ووزارة الداخلية وهيئة الرقابة الإدارية، وغاب الناس.
في ظل هذه السرية، تقدم المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في هذه الورقة تحليلها لنسخة مسربة حصلت عليها من مشروع القانون، تستعرض أهم ما جاء فيه، مع تعليقاتها عليه ومقترحاتها بتعديلات بعض مواده، لضمان أن يخدم هذا القانون المستقبلي مصالح من وُضِع في الأصل لينظم حقوقهم وأمور أسرهم.
وتدعو المبادرة المصرية كافة أعضاء مجلس النواب للقيام بكامل دورهم التشريعي بعد إحالة مشروع القانون إليهم كونهم يمثلون كافة المصريات والمصريين، ولكون هذا القانون يقع ضمن المنظومة القانونية المصرية، حتى مع استئثار القيادات الدينية بصياغته. إذ يمس القانون قطاعًا واسعًا من المواطنين الذين يدينون بالمسيحية، مما يلزم النواب التحرك لضمان حقوقهم التي يتعرض لها مشروع القانون. ونسعى بالتعليقات والمقترحات المقدمة لتسهيل مهمة النواب عبر بيان مواضع القوة والضعف فيه واقتراح تعديله لضمان الحقوق. وقبل أي شيء نأمل أن تكون هذه الورقة عونًا للأسر والأفراد الذين وضع هذا القانون لتنظيم أحوالهم الشخصية في مطالبتهم بحقوقهم.




