الوزن والحمل والجري الزجزاج: تقرير جديد حول اختبارات الأكاديمية العسكرية لتعيين المعلمين
بيان صحفي
أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اليوم تقريرًا جديدًا تحت عنوان "في ميزان التمييز: شروط الأكاديمية العسكرية لتعيين المعلمين والمعلمات" يوثق ويحلل كل ما دار في مسابقة تعيين "30 ألف معلم"، باعتبارها نموذجًا لتغيير نمط تولي الوظائف العامة، وللتمييز متعدد الأوجه ضد المصريين والمصريات، بالإضافة إلى الافتئات على أدوار المؤسسات الحكومية المختصة.
يوثق التقرير في أكثر من 100 صفحة رحلة المعلمات والمعلمين الذين استبعدوا من المسابقة رغم نجاحهم في الاختبارات الأساسية التي نظمها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ثم جاء القرار المفاجئ بإعادة اختبارهم في الأكاديمية العسكرية ليحرمهم من حقهم في التعيين في وظائف كانوا ليحصلوا عليها لو مضت عملية الاختيار في إطارها الرسمي المعتمد الذي تنظمه القوانين السارية والمعمول بها منذ عقود.
ووفقًا للتقرير، فقد تضمن الاختبار الرياضي الذي خضع له في الأكاديمية العسكرية المتقدمون والمتقدمات للعمل كمدرسين بالنسبة للذكور: تمارين الضغط (30 درجة)، والبطن (30 درجة)، والجري لمسافة 100 مترًا (20 درجة)، وبالمثل الجري لمسافة 800 مترًا بمجموع 100 درجة. أما الاختبار الرياضي للإناث فتضمن تمرين الدقة (20 درجة)، والوثب من الثبات (20 درجة)، والجري لمسافة 100 مترًا (20 درجة)، والزجزاج (40 درجة)، بإجمالي 100 درجة. واشترطت الأكاديمية العسكرية الحصول على 50% من الدرجات لاستكمال باقي مراحل المسابقة.
كما كشفت الوثائق التي حصل عليها باحثو المبادرة المصرية أثناء إعداد التقرير أن المتقدمين (بل والمتقدمات) لمسابقة التعيين اضطروا للإجابة كتابة عن أسئلة من بينها:
-
هل تعاني من خصية ضامرة؟
-
هل أجريت عملية لاستئصال جزء من المعدة أو الكبدة أو البنكرياس أو الطحال والكلى والغدة فوق الكلوية أو القولون أو الشرج؟
-
هل أجريت عملية جراحية لزرع أي عضو من أعضاء الجسم؟
-
هل أجريت عملية جراحية بالجهاز البولي أو التناسلي؟
كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أعلن مطلع سنة 2022، عن مسابقة لتعيين 150 ألف معلم على مدار خمس سنوات، بواقع تعيين 30 ألف معلم ومعلمة سنويًا، وذلك بعد تفاقم مشكلة نقص المعلمين في مصر التي وصلت -حسب الإحصاءات المعلنة وقت إعلان المبادرة الرئاسية- إلى وصول العجز في عدد المعلمين إلى 665 ألف معلم/ة.
خلال المرحلة الأولى، تقدم آلاف المعلمين والمعلمات لإجراء اختبارات القبول التي عقدها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة. ورغم اجتياز نحو 28 ألف معلم/ة لتلك الاختبارات -التي اعتمدت على قياس المهارات التربوية والفنية للمتقدمين والتأكد من ملاءمة حالتهم الصحية للعمل بالمهنة- إلا أنهم فوجئوا بتوقف إجراءات تعيينهم على خوض اختبارات إضافية تجريها الأكاديمية العسكرية، لا ترتبط بطبيعة العمل وتنتهك حقوقًا دستورية وقانونية مستقرة؛ إذ تضمنت اختبارات الأكاديمية قياس الوزن واللياقة البدنية إلى جانب "كشف الهيئة"- أمام عدد من ضباط القوات المسلحة وممثل لوزارة التربية والتعليم.
وبناءً على تلك الاختبارات استبعدت الأكاديمية قرابة اثني عشر ألفًا من المتقدمين الناجحين لأسباب تتعلق بالوزن الزائد أو القدرات البدنية أو الحمل أو الإنجاب حديثًا أو الحالة الصحية، أو بسبب الآراء التي عبروا عنها في الشأن العام خلال المقابلة الشخصية النهائية.
اعتمد التقرير على مقابلات مع عدد من المعلمات والمعلمين المستبعدين نتيجة اختبارات الأكاديمية العسكرية. كما يحلل التقرير كافة الوثائق الخاصة بـ106 من الدعاوى القضائية التي أقامتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية نيابة عن 94 مستبعدة و12 مستبعدًا، والتي فصّل فيها محامو المبادرة المصرية المخالفات في تدريبات الأكاديمية العسكرية التي أدت في المرحلة الأولى لحرمان الآلاف منهم من التعيين لأسباب لا تتعلق بأي صورة بمسار العملية التعليمية. ويقيم التقرير كل هذه الانتهاكات على مسطرة الدستور والقوانين المصرية والمواثيق الدولية الملزمة للدولة المصرية.
كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد أرسلت العام الماضي خطابًا إلى المهندس حاتم نبيل، رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة عقب تعيينه، شرحت فيه أبعاد المشكلة في اختبارات الأكاديمية العسكرية، وناشدته إنصاف المعلمين والمعلمات. غير أنه حتى تاريخ نشر التقرير لم تتلق المبادرة المصرية أي رد.
يخلص التقرير إلى أن اختبارات الأكاديمية العسكرية لا تكتفي بانتهاك المادة التي تحظر التمييز في الدستور المصري، وهو أمر خطير في حد ذاته؛ لكنها تتخطاها إلى انتهاك مجمل حقوق المواطنة، بداية من الحق في العمل اللائق مرورًا بالمساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص وحق المواطنين في تولي الوظائف العامة.
كما يعرض التقرير لفشل مؤسسات الدولة المختلفة -التنفيذية والتشريعية والقضائية- في إنصاف المستبعدين والمستبعدات ضحايا التمييز متعدد الأوجه، بل لعب كل منها دورًا في ترسيخ هذه الانتهاكات من خلال محاولة إضفاء بعد قانوني عليها، أو تعمد تجاهل استغاثات وطلبات المواطنين بمراجعة هذه الإجراءات. كما قضت المحكمة الإدارية بمجلس الدولة برفض كافة طعون المعلمات والمعلمين -بالمخالفة حتى لتوصية هيئة المفوضين بالمحكمة- ما بعكس ضعف البُنى التحتية الداعمة للمساواة ومنع التمييز في مصر، رغم وجود نصوص دستورية تلزم الدولة بإنشاء ودعم تلك البنى التحتية. كما أن استبعاد معلمين ومعلمات ناجحين وذوي خبرات انتهك حق المواطنين في التعليم في ظل استمرار العجز الكبير في أعداد المعلمين وتأثيره على انخفاض جودة مخرجات العملية التعليمية.
ويتوقف التقرير أيضًا أمام التوسع المطرد على مدى السنوات الأخيرة في ظاهرة "عسكرة الوظائف" والتعدي على مهام وأدوار جهات ومؤسسات حكومية أخرى. فقد أصبحت للأكاديمية العسكرية اليد الطولى في التعيين من عدمه، حتى في حال توفر كل الشروط المطلوبة لأداء الوظيفة، وبدون أي آليات لمراجعة قراراتها أو التظلم منها.
وإلى جانب عرض وتحليل شروط ومراحل مسابقة 150 ألف معلم وما طرأ عليها من تعديل بإدخال تدريبات الأكاديمية العسكرية التي تضمنت الشروط التمييزية المذكورة، فإن التقرير يقدم توثيقًا تفصيليًا لمسار نضال أصحاب الحقوق في مقاومة الظلم والانتهاكات التي تعرضوا لها بسبب هذه الاختبارات التعسفية والتمييزية، من تقديم التظلمات والتظاهر السلمي واللجوء لنواب البرلمان ووصولًا إلى رحلة التقاضي التي استمرت أمام المحاكم لأكثر من عامين.
ويعرض التقرير شرحًا للأطر الدستورية والقانونية التي انتهكت الاختبارات العسكرية العديد منها: التمييز وفقًا للحالة الصحية والجسمانية، والتمييز وفقا للقدرة البدنية، والتمييز ضد النساء والأشخاص ذوي الإعاقة، والإخلال بالمساواة بين المعلمين والمعلمات المعينيين وزملائهم من "مدرسي الحصة"، وانتهاك حق المواطنين في تولي الوظيفة العامة.
وتضمنت ملاحق التقرير عددًا من الوثائق ذات الصلة عددًا من الوثائق الخاصة تتضمن المستندات المتعلقة بشروط التعيين، وكافة الوثائق المتعلقة بالدعاوى المقامة أمام مجلس الدولة والأحكام الصادرة عنها في درجتي التقاضي.
وتؤكد المبادرة المصرية في نهاية تقريرها أن جهود المعلمين والمعلمات المستبعدين والمستبعدات من التعيين لم تذهب هباءً، حيث أن هذه المعركة من أجل الدفاع عن الحقوق الدستورية الأساسية مهمة ومستمرة، ولم تنتهي بصدور حكم درجة الاستئناف برفض الطعون المقدمة من المدعين.
هى معركة مهمة لأن أبطالها مواطنين عاديين، لديهم قضية عادلة في مواجهة مؤسسات ذات سلطة ونفوذ قويين، دافعوا عن حقهم في التعيين بالطرق القانونية المشروعة بدون خوف أو رهبة، وهى أيضًا معركة مستمرة تحتاج إلى نضال طويل، إذ أن تأثيرها لا يقتصر على المعلمين فقط بل يمتد إلى كل مصري ومصرية يشرعن التمييز ضده في العمل وتولى الوظائف العامة لأسباب غير دستورية وغير قانونية، كما أن تأثيرها لا يقتصر على فترة زمنية معينة في ظل التوسع في استخدام هذه الاختبارات ومنح الجهة غير المختصة صلاحيات في الاختيار.
للاطلاع على التقرير بالكامل اضغط هنا



