سياسات تطعيم كوفيد ــ 19 وحقوق كبار السن

10 أبريل 2021

لا يمكن إجراء محاولة لتقييم سياسات التطعيم عالميا وإقليميا ومحليا لاحتواء كوفيد 19، ووقف انتشاره وتأثيره، دون مقاربة شاملة تشمل النظر للأوضاع الاقتصادية والسياسية والصحية عالميا وإقليميا ومحليا. وكيف ينعكس ذلك على النظم الصحية وأدائها فى الأزمة عموما، وفيما يخص توفير وإتاحة اللقاحات على وجه الخصوص.

فمن أول شهور الجائحة وكان هناك تخوف من عدم تحقق عدالة التوزيع على مستوى العالم، وذلك ما دفع منظمة الصحة العالمية فى وقت مبكر، أبريل 2020، إلى العمل على مبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد 19 (ACT)، وتحتوى على أربعة محاور رئيسية: اختبارات تشخيصية، وعلاجات، ولقاحات، ودعم النظم الصحية لمكافحة كوفيد ــ 19.

***

كوفاكس هى المحور الخاص باللقاحات لمبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد 19 مسرّع الإتاحة ACT. يشترك فى قيادة مبادرة كوفاكس كل من التحالف العالمى من أجل اللقاحات والتمنيع (جافى)، والائتلاف المعنى بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة، ومنظمة الصحة العالمية. وترمى المبادرة إلى تسريع إتاحة لقاحات مضادة لمرض كوفيد 19، وضمان إتاحتها بشكل عادل لكل بلدٍ من بلدان العالم، بحيث يكون كوفاكس آلية للشراء والتمويل والتوزيع للدول الفقيرة والمتوسط، وتعهدت كوفاكس بتغطية 20% من احتياجات البلدان التى انضمت إليها.

ولأن كوفاكس غير إلزامية بالأساس، فمن الممكن لأى دولة أن تتفق على تعاقدات ثنائية مباشرة خارجها، فى ظل غياب أى اتفاق عالمى ملزم ينظم عمليات شراء اللقاحات عالميا، تجاهلت دول العالم الأغنى والأكثر قدرة شرائية مبادئ التضامن، واتجهت للشراء المباشر والتعاقد الثنائى مع الشركات المصنعة دون اعتبار للبلدان الأخرى الأضعف والأكثر هشاشة والأفقر، أو وضع حد أقصى للكميات التى تشتريها. لذلك، الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل كانت مجبرة على التأخر فى بداية حملاتها للتطعيم. على سبيل المثال، يبدو أن مصر ستعتمد على كوفاكس بشكل كبير، فحاليا الكميات المتاحة لدى مصر قرابة 1.6 مليون جرعة، منهم حوالى أكثر من 854 ألف جرعة من كوفاكس، والباقى هدايا من الصين والإمارات. مع الإعلان عن قرب استلام 400 ألف قريبا.

التكالب على شراء اللقاحات من قبل بعض الدول، وضع سياسات التطعيم المحلية فى دول الجنوب العالمى تحت رحمة السياسات العالمية الجائرة. مما دفع الهند وجنوب أفريقيا، كممثلين لبلدان الجنوب العالمى، وبدعم من منظمة الصحة العالمية، لطرح فكرة التعليق المؤقت لبعض بنود اتفاقية حقوق الملكية الفكرية (التربس) على مستوى العالم كله، لمستلزمات ولقاحات الكوفيد 19، حتى نهاية الجائحة، ليساهم ذلك فى التسريع والإنتاج العالمى للقاحات، ويكون التعليق المؤقت لحقوق الملكية الفكرية الخطوة الأولى الحقيقية فى طريق التضامن العالمى، وليس فقط البيانات الإنشائية التى تتحدث عن التضامن. وأيدت مصر هذا الطلب، ولكن طلب التعليق المؤقت قوبل برفض بعض الدول مثل أمريكا والاتحاد الأوروبى وأستراليا وغيرها من الدول الغنية، التى بالفعل حجزت كميات تكفى مواطنيها. ومن الجدير بالذكر أن طلب التعليق لحقوق الملكية الفكرية هو طلب «مؤقت« وخاص بلقاحات ومستلزمات الكوفيد 19 فقط، وليس إلغاء مثلا وما زالت المعركة والمفاوضات مستمرة حول هذا التعليق.

***

فى سياق الحالة المصرية ولقاحات كوفيد 19، لفهم السياسات المتعلقة بلقاحات كوفيد 19 فى مصر فى سياقها الاقتصادى والاجتماعى، كدولة من الشريحة الدنيا من الدول متوسطة الدخل، لديها تحديات سياسية إقليمية ومخاطر، وفجوة عدالة اجتماعية وصحية لا يمكن تجاهلها، بين الريف والحضر، وبين أغنى الشرائح وأفقر الشرائح، ونسبة عمالة غير رسمية تساهم فى الناتج المحلى بنسبة 40% إلى 50%، من الأفضل وضع المقارنة بدول شبيهة لنا.

فى الإطار الكلى، كان أداء النظام الصحى فى الأزمة وفق مؤشرات الإتاحة والجودة وعدم التمييز، يتسم بمحاولة البحث عن التوازن فى الأداء، والاجتهاد وبذل كل ما فى الإمكان من قبل العاملين فى قطاع الصحة (هم الأبطال الحقيقيون) ومن قبل صناع السياسات الصحية، وفق الإمكانيات والمخصصات المتاحة، ولكنه أيضا يتسم بكونه رد فعل على الوقائع والأحداث وليس أداء منطلقا من تخطيط مسبق. ويتضح ذلك فى ما يتعلق باللقاحات، فكان من المتوقع بشدة وجود مشاكل وعقبات فى التعاقد على اللقاحات، كما تم توضيح غياب عدالة التوزيع عالميا وآثار ذلك على النطاقات المحلية فيما سبق، وحال مصر فى ذلك كحال غيرها من البلاد متوسطة ومنخفضة الدخل. ولكن، المشكلة فى السياق المصرى، فيما يخص اللقاحات على سبيل المثال، بعد وضع مشكلة الإتاحة العالمية وتعقيد ملف اللقاحات عالميا وإقليميا، هى الضبابية فى المعلومات المتاحة، والتصريحات المتضاربة من المسئولين، ومستوى الشفافية، والتى كان ينبغى أن يكون على قدر أعلى من ذلك فى ملف على هذا القدر من الأهمية والتعقيد، وطرح المعلومات على الرأى العام وعلى الأخص مع خبراء الصحة العامة المتخصصين، ولدى مصر الكثير من الخبراء المهمين فى هذا المجال. فقضية توفير وإتاحة اللقاحات مطروحة على الأقل من سبتمبر 2020 وقبلها تتضح مشكلة المعلومات والشفافية فى ملفات مثل معدلات انتشار الفيروس، ونسبة المسحات الكلية أو الخاصة بالفريق الصحى.

***

حاليا، تعتمد مصر على التحالف بين منظمة جافى والصحة العالمية عبر كوفاكس فى انتظار 40 مليون جرعة على مدار عام 2021 وبشكل متوازٍ تجرى محاولات التعاقدات الثنائية مع الشركات المصنعة، فى سوق عالمى حر يخضع للعرض والطلب، ويخضع لقدرة الشركات المنتجة على تلبية احتياجات العالم، وعلى القدرة الشرائية.

أعلنت وزارة الصحة أنها ستوزع اللقاحات وفق الأولويات المتعارف عليها بحيث تكون الأولوية للأطقم الطبية وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة. وطرحت أيضا فكرة تحصيل رسوم على اللقاحات، ولكن نظرا للضمانات القانونية التى تنص على مجانية اللقاحات خلال الأوبئة والكوارث الصحية، لم يتم تحصيل رسوم حتى الآن من المواطنين الذين تلقوا التطعيم، ولكن لم تعلن وزارة الصحة رسميا تراجعها عن هذه الفكرة.

فى يوم 4 أبريل 2021 أصدرت وزارة الصحة بيانا صحفيا مهما أعلنت فيه بعض المعلومات عن (تلقى 148 ألفًا و987 مواطنًا ومواطنة من الفئات المستحقة لقاح فيروس كورونا ومضاعفة أعداد الفرق الطبية وزيادة عدد ساعات العمل بمراكز تلقى اللقاح وزيادة ٢٠٠ مركز جديد لتلقى اللقاح ليصل عدد المراكز ٣٣٩ بجميع محافظات الجمهورية).

فى سياق عملية التطعيم نفسها والتحديات التى تواجهها، تم طرح مشكلة التسجيل عبر موقع إلكترونى وما يمثله ذلك من عائق أمام كبار السن أو عائق أمام المواطنين/ات الذين غير مألوف لديهم التعامل مع هذا النوع من طريقة التقديم، وهل يصح أن يذهب كبار السن والذين يعانون من أمراض مزمنة إلى مراكز التطعيم؟ وما مدى خطورة التجمع والتكدس فى مراكز التطعيم والتخوف من أن تتحول لبؤر، خصوصا على كبار السن؟.

***

طرحت العديد من الحلول لهذه المشكلة، بحيث تكون الغاية الأساسية احترام حقوق كبار السن وتقليل المجهود المبذول منهم وأيضا للوصول المباشر لهم، على سبيل المثال، أن تقوم وزارة الصحة بعملية ترشيد وإعادة توجيه لجميع الحملات التى تقوم بها حاليا، وتكثف جهودها فى القيام بحملة كبيرة للتطعيم ضد كوفيد 19 عبر قوافل وعربات تصل للأحياء والميادين، كما حدث فى حملة مكافحة فيروس سى بالضبط، وتوفر على كبار السن عناء الذهاب إلى مراكز التطعيم، أو طلب متطوعين من كليات الطب والتمريض والصيدلة يساعدون الدولة فى حملتها للتطعيم ويذهبون مباشرة لكبار السن فى بيوتهم.

فى الخلاصة، مع التقدير لجميع التحديات التى تواجهنا فى الوصول للقاحات، ما زال أمامنا المزيد من العمل فى عدة محاور؛ مثل 1ــ تسريع عملية تصنيع اللقاح الصينى؛ حيث أعلنت وزارة الصحة عن اتفاق مبدئى للتصنيع، تسريع هذه العملية وتوفير المخصصات المالية والفنية اللازمة والاستعانة بالخبرات الدولية التى من الممكن أن تساهم. 2ــ التفاوض لتصنيع لقاحات أخرى ومحاولة الحصول على الدعم الفنى لذلك. 3ــ العمل على السياق الدولى ودعم مطالب الهند وجنوب أفريقيا للضغط على الدول الأغنى والشركات الكبرى، والتى تضع الأرباح على حساب أرواح الناس، فى التنازل عن الملكية الفكرية والتنازل عن الجرعات الفائضة لديها. 4ــ المزيد من الشفافية فى الإفصاح للرأى العام عن المعلومات، وإيجاد طريقة منظمة لنشر المعلومات بدلا من التصريحات المتضاربة. 5ــ حماية حقوق كبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة وضمان وصولهم للقاح أولا، فلا يصح أن يتم تطعيم شباب تحت الثلاثين ولم يتم الانتهاء بعد من تطعيم كبار السن وغيرهم من المجموعات الأكثر عرضة لمضاعفات الفيروس، وإيجاد طريقة مناسبة لحصولهم على اللقاح.

نشر هذا المقال علي موقع الشروث  بتاريخ ٨ ابريل ٢٠٢١