الثوابت والهوامش فى المشكلة الصحية

علاء غنام

تلقيت أخيرًا دعوة كريمة لحضور ورشة عمل نظمها اﻻتحاد النوعى لتطوير القطاع الصحى، وهو كيان مجتمعى مدنى نشيط يضم العديد من الجمعيات اﻷهلية العاملة فى قطاع التطوير الصحى فى مختلف المحافظات. 
وكان موضوع الورش العمل على خلق آليات تنسيقية بين الأجهزة التنفيذية المعنية والجمعيات اﻷهلية فيما يتعلق بملف مكافحة الفيروسات الكبدية وبخاصة فيروس سى وكيفية منع تضارب اﻷنشطة والمصالح وبناء تناغم فى تخصيص الموارد الموجهة إلى مقاومة انتشار العدوى والحد من المرض بالعلاج والوقاية، وهو جهد محمود فى ملف شديد اﻷهمية والحيوية ويحمل أهدافًا واقعية قابلة للتطبيق، وكان مما أثير على لسان أحد كبار خبراء أمراض الكبد قضية، أرى أنها تقع فى الهوامش من الملف فيما يتعلق بالسماح بمد فترة صلاحية أحد اﻷدوية المتداولة الخاصة بعلاج المرض حيث قال: إن ذلك مقبول علميًّا فى إطار موافقة الجهات المشرفة والجهات المنتجة ومنظمة الصحة الدولية بعد إجراء اختبارات ثبات الفاعلية لهذا الدواء من الجهات المختصة فى وزارة الصحة وقطاع الدواء بها ومركز اليقظة الدوائية. 

ذلك ما دفعنى إلى الكتابة فى ملف الصحة حول ما يسمى بالثوابت والهوامش فى هذه القضية، فمن الثابت أن هناك مربع عمل يسمى مربع اﻹتقان وهو العمل الاستراتيجى للإصلاح ويقع داخله ملف التأمين الصحى الشامل وملف القضاء على أمراض الكبد الفيروسية اﻷكثر انتشارًا فى مصر وهو مربع شديد اﻷهمية وﻻ يجب أن يتسم بالتعجل بل بالدقة والدراسات المتأنية.
*** 
هناك مربع آخر يسمى مربع اﻷزمات لقضايا يراها البعض عاجلة وشديدة اﻷهمية مثلما حدث أخيرًا فى قضية هذا الدواء المتداول وفى قضية السعى إلى تسعير الخدمات الطبية فى القطاع الخاص الطبى وفى قضية الهجوم على مغاﻻة بعض اﻷطباء فى تقدير أتعاب عملهم فى عياداتهم الخاصة أو فى المستشفيات الخاصة الكبرى. 
وتلك القضايا الملتهبة الملتبسة هى ما تجد صدى أوسع لها فى اﻹعلام فى حين ﻻ تجد قضايا أخرى نفس اﻻهتمام مثل بعض النجاحات فى ملف مقاومة الفيروسات الكبدية أو ملف التأمين الصحى الشامل والتى تكاد تصل إلى نقاط حاسمة فى اﻻنتهاء من محاورها كما صرحت بذلك بعض الجهات العلمية الدولية. 
فى الواقع أن البرنامج القومى لمكافحة وعلاج مرضى فيروس سى قد شاهد نجاحًا محسوسًا فى فترة زمنية معتبرة تم فيها علاج ما تجاوز مليون مريض، وفى المواجهة تقع اﻷزمات التى تتسم فى إرادتها بالشخصنة والصراع بين أطراف مختلفة محسوبة كلها على هياكل الدولة القائمة ما يعكس فوضى إدارة اﻷزمات وعشوائية وسيولة الصراعات وشخصنتها دون مبرر رغم أنها ﻻ تمثل أولوية وﻻ أهمية استراتيجية ذات قيمة، ولكنها تتسم باﻹثارة وملء الفراغ ما يضع المواطن فى نهاية اﻷمر فى موطن الشك وعدم الثقة بالنظام الصحى برمته.
فمن المسئول عن تلك الهوامش المثارة دائمًا مثل الزوابع الرملية المؤذية؟ 
من المسئول سوى غياب أطر حقيقية لحوكمة المنظومة الصحية حوكمة رشيدة ذات طبيعة ديمقراطية وتشاركية، تضمن صنع القرار السياسى الصحى بحكمة وتوافق بدلًا من اﻻنغماس فى صراعات هامشية وجزئى تعطل مسيرة اﻹصلاح الكلى الاستراتيجى.
إن خبرتنا السابقة فى ملف اﻹصلاح علمتنا درسًا أساسيًّا وهو ضرورة العمل بإتقان فى مربع الثوابت وعلمتنا عدم التضخيم لبعض الهوامش التى تنشأ فى مربع الضياع واللا جدوى وعلمتنا أهمية أن نفكر سياسيًّا ونتصرف استراتيجيًّا مهما كانت طبيعة التحديات التى نواجهها.
*** 
إن تحديد المشكلة الصحية أولًا، وتطوير السياسات وتنفيذها ثانيًا هى من أولويات النظام اﻵن، وذلك لن يتم إﻻ عبر آليات ديمقراطية تشاركية؛ مثل تأسيس كيان لمجلس أعلى للصحة تشترك فيه كل اﻷطراف الفاعلة للمساهمة فى صنع السياسة الصحية الاستراتيجية وذلك ما نعده من الثوابت التى تحد من اشتعال اﻷزمات المستمرة وتعالج آثارها وآثار بعض اﻷخطاء التى قد تقع حتمًا فى سياق برامج طموحة نطرحها اﻵن على أجندة الوطن.
ونمطيًّا نحن نعرف أن كل شيء قابل للتفاوض والتوافق والتراجع عن اﻷخطاء إذا ثبتت، وأن اﻹصلاح الصحى يواجه تحديات سياسية صعبة وجماعات المصالح المنظمة كانت وما زالت تحوز نصيبًا أكبر فى التأثير على النظام القائم الصحى (كبار اﻷطباء وأصحاب المستشفيات وصناع احتكارات الدواء) وأنهم كانوا وما زالوا يعادون اﻹصلاح ويضعون العراقيل فى طريقه ومن الناحية اﻷخرى، فإن المستهدفين من اﻻنتفاع باﻹصلاح الصحى (المرضى والفقراء والمهمشون) هم أقل قوة وتنظيمًا ولهذا نطالب دائمًا من تمكينهم من أدوات التأثير من خلال لجان لحقوق المرضى داخل المؤسسات الصحية الخاصة والعامة ومن خلال مشاركتهم فى مجلس أعلى للصحة حتى ﻻ يصبح القرار الصحى فرديًّا وحتى ﻻ تصبح الصراعات من حوله فردية وشخصية تستدعى اﻹثارة اﻹعلامية وﻻ تقدم حلًّا سوى إعاقة حركة اﻹصلاح الحقيقية لمنظومة الصحة.

تم نشر هذا المقال عبر بوابة الشروق الإلكترونية بتاريخ 13 أغسطس 2017