بعد حكم "النقض" بإلغاء إثبات عقود زواج البهائيين: على الدولة تحمل مسؤوليتها عن ضمان حقوق جميع المواطنين

بيان صحفي

21 أبريل 2026

تدين  المبادرة المصرية للحقوق الشخصية استمرار التمييز المؤسسي المنهجي ضد المواطنين المصريين البهائيين، والذي رسخه حكم حديث لمحكمة النقض بإلغاء حُكم كان قد أقر بالعلاقة الزوجية بين زوجين بهائيين، وذلك بناء على طعن مقدم من وزيري العدل والداخلية ورئيس قطاع الأحوال المدنية التابعة لها. 

وتعتبر المبادرة المصرية حكم النقض -في الطعن المقيد برقم 39 لسنة 94 قضائية(أحوال شخصية)- خطوة إضافية بالغة الخطورة في وضع حرية الدين والمعتقد لجميع المواطنين، خصوصًا وأن تداعياته لا تقتصر على تغيير الوضع القانوني المُستقر للزوجين والمُثبَت في خانة الحالة الاجتماعية في أوراقهما الثبوتية، بل تمتد إلى كامل أشكال الحياة الاجتماعية لقطاع من المصريين. 

ينتج عن عدم إثبات الحالة الاجتماعية الصحيحة في الأوراق الثبوتية معضلات يواجهها الأزواج البهائيون يوميًا، منها مشاكل في الحصول على معاش في حالات الوفاة، وفي توزيع الميراث، والعجز عن التسجيل في النقابات والتأمينات الصحية كأزواج، والتعامل مع المدارس في حالة وجود أطفال، والتعامل مع البنوك كأزواج، ومنع تمتّع الزوج/ة غير المصري/ة لمواطن مصري بهائي بحق الحصول على الإقامة الأسرية في مصر، وأحيانًا حرمان الأمهات المصريات البهائيات من تمرير جنسية المصرية لأبنائهن حال زواجهن من غير مصري شأنهن شأن باقي الأمهات المصريات. 

وتحمل  المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الجهات التنفيذية للدولة المسئولية كاملةً عن المعاناة التي يتكبدّها مواطنون مصريون يوميًا وفي شتى مجالات حياتهم لا لشيء سوى لانتمائهم الديني. وتؤكد أن للبهائيين المصريين حقوق المواطنة الكاملة. 

كانت الزوجة قد أقامت دعوى بإثبات زواجها بموجب عقد توافرت فيه الشروط القانونية، فأصدرت محكمة مصر الجديدة لشئون الأسرة حكمها، في أغسطس 2020، بإثبات الزواج المنعقد بموجب عقد عرفي في الدعوى رقم 322 لسنة 2020 (أسرة النزهة) إلا أن كلًا من وزيري العدل والداخلية ورئيس مصلحة الأحوال المدنية استأنفوا الحكم   لتقضي محكمة استئناف القاهرة بسقوط الحق في الاستئناف في الدعوى رقم 5825 لسنة 138 قضائية. ورغم أن الأحكام الصادرة عن محاكم الأسرة تعد نهائية وغير قابلة للطعن بالنقض، فقد قامت الحكومة بالطعن أمام محكمة النقض على سند مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون. وصدر حكم النقض بقبول الطعن بالمخالفة لتوصية نيابة النقض التابعة لها برفضه. 

وفرقت محكمة النقض في حكمها  بين حرية العقيدة والآثار القانونية المترتبة عليها، معتبرة  أن البهائية تتضمن المساس بالنظم المستقرة في الدولة، وبالتالي لا يجوز قيدها لا في مستندات الأحوال المدنية ولا أية مستندات رسمية. 

وأضافت أن طلب إثبات الزواج جاء مخالفًا لما استقر عليه النظام العام للدولة، والذي يعلو في مرتبته على جميع التشريعات والإجراءات ويتخطى ما قد يثار من الدفوع الشكلية أو المواعيد المتعلقة بالقانون الإجرائي.

وبَنت المحكمة حُكمها على الحُجَج الواردة في صحيفة الطعن بالنقض المُقَدمة من دفاع الحكومة، والتي دفعت بمخالفة الحُكم المُستأنف المواد الثانية والثالثة والرابعة والستين من الدستور، إذ أطّرت المحكمة الزواج كأحد "الشعائر" الدينية التي يقتصر حق ممارستها حصريًا على المؤمنين بالأديان "السماوية" الثلاثة: وهي الإسلام والمسيحية واليهودية. واستندت في ذلك إلى ما نصت عليه المادة الثانية من الدستور بأن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، بينما تقصر المادة الثالثة الاحتكام للشرائع الملية في الأحوال الشخصية على المسيحيين واليهود فقط. وزَعَمَ دفاع الحكومة عدم تعارض ذلك مع المادة الرابعة والستين، التي تحصر حق ممارسة الشعائر الدينية —والتي دفعت الحكومة وأيدتها محكمة النقض بأنها تشمل الزواج— على المؤمنين بالأديان "السماوية" الثلاثة في مصر، حتى مع إقرارها بالحق المطلق في حرية الاعتقاد. 

وبالاستناد إلى كل المحطات التاريخية التي شكّلت هيكل إقصاء البهائيين إداريًا من قبل الدولة المصرية، استدعى دفاع الحكومة قرار حلّ المحافل البهائية الصادر من رئيس الجمهورية سنة 1960 وحكم المحكمة الدستورية العُليا الصادر في 1975 الذي قضى بدستورية هذا القرار، وحكم المحكمة الإدارية العُليا بمجلس الدولة الصادر سنة 2006 بعدم جواز كتابة كلمة "بهائي" أمام خانة الديانة استنادًا لعدم الاعتراف بالبهائية داخل الجمهورية. وعلى أساس هيكل الإقصاء هذا استنكر دفاع الحكومة عدم تحقق محكمة الدرجة الأولى من ديانة طرفي الدعوى قبل إصدار حكمها. إذ جاء في صحيفة الطعن بالنقض أن: 

"المطعون ضدهما يعتنقان العقيدة البهائية التي لا تُعَد دينًا سماويًا مُعترفًا به في جمهورية مصر العربية، مُخرجًا هذه العلاقة من عباءة الشريعة والشعيرة الربانية، فيكون قد صدر بالمخالفة للدستور المصري في مادته الثانية ومادته الثالثة ومادته الرابعة والستون ويكون جاء بالمخالفة للنظام العام للدولة المصرية متعينًا إلغاءه".

وقالت المبادرة المصرية إن هذا الحكم لا يعد حدثًا منفصلًا وقائمًا بذاته، بل خطوة إضافية في سياسة اتضحت معالمها على مدار السنوات القليلة الماضية وتنتهجها الأجهزة التنفيذية بالدولة بلا كلل، وتدعمها أحكامًا صادرة من المحاكم المصرية. فبعد حصول البهائيين المصريين على حق كتابة شرطة (-) أمام خانة الديانة في الأوراق الثبوتية الرسمية بموجب حكم حصلت عليه المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من المحكمة الإدارية العليا في 2009، وقرار وزير الداخلية رقم 520 لسنة 2009 بتطبيق الحكم، لم يتمكّن المتزوجون منهم من استصدار أوراق ثبوتية مُدوَّن بها الحالة الاجتماعية الصحيحة، إلا في حالات قليلة صدرت فيها بطاقات رقم قومي مُثبَت بها الحالة الاجتماعية الصحيحة لبهائيين متزوجين بموجب عقود زواج مدنية خارج مصر، في عام 2012، قبل أن تغلق الحكومة هذه المساحة أيضًا. 

وفي محاولة لتصحيح هذا الوضع، لجأ عدد من البهائيين إلى مخاطبة المؤسسات الرسمية والحقوقية التابعة للدولة من أجل إيجاد حل للمشاكل المترتبة على عدم تسجيل عقود الزواج وما يترتب عليه من آثار تمتد إلى أطفالهم وحقوقهم. 

نتيجة ذلك ، لجأت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وكيلة عن زوجين بهائيين إلى التقاضي الإقليمي أمام اللجنة الأفريقية المعنية بحقوق الإنسان والشعوب التابعة للاتحاد الأفريقي. وفي أبريل 2018، انتهت الدعوى إلى ثبوت انتهاك مصر عبر هذه السياسة للميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب -الذي صدقت عليه مصر في عام 1984 وأصبح بذلك جزءًا من التشريع المصري بموجب الدستور.  وألزم الحكم الدولة المصرية بتبني الإجراءات اللازمة من أجل الاعتراف بزيجات البهائيين وأي فئة أخرى تخضع للولاية القضائية لمصر، ممن لا تتفق مراكزهم القانونية مع منظومة قوانين الأحوال الشخصية القائمة على الأديان الثلاثة المُعتَرَف بها. ورغم اعتماد القرار من قبل مجلس وزراء دول الاتحاد الأفريقي بحضور ممثل الحكومة المصرية، فإن الحكومة تمتنع حتى الآن  عن تنفيذ القرار. 

وبالتوازي أقامت أسر بهائية عديدة عشرات الدعاوى أمام المحاكم المصرية  منذ عام 2017، للحصول على أحكام تُقِر بقيام العلاقة الزوجية.  وفي هذه الدعاوى، حكمت بعض محاكم الأسرة لصالح الأزواج، وأقرّت بقيام العلاقة الزوجية استنادًا لتحقق أركان وشروط الزواج وفقًا لأرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة (تماشيًا مع المادة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة 2000 بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية). أما في الدعاوى الأخرى، فقد رفضت محاكم الأسرة الإقرار بواقع الأزواج والزوجات البهائيين. واستندت المحاكم في كلا المسارين – قبول الدعوى أو رفضها – إلى قواعد الفقه والشريعة الإسلامية، ولكنها في المسار الأول اعتبرت  أركان الزواج في الشريعة الإسلامية هي حجر الزاوية لحُكمها ة، بينما في المسار الثاني مثّلت ديانة الزوجين موضوع الحُكم وحُجة المحكمة في رفض الدعوى. 

ومنذ عام 2021، شهدت أربع أسر بهائية على الأقل —بواقع ثمانية أفراد— ممن تمكنوا من تنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم المصرية وإثبات الحالة الاجتماعية الصحيحة في أوراقهم الثبوتية، إرجاع حالتهم الاجتماعية إلى "أعزب" و"آنسة" في بطاقات الرقم القومي، سواء أثناء تجديدها أو أثناء استخراج بدل فاقد. وبسؤال موظفي الأحوال المدنية عن سبب هذا التغير، يُجيب الموظفون بأن هناك تعميمًا جديدًا صادرًا من وزارة الداخلية بعدم تسجيل الحالة الاجتماعية "متزوج/متزوجة" لأي شخص مُدوَّن له (—) أمام خانة الديانة في بطاقة الرقم القومي. 

كانت المبادرة المصرية قد طرحت منذ سنوات على الجهات التنفيذية بالدولة في عدة مناسبات، كان آخرها أثناء جلسة للحوار الوطني مخصصة لمناهضة التمييز، حلًا يمكن من خلاله توثيق عقود الزواج بين البهائيين -في حال أصرت الدولة على انتهاك حقهم في حرية الدين والمعتقد بحصرها الاعتراف على ثلاثة أديان فقط- وهو أن يعين وزير العدل موثقين منتدبين لتوثيق عقود الزواج بين المصريين غير المسلمين ممن أثبتت لهم مصلحة الأحوال المدنية علامة (—) في خانة الديانة في أوراقهم الرسمية، وذلك لضمان حقوق الأزواج والأطفال أثناء قيام الزوجية أو في حال انتهائها سواء بالطلاق أو بوفاة أحدهم.

 

وتؤكد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن عدم تقديم الحكومة لحل قانوني لهذه الأزمة المستمرة ليس سوى جزء من سياسة إقصاء كاملة تنتهجها الأجهزة التنفيذية بالدولة ضد البهائيين المصريين الذين هم جزء أصيل من المجتمع المصري. 

لمزيد من التفاصيل يمكن الاطلاع على تقرير "هويات ممنوعة: انتهاك الدولة لحرية المعتقد"، وورقة السياسات "أوراق هوية وزواج ومدافن: الحقوق الأساسية الغائبة لأصحاب الديانات غير المعترف بها في مصر".