"أهلية منقوصة".. تعليق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين

بيان صحفي

5 مايو 2026

تطلق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اليوم الثلاثاء، 5 مايو، ورقة تعليقًا على مشروع قانون الأحوال الشخصية (قانون الأسرة) للمسيحيين المحال للبرلمان. وتحمل الورقة عنوان "أهلية منقوصة: حول أول مشروع للأحوال الشخصية للمسيحيين"، تحلل فيها المشروع المقدم من الحكومة الأول في موضوعه في تاريخ القوانين المصرية، وتستعرض أهم ما جاء فيه، وتعلق عليه مقدمة مقترحات بتعديلات في بعض مواده، لضمان أن يخدم هذا القانون المستقبلي مصالح من وُضِع في الأصل لينظم حقوقهم وأمور أسرهم.

لعقود، طالب عموم المسيحيين بحلول عملية لمشكلاتهم المرتبطة بتنظيم أحوالهم الشخصية، بينما طالبت المؤسسات الكنسية بـ "قانون أسرة موّحَد للمسيحيين". ومع انتقال تعامل الدولة مع المسيحيين في العقد الأخير إلى نهج أقل تمييزًا، وإن استحكمت قبضته على المجال العام، تستجيب الدولة الآن للمطلب الذي رفعته الكنائس. 

ألقى ذلك بظلاله على عملية صياغة مشروع القانون التي كانت عملية سرية امتدت سنوات غُيِّب عنها الناس، وحضرها فقط ممثلو الكنائس الست وممثلو وزارة العدل، بالإضافة لممثلي بعض الجهات الأمنية. مما أفضى إلى عدم استجابة مشروع القانون للأزمات المُعلّقة والمُتفاقِمة التي عانى منها المسيحيون الذين كانت أولوياتهم أن يتمكنوا من التطليق والزواج مرة أخرى، وأن تتمكن النساء المسيحيات من تطبيق المساواة في الميراث، وأن تتمكن الأسر المسيحية من التبني. ولكن أتى المشروع بقواعد تقنن الأوضاع القائمة بالفعل، والتي شكّلت في مجملها الأسس الخالِقة لأزمات المسيحيين المُعلّقة.

ولم يخلُ مشروع القانون من بعض المكتسبات، أهمها تفعيل المادة الثالثة من دستور 2014 لأول مرة، ضامنًا بذلك المساواة في الميراث بين النساء والرجال والاحتكام للقواعد المسيحية في تعيين الورثة. وكذلك فتح القانون باب الانحلال المدني للزواج –رغم كل التحفظات المحيطة بمدى إمكانية تطبيقه العملي- وغيَّر ترتيب الحضانة لجعل الأب في المرتبة الثانية بعد الأم مباشرةً. 

ولكن، رغم أن القواعد المسيحية في الأحوال الشخصية تُتيح التبني، فقد غاب تمامًا عن مشروع القانون، قاصرًا بذلك تكوين أسرة بديلة على نظام الكفالة الذي يشترط أن يكون الأطفال من نفس دين من سيتكفل بهم. كما خلى من تنظيم كيفية تحديد دين الأطفال مجهولي النسب، بما يترك الأمر لما جرى عليه العُرف باعتبار أي طفل مجهول النسب مُسلمًا.

وأبقَت عملية كتابة مشروع القانون على السلطات الواسعة للرئاسة الدينية في كافة مناحي انعقاد وإنهاء الزواج، وعلى سلطتها المُطلقة في إعطاء تصريح الزواج مرّة أخرى، وحرم مِن الزواج مرة أخرى مَن طُلِق بسبب "زناه"، وكذلك من غيّر دينه أو مذهبه لمذهب لا تعترف به الكنائس ثم عاد للمسيحية أو لمذهبه مرة أخرى. وحتى فيما استحدثه القانون من جواز الانحلال المدني للزواج بعد ثلاث سنوات من الفُرقة، استُحدث معه دورًا يقنن تدخل الرئاسة الدينية يلزم القضاة بأخذ رأيها أثناء سير دعاوى التطليق والبُطلان والانحلال المدني، وبتسبيب حُكم المحكمة إذا جاء مُخالِفًا لرأي الرئاسة الدينية. 

ومع الحفاظ على نطاق شديد الضيق في أسباب التطليق المُتَفَق عليها بين الكنائس-عدا الكاثوليكية التي منعته تمامًا- وإغلاق باب الاحتكام للشريعة الإسلامية نهائيًا في حال تغيير الملة والطائفة، عبر إرساء مبدأ الاحتكام لشريعة الطائفة التي عُقِد الزواج عليها في حال اختلاف الطائفة والملة بين الزوجين؛ يدفع مشروع القانون بغالبية المسيحيين إلى خيارات حدية: إما الدفع أمام المحاكم بأسباب تلحق ضررًا بالغًا بحياة الطرف الآخر الاجتماعية، وكذلك بالأطفال، أو الانتظار ثلاث سنوات كاملةً في فرقة لم يُنظِمها القانون، أو البقاء في زيجة لا يُحتَمَل البقاء فيها. 

وكذلك شاب الإبهام والغموض نصوصًا وعبارات عدة وردت في مشروع القانون، ما يؤدي إلى تعدد تأويلات أحكامه وغموض أوامره ونواهيه. فهذه الصياغات المُبهمة لا تُحقق الأمن القانوني –وهو من المبادئ الدستورية– ولا الاستقرار في المعاملات، ولا تخلق الثقة لدى الأفراد، وتؤدي إلى ترك مساحات واسعة لبناء الأحكام على تفسير كل قاض، بما يهدد الحقوق والحريات. 

تدعو المبادرة المصرية كافة أعضاء مجلس النواب للقيام بكامل دورهم التشريعي بعد إحالة مشروع القانون إليهم، كونهم يمثلون كافة المصريات والمصريين، ولكون هذا القانون يقع ضمن المنظومة القانونية المصرية، حتى مع استئثار القيادات الدينية بصياغته. إذ يمس القانون قطاعًا واسعًا من المواطنين المصريين، مما يلزم النواب التحرك لضمان حقوقهم التي يتعرض لها مشروع القانون. ونسعى بالتعليقات والمقترحات المقدمة لتسهيل مهمة النواب، عبر بيان مواضع القوة والضعف فيه واقتراح تعديله لضمان الحقوق. وقبل أي شيء نأمل أن تكون هذه الورقة عونًا للأسر والأفراد الذين وُضع هذا القانون لتنظيم أحوالهم الشخصية في مطالبتهم بحقوقهم.

اقرأ الورقة كاملة من هنا