الحد الأدنى: أسئلة لا زالت تحتاج إلى إجابات؟

2 أكتوبر 2013

 

دخلت معظم التعليقات على القرار الأخير لرئيس الوزراء، بخصوص تطبيق الحد الأدنى للأجور، ضمن الخلاف على انطباق القرار على الأجر الأساسي أم على الأجر الشامل. بينما قصور القرار في وجهة نظري يتمثل في اختزاله قضيةَ معالجة الأجور داخل إطار الحد الأدنى، دون التطرق إلى معالجة الاختلالات الهيكلية  لسوق العمل في الأساس. وكذلك غياب أي إجابات مقنعة حتى الآن عن تبعات هذا القرار على عجز الموازنة ومعدل التضخم وكذلك نسب البطالة.

المشكلة لا تتعلق بإقرار زيادةٍ على الحد الأدنى، فهذا مطلبٌ ناضلَ من أجله المصريون كثيرًا، وإنما المشكلة في صدور هذا القرار  بمعزل عن حزمة إجراءات أخرى واجبة، كان على رئيس الوزراء إصدار توجيه بتطبيقها، تمهيدًا لمثل هذا القرار. إن الطريقة التي اتخذ بها القرار تعكس قدرًا كبيرًا من التخبط، إذ جاء إعلان القرار كمحاولة لرفع الضغوط التي تشكك في مدى التزام الحكومة بالعدالة الاجتماعية، بدلاً من التفكير الرشيد في حزمة الإجراءات  المطلوبة للوصول الأكيد إلى منظومة سياسات و قوانين تستطيع أن تحقق العدالة الاجتماعية و تضمن أجور عادلة للجميع.

وللآن لم يتم الإعلان عن ماهية تلك المعايير، التي استند إليها متخذُ القرار، لدى حسابه مبلغ الـ 1200 جنيه كحد أدنى، فهل تبنت الحكومة هذا الرقم بناءً على حسابِ متوسطِ احتياجات الأسرة المصرية من السلع الأساسية، أم على أساس خط الفقر في متوسط عدد أفراد الأسرة المصرية؟

يشير تقرير صدر عن منظمة العمل الدولية عن الأجور في العالم لعام 2008/2009 إلى أن الدول التي تتوافر لديها بيانات متماسكة عن الأجور تضع حدًّا أدنى يقارب 35 -40%  أو 50-60% من الأجر المتوسط في البلاد.

والسؤال الآخر هل راعى هذا القرار متطلبات التنمية الاقتصادية، معدلات البطالة، ومستويات القدرة الإنتاجية للبلاد؟ أيضًا كيف تم إقرار الحد الأدنى للأجور في ظل غياب بيانات دقيقة عن مستوى الأجور وتفاوتها داخل القطاع العام، أو داخل القطاع غير الرسمي، الذي يقدره عديد من الباحثين بـ40% من حجم الاقتصاد المصري؟ وهناك شرط أساسي طبقًا لمنظمة العمل الدولية من أجل الحصول على أعلى أثر ممكن للحد الأدنى، وهو القدرة على التغطية القانونية لجميع العاملين في البلاد.

أخيرًا ، من هم بالتحديد الذين سوف يشملهم تطبيق القرار؟ هل هم العمالة الدائمة فقط أم المؤقتة أيضًا؟ هل سيشمل القرار من هم دون الـ1200 أم سيشمل كافة الموظفين وهنا لا تتساوى أجور بين الدرجات الوظيفية المختلفة؟ في جريدة الشروق بتاريخ 23-9 صرح مصدر حكومي بارز بأنه في البداية كان القرار يشمل من هم دون الـ1200 بتكلفة 13 مليار جنيه إلا أنه تبين بعد إصدار القرار أن هذا يعنى زيادة رواتب الدرجات السادسة والخامسة والرابعة والثالثة ليتقاضى أصحابها نفس المبلغ رغم اختلاف درجاتهم وهذا الذي لن يقبله أحد و بالتالي تقرر أن الزيادة يجب أن تصل إلى الجميع، ما يزيد التكلفة إلى 67 مليار جنيه.

ودعونا ههنا نستعيد بعض المعلومات لكى تتضح الصورة أكثر. أولاً: وطبقًا لتقرير صادر عن وزارة المالية في أواخر يوليو الماضي، وقبل الإعلان عن قرار رفع الحد الأدنى للأجور، نجد نصيب بند الأجور ضمن النفقات المتوقعة للدولة في 2013/2014 يبلغ 171.2 مليارًا وذلك من إجمالي قدره 689.3 مليار جنيه، بينما إجمالي الإيرادات لن يتعدى 505.4 مليار جنيه. هذا الرقم يجعل نصيب الأجور يشكل تقريبًا ربع نفقات الدولة بصورة لا تحتمل الزيادة، وبخاصة في وضع تستمر فيه نسب عالية من عجز الموازنة بالإضافة إلى التزامات الدولة لتسديد ديونها الخارجية و الداخلية.

ثانيًا: نسب البطالة طبقًا لآخر تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات وصلت إلى 13.3% وهي نسبة مرتفعة تعني  أكثر من 3.5 مليون عاطل.

ثالثًا: حجم قوة العمل في الجهاز الإداري للدولة و شركات القطاع العام 2011-2012 ممن سيشملهم القرار طبقًا للجهاز المركز للتنظيم و الإدارة هو  5.5 مليون عامل.

رابعًا: يستوعب القطاع غير الرسمي طبقًا للعديد من التقديرات حوالي من 40 إلى 50% من حجم العمالة في مصر بعيدًا عن أي رقابة أو ضمانات لشروط العمل اللائق.

إذا ما نظرنا إلى تلك الأرقام نجد أن الانشغال بالحديث عن الحد الأدنى، بمعزل عن حديث واجب يتناول كيفية معالجة المشاكل الهيكلية في الأجور و سوق العمل، هو نوعٌ من تفريغ القضية من مضمونها، بل إنه يحمل كاهل الموازنة مزيدًا من العجز دون تقديم إجابة مقنعة عن كيفية تسديده. فإذا كانت هناك جدية في نية إقرار منظومة عاجلة لإصلاح الأجور، فإني أرى أن البداية هي مراجعة هيكل الأجور في مصر داخل القطاع العام والعمل على ضمان المساواة في الأجور بين مؤسسات الدولة المختلفة، على أسس السُّلَّم الوظيفي والتي يجب وضعها استنادًا إلى معايير الكفاءة والإنجاز وليس وفق معيار الأقدمية المتأصل داخل البيروقراطية المصرية. هذا، و يجب مراجعة منظومة البدلات و الحوافز على أسس أكثر موضوعية بعيدًا عن المحاباة أو أمزحة الوزراء، حتى نصل إلى أرقام أكثر دقة، و نضع أيدينا على حقيقة وفرة الموازنة من عدمها. من الجدير بالذكر أن هذا التفاوت في الأجور تجده بين موظَّفَيْنِ على نفس السلم الوظيفي سواء في وزارات مختلفة أو حتى داخل قطاعات في الوزاراة الواحدة.

أيضًا  كان يجب بالتزامن مع إعلان زيادة الحد الأدنى للأجور داخل القطاع العام، أن يُعْلَن عن الحد الأقصى كذلك، لكيلا يكون تمويل الحد الأدنى إضافة ثقيلة على الموازنة، هذا بالإضافة إلى ضمان العدالة في الأجور داخل الهيكل الإداري للدولة والذي يعاني بدوره من تفاوت رهيب.

ويبقى السؤال الأهم في ظني - في ظل تلك النسب المرتفعة من البطالة - يتعلق بتوظيف الوفرة في الأجور، بعد إعادة هيكلة الأجور في استثمارات ـ من قبل الدولة ـ كثيفة العمالة تساعد في محاصرة البطالة المستفحلة؟ أو حتى توظيف الفائض المالي في تثبيت العمالة المؤقتة التي تعاني تمييزًا في الأجور و المزايا عن أقرانهم المثبتين في مؤسسات الدولة،  رغم وجود حالات منها عملت داخل الدولة لأكثر من عشرين عامًا؟

 كذلك، كان من الأولى العمل على تعميم الحد الأدنى داخل القطاع الخاص ليرتفع تدريجيًّا في القطاعين معًا، وذلك لأن إقرار الحد الأدنى داخل القطاع العام ـ في حين جرى تأجيله داخل القطاع الخاص ـ غير مفهوم، وهي قضية لم تحل منذ إقرار الزيادة الأولى في 2011، وهو ما يضر بسوق العمل. ففي وجود نسبة بطالة تصل إلى 13%، سيكون أثر هذا الفصل أن الزيادة في القطاع العام وحده ستحفز التواقين للالتحاق بوظيفة للسعي للالتحاق بالحكومة والقطاع العام باعتبارها الفرص الأنسب للتوظيف، رغم أن هذا القطاع يشهد تضخمًا في العمالة . أتصور أن قرار الحد الأدنى كان لابد و أن يراعي تلك النقطة ويحفز العمل في القطاع الخاص، بتطبيق الحد الأدنى على جميع القطاعات ووضع الضمانات لالتزام أصحاب الأعمال الخاصة به. من شأن ذلك الوصول إلى مستويات أجور حقيقية خصوصًا في ظل ضعف القدرة على مراقبة انتهاكات العمل داخل القطاع الخاص، وبالأخص الجزء غير الرسمي منه. أبسط دليل هو تلك النسبة المرتفعة للقطاع غير الرسمي التي يجب أن تكون من أولويات الدولة لتشجيعه للانتقال إلى القطاع الرسمي، ضمانًا لحقوق العمال وأوضاع عمل أفضل، وتحصيلًا أوسع للضرائب تزيد من إيرادات الدولة. إن القرار بصورته الراهنة ضَمِنَ بقاء القطاع الخاص خارج القطاع الرسمي، وشجع العمالة على البحث عن الوظيفة "الميري" وهو يعلم حقيقة غياب شروط العمل اللائق التي دائمًا ما تصاحب القطاع الخاص غير الرسمي.

يقلقني في هذا القرار ـ إضافة لما تقدم ـ غياب الإجابة المقنعة عن تصور مُتخذِ القرار لتبعاته وآثاره على نسب التضخم ومستويات الأسعار. مرة أخرى، في ظل غيابٍ لقدرة حقيقية للدولة على مراقبة الأسعار، ستأكل هذه الزيادةَ الارتفاعاتُ في الأسعار، لتضيع هباءً دون أثر على معيشة المستفيدين بها.    صحيح أن زيادة الأجور ـ على العموم ـ لها دور في تنشيط الاقتصاد و حركة البيع و الشراء، إلا أن التدرج والرقابة على الأسعار شرط أساسي لتحصيل الأثر التحسيني المتوخى من هذه الزيادة.

أخيرًا لا أرى شرعية للمجلس القومي للأجور في ظل غياب الحرية النقابية للعمال، والتنظيمية لأصحاب الأعمال. فلا معنى لهذا القرار ولا سبيل لمراجعته سنويًّا  بغير التمثيل الحقيقي و العادل سواء للعمال أو لأصحاب الأعمال في المداولات حول هذه القضية.

الخلاف ليس حول إقرار الحد الأدنى ولا قيمته المادية، بل حول توجه الحكومة و قدرتها على تحديد أولوياتها إزاء حقوق العمال، وجدية التعامل مع القضايا الأكثر جذرية بعيدًا عن الحالة الشعبوية و الحلول السطحية التي هيمنت على عمل الحكومة طويلا.