المطبلاتى والمقللاتى لا يستويان

3 يوليو 2017

يقفز أحمد فهمى من المرآة ليطبل لإنجازات الحكومة ويبشر بمستقبل خرافى قريب المنال مقدما معلومات كلها خاطئة، كى يقنع بها أحمد فهمى الذى يشكو واقعا صادقا من سوء نوعية الحياة التى تحيط بالمصريين.

- فكرة ذكية وحوار خفيف الظل.

حوار يجعلك تبتلع أنه يساوى بين من يكذب (المطبلاتى) ومن يصف جانبا من الواقع (المقللاتى). وكأنهما على نفس المنزلة من الخطأ.

حوار يجعلك تبتلع الرسالة الإعلامية الممولة من جيوبنا، نحن دافعى الضرائب: وهى أن التقشف الذى بليناكم به، المصحوب بغلاء فى الأسعار غير مسبوق، إنما يعنى فى المقابل، معلمين أفضل وطرقا أكثر ورخاء كثيرا قادم. والدليل هو كم المليارات الكثيرة التى سكبتها الحكومة بكل وزاراتها فى عدد مهول من مشروعات البنية التحتية.

- لماذا لن تصل الرسالة؟

تنصب تلك الحملة الدعائية عن «الحق فى المعرفة» على الاستثمارات الحكومية.

فما هو الاستثمار الحكومى؟ هو أحد أوجه الإنفاق العام. وهو كل جنيه تنفقه الحكومة لزيادة أصولها. وتكمن الأهمية الاقتصادية للاستثمار العام فى أنه يخلق وظائف وينشط الطلب المحلى كما أنه إنفاق قليل الأثر على التضخم.

هكذا، فإن شراء سيارة لمسئول حكومى، أو تجديد أجهزة مكتبه هو نوع من الاستثمار الحكومى، لأن استهلاك هذا الأصل الجديد سوف يمتد لفترة أطول من عام. وهو يعنى أن الحكومة سوف تنشط مبيعات مصانع السيارات أو التليفزيونات والكمبيوترات وغيرها. وكذلك بناء مدرسة أو عيادة أو محطة مياه شرب هو أيضا استثمار، لأن الانتفاع بتلك الأصول الحكومية يدوم لسنوات طوال.

لكن.. ليس كل استثمار عام مفيدٌ للتنمية أو للمواطنين، ولا كل الاستثمارات العامة مفيدة بنفس القدر.
فالشيطان فى التفاصيل التى تغفلها إعلانات الحق فى المعرفة.

***

هناك خمسة معايير، مستوحاة من الخبرات العالمية تضمن كفاءة وعدالة الاستثمار العام.

- أولا: كيف تم اختيار تلك المشروعات؟

يتحدث أحد تلك الإعلانات عن شبكة الطرق الكبيرة التى تبنيها الحكومة. ويتحدث آخر عن مشروعات الإسكان الاجتماعى وتطوير العشوائيات. وهى مشروعات تندرج تحت مسمى البنية التحتية الصلبة، وذلك فى مقابل البنية التحتية الناعمة، أى تلك الموجهة إلى خلق المعرفة والإبداع والبيئة النظيفة والثقافة، وأهم مثال عليها هو الصحة والتعليم. تعتزم الحكومة هذا العام توجيه أكثر من نصف استثماراتها إلى مشروعات البنية التحتية الصلبة، فى مقابل أقل من 18 فى المائة من الاستثمارات الحكومية الموجهة لقطاعى التعليم والصحة معا.
بالمقارنة، فإن نادى الدول المتقدمة، ينفق نصف استثمارات الحكومة سنويا على التعليم.

تتبع الكثير من الدول التى ترغب فى تحقيق التنمية، فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، دليل نادى الدول المتقدمة، كى تعظم من كفاءة الاستثمارات الحكومية وعدالة توزيعها.

ولعل أحد أهم المفاتيح هو أنه «فى أوروبا والدول المتقدمة» يتم تحديد الأغلبية العظمى من الاستثمارات الحكومية على المستوى المحلى (حوالى 85 فى المائة)، وذلك بإشراك المواطنين والمستفيدين والقطاع الخاص عن طريق البرلمانات المحلية (الغائبة عن الحالة المصرية) والحكومة المحلية وعن طريق اجتماعات شعبية موسعة يحضرها المسئولون ليناقشوا الاحتياجات قبل وضع الخطط.

قررت الحكومة بناء مجمع إسكان اجتماعى بديع يبعد حوالى خمسين كيلومترا عن قلب مدينة بنى سويف، وهى واحدة من أفقر محافظات مصر، ليقبع مهجورا يسكنه الأشباح مع عشرات فقط من المواطنين. تجاهلت رأى المواطنين، الذين يفضلون مبانى أقل فخامة، مع صرف المبلغ الذى تم توفيره على شبكة مواصلات عامة تربط بينه وبين المدينة والقرى المجاورة. ولو سألتهم لفضلوا نمط الإيجار الأقل تكلفة، على نمط التمليك الذى لا يصلح إلا للطبقة الوسطى.

هكذا فالمعيار الأول هو: هل تحددت تلك الأولويات فى غرف الحكومة المغلقة فى القاهرة، أم تم إشراك عدد كبير من المواطنين البسطاء والمتعلمين فى تحديدها؟

- ثانيا: الاستثمار الحكومى لخدمة من؟

يتحدث أحد الإعلانات عن تطوير شبكات الكهرباء. ولكن من تخدم تلك الشبكة المحدثة من الكهرباء؟

يوضح مؤشر العدالة العمرانية، الصادر منذ أيام عن مركز دراسات 10 طوبة، أن مشاريع الكهرباء تركز جزءا كبيرا منها فى المجتمعات العمرانية الجديدة والتى تضم 2 فى المائة فقط من السكان، على حساب المناطق المحرومة العامرة بالسكان.

وبشكل عام، وفقا لنفس التقرير، فإن الزيادات الكبيرة فى الإنفاق العام، خلال العام الحالى ٢٠١٦ــ٢٠١٧، لا تبررها الاحتياجات القطاعية ــ الجغرافية، وذلك فى معظم مشروعات البنية التحتية الصلبة، من مساكن ومرافق وطرق.

«فى جميع القطاعات، تباينت نسبة الإنفاق إلى السكان المحرومين تباينًا كبيرًا داخل كل قطاع، حيث تراوحت هذه النسبة بين أقل بكثير من التعادل (وهو يساوى 1.0، حيث تتساوى نسبة الإقليم من الإنفاق بنسبته من عدد السكان المحرومين. وبين أعلى بكثير من التعادل، وهى علامة مشئومة تنذر بأن الإنفاق لا يعكس الاحتياجات».

هكذا، يكون المعيار الثانى للحق فى المعرفة أن نتحقق من أن الاستثمار العام يفيد أكبر عدد من المواطنين وخاصة أكثرهم حرمانا من الخدمات.

- ثالثا: الاستثمار الحكومى والحد من الفقر

تتحدث الإعلانات عن فرص التوظيف الكثيرة التى تخلقها المشروعات الحكومية/ القومية. وهذا صحيح، ولكن ما حجم الوظائف الدائمة من تلك الفرص؟ كم عدد فرص العمل اللائقة من بينها؟ أى هل تمنح العامل حدا أدنى للأجر، وتأمينا اجتماعيا، وتحدد له عدد ساعات للعمل، وبدلات للعمل خارج تلك الساعات وفى العطلات؟ فالإجابة على تلك الأسئلة بنعم هى ما أنتجت عنه تلك الدراسة الحديثة، وبشكل خاص تشدد الدراسة على أهمية الحد الأدنى للأجر والذى هو لا ينطبق على الأغلبية العظمى من فرص العمل التى وفرتها الاستثمارات الحكومية خلال الأعوام القليلة الماضية. رغم أهميته كأداة فى تقليص عدد الفقراء وضمان حد أدنى من مستوى المعيشة.

هكذا، فالمعيار الثالث للحق فى المعرفة هو: هل الاستثمار الحكومى يخلق فرص عمل لائقة مستدامة، وبالتالى يحد من الفقر وسوء عدالة توزيع الدخول، وبالتالى سيؤدى إلى دفع النمو والإنتاجية لسنوات قادمة؟ أم هى فرص مؤقتة لن تساعده فى تأمين دخل للقائم بها غدا؟

- رابعا: الاستثمار الحكومى والتنسيق بين أوجه الإنفاق

كم من مستشفيات ومدارس كثيرة بنتها الحكومة وبقيت خاوية غير مستخدمة، حيث تم تخصيص مبالغ للاستثمار فيها، ولكن لم يتم تخصيص مبالغ للأجور اللازمة للمدرسين الذين يجب أن يلتحقوا بها، أو لشراء مستلزمات تلك المستشفى مثل الأدوية والشاش وخلافه. ينتج ذلك عن عدم التنسيق بين أوجه الإنفاق.

هناك أيضا مخاطر أكبر من عدم التنسيق، يحذرنا دليلنا عن أفضل الممارسات العالمية من أن نطبق استراتيجية للاستثمار المحلى وضعت لمنطقة أخرى بحذافيرها، بدون تطويعها للاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية المحلية.

أو أن تتجاهل الخطة الآثار السلبية للاستثمارات الحكومية سواء على بعض السكان، أو على التوازن البيئى، أو على استثمارات حكومية أخرى. وأخيرا أن يتخذ قرار عشوائى مفاجئ باستثمار حكومى خارج الاستراتيجية.

وعليه، حين تقرر الحكومة بناء محطة مياه جديدة للشرب، عليها أن تتأكد من أن حجم المحطة يخدم أكبر عدد من السكان، وأن هناك تنسيقا بين جميع الجهات المعنية يسمح بإمكانية توصيل تلك المحطة بأقرب فرع للنيل، وأن هناك كمية من المياه فى هذا الفرع تسمح بتوفير المياه فى الحنفيات داخل المنازل. وأن الوحدة المحلية لديها من الموارد ما يكفى لبناء شبكة من المواسير لتوصيل المياه من المحطة إلى السكان. وإلا كانت أموالنا التى خصصتها الحكومة لبناء تلك المحطة هى والعدم سواء.

هكذا، فالمعيار الرابع هو: هل تم التنسيق بين الحكومة المركزية والجهات المحلية حول هذا المشروع؟

- خامسا: الاستثمار الحكومى والفساد

لعل أهم ما فى الحملة الإعلانية هو ذلك الربط بين حجم المعلومات المتاحة وإثراء النقاش حول الإنجازات وتقييمها. ولكن..

إتاحة المعلومات لا تكون عبر دقيقة واحدة فى إعلان، فهذه بالأحرى هى رسالة من طرف واحد. والأحرى هو أن تتأكد الحكومة من إعلام الشعب بكل جوانب الإنفاق على المشروعات التى تقوم بها. فى الهند مثلا، تحرص الحكومة المحلية على تعليق لوحات إعلانية فى شوارع القرى والمدن، تشرح المشروع وفائدته للسكان وتكلفته.
وفقا للمعايير التى يوردها الدليل هناك ما يبعد مصر عن أفضل الممارسات.

على سبيل المثال، يؤكد الدليل على الشفافية فيما يتعلق بتنفيذ المشروع. كيف ولماذا تم إسناد هذا المشروع إلى هذا المقاول؟ هل هناك قواعد موحدة ومعلنة لشراء مستلزماته ولاختيار المنفذين، بحيث يطمئن الشعب أن التكلفة هى فعلا أقل ما يمكن؟ أم أن الباب مفتوح للوساطة ولأصحاب النفوذ، مما يرفع التكلفة عن المخطط، فلا يكتمل المشروع فى الموعد؟

تربط الكثير من الأدبيات المتعلقة بالاستثمار الحكومى بينه وبين الفساد، سواء كان ذلك الفساد هو استغلال أموال حكومية لتحقيق ربح خاص، أو بمعنى استغلال النفوذ السياسى لتوجيه الإنفاق الحكومى بما يخدم مصالح ضيقة أو شخصية.

فى مصر، الوضع مقلق. لأنه تحت مسمى تسريع الإجراءات والقضاء على العقبات البيروقراطية التى تقف أمام الإنجاز السريع، تم وقف العمل بقوانين المناقصات والمزايدات، التى تضمن قواعد موحدة للجميع، وأقل تكلفة للتنفيذ. كما تم تعطيل محاسبة الفاسدين من موظفى الحكومة والقطاع الخاص. وفى النهاية، لم نكسب ضمان النزاهة، ولم تستطع الحكومة سوى تنفيذ ثلث ما تعهدت به فى العام 2016ــ2017 من مساكن ومرافق، وفقا لبيانات حكومية استند إليها تقرير 10طوبة.

هكذا فإن المعيار الخامس هو ما مدى إتاحة المعلومات وتوحيد قواعد اللعبة أمام جميع الأطراف.

***

الخلاصة، فى كل مرة يقفز فيها أحمد فهمى فى وجه أحمد فهمى، لا يجب أن ننسى تلك المعايير الخمسة التى تضمن حسن إنفاق مئات المليارات الشحيحة فى بلد «فقير قوى». هذا وحده ما يعزز كفاءة أداء الحكومة، ويرفع الرضا الشعبى عن إنجازاتها، ويؤدى إلى مستويات معيشة أفضل لأكبر عدد من المواطنين.
لا يستوى المطبلاتى مع المقللاتى، لأن الأول أقرب إلى الكذب والثانى إلى الصدق أقرب. ولا تنجح حملة دعائية فى تقليل مخاوفنا عن الاستثمار الحكومى وكفاءته وعدالته.

تم نشر هذا المقال عبر موقع الشروق الإلكتروني في تاريخ  23 يونيو 2017