حرية التعبير والاعتقاد الديني بين الوصاية المجتمعية والتقييد القانوني
انطلقت منذ الربع الأخير من العام الماضي، 2025، حملة أمنية غير مسبوقة ضد أصحاب المعتقدات والأفكار الدينية المخالفة للسائد، ممن يعبرون عن رؤاهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقد عمدت السلطات العامة وسلطات إنفاذ القانون إلى ملاحقة هؤلاء المواطنين وإلقاء القبض عليهم عبر مراقبة حساباتهم الإلكترونية؛ وهو ما أفصحت عنه البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية ومحاضر تحقيق النيابة التي تكررت فيها عبارات مثل "التوجيهات المستديمة لمتابعة صفحات التواصل الاجتماعي".
فبعد فترة من الهدوء النسبي تراجع خلالها عدد القضايا التي يتهم فيها مواطنون ومقيمون بـ"ازدراء الأديان"، عادت النيابة العامة ونيابة أمن الدولة العليا التابعة لها لتوجيه هذا الاتهام الفضفاض لعشرات الأفراد في قضايا متفرقة خلال السنة الفائتة.
في مارس 2025 بدأت نيابة أمن الدولة العليا التحقيق في القضية 2025 لسنة 2025، ضد مواطنين اتهمتهم بتباع عقيدة الدين الأحمدي للسلام والنور. وفي شهر سبتمبر بدأت النيابة ذاتها التحقيق في القضية 6954 لسنة 2025، التي حبس على ذمتها عددٌ من اللادينيين وأصحاب المعتقدات المخالفة للسائد. وإضافة لهاتين القضيتين، حركت نيابة أمن الدولة العليا عدة قضايا أخرى، لوحق متهموها بسبب آرائهم ومعتقداتهم الدينية، ليبلغ عدد الملاحقين والمحبوسين بسبب ممارسة حقهم في الاعتقاد 52 شخصًا، موزعين على سبع قضايا مختلفة في سنة 2025 وحدها، وفقًا لما تمكنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من توثيقه.
يربط بين هذه القضايا جميعًا أن متهميها باتوا قيد الحبس أو الملاحقة الأمنية بعدما عبروا عن آرائهم ومعتقداتهم الدينية المخالفة للسائد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهي لا تختلف في هذا عن قضايا "ازدراء الأديان" التي دأبت النيابة وسلطات إنفاذ القانون على تحريكها، أو الاستجابة لبلاغات تسعى لتحريكها، منذ أضيفت المادة 98و إلى قانون العقوبات في ثمانينيات القرن الماضي.
ما قبل المادة 98و
قبل أن يدخل البرلمان المصري تعديلاته على قانون العقوبات لتظهر مادة "ازدراء الأديان" سنة 1981، اتخذت قضايا ملاحقة الأفراد بسبب معتقداتهم شكلاً آخر عُرف بقضايا "الحسبة".
يرجع كثير من ن المؤرخين والفقهاء نشأة الحِسْبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب الذى ولى الحِسْبة على سوق من أسواق المدينة لامرأة تسمى «أم الشفاء»، وفق منصة دار الإفتاء المصرية. بينما ينسب آخرون مصطلح "الحسبة" لوظيفة "المحتسب" التي دُشِّنت في نهايات عصر الدولة الأموية. وتطورت من مسؤولية الرقابة على المكاييل والموازين وضمان انضباطها، إلى ضمان انضباط الأسعار ورصد ومحاسبة المحتكرين، ثم التدخل في إدارة بيت المال والإشراف على جمع الزكاة والخِرَاج انطلاقًا من القواعد التي وضعها الشيرازي (393 - 476 هـ) بإيعاز من صلاح الدين الأيوبي. لكن فقهاء منهم الماوردي (364 -450 هـ) أضافوا لمهام المحتسب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، قبل أن يتحول منصب المحتسب في عهدي المماليك (ورثة الدولة الأيوبية) ومن بعدهم العثمانيين إلى رمز للظلم والعسف بين المصريين، كما رصد المؤرخ المصري ابن إياس في مؤلفه المرجعي "بدائع الزهور في وقائع الدهور".
ويرصد الكاتب حلمي النمنم في كتابه "الحسبة وحرية التعبير"، الصادر عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، البدايات المبكرة لملاحقة الكُتَّاب والمفكرين التي بدأت بتدخلات مباشرة من السلطة، ثم أوكلت لاحقًا لقضايا الحسبة. ويعود في تتبعه للقرن التاسع عشر، حين كان المفكر رفاعة الطهطاوي أول الضحايا المعروفين لحرية الفكر والتعبير في وقت يؤرخ له باعتباره بدايات تشكُّل الدولة الحديثة في مصر. إذ نفى الخديوي عباس الطهطاوي إلى السودان بدعوى إقدامه على إعادة طبع كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" بسبب ما ضمه الكتاب من حديث عن الثورة الفرنسية وأهمية الدستور (أسماه الطهطاوي المشروطية) عقدًا بين الحاكم والمحكومين، ما قرأه عباس تحريضًا ضده وتأجيجًا للعوام.
لاحقًا ألغى الخديوي سعيد الحسبة تمامًا مع توزيع مسؤولياتها على الهيئات والنظارات (الوزارات) المدنية كالمالية والتعليم وغيرها، وذلك ضمن إجراءات تمدين الدولة التي ألغيت بموجبها الجزية أيضًا وباتت الخدمة العسكرية تساوي بين المصريين على اختلاف أديانهم.
غير أنه خلال عقود قليلة من إلغاء نظام الحسبة ووظيفة المحتسب رسميًا، ومع بدايات القرن العشرين، بدأت قضايا الحسبة تظهر على استحياء؛ ثم ما لبثت أن ارتفعت معدلاتها بداية من سبعينيات القرن الماضي. وشكل شيوخ منتمون للأزهر أو محسوبون عليه غالبية محركي تلك الدعاوى في البداية. إذ كان أول بلاغ ضد كاتب بسبب كتابته هو البلاغ الذي تقدم به الشيخ خليل حسنين -الطالب بالقسم العالي بالازهر- إلى النائب العمومي ضد طه حسين في 30 مايو 1926 بسبب محتوى كتابه "في الشعر الجاهلي"، وتبعه شيخ الأزهر وقتها الغمام محمد أبو الفضل الجيزاوي ببلاغ ثانٍ في يونيو من السنة نفسها، وتلقى النائب العمومي (العام حاليًا) بلاغًا ثالثًا ضد طه حسين بسبب الكتاب من نائب برلماني في سبتمبر من نفس العام.
كانت ملاحقة طه حسين فاتحة لقضايا الحسبة التي اجتاحت النظام القضائي المصري حتى وصلت للتدخل في الحياة الشخصية للمواطنين في عدة قضايا، أشهرها دعوى التفريق بين د. نصر حامد أبوزيد -أستاذ الدراسات الإسلامية- وزوجته الأستاذة الجامعية د. ابتهال يونس، بعد اتهامه بالردة على خلفية كتبه وأبحاثه المنشورة. وبسبب الجدل الذي أثارته تلك المعركة الفكرية/ القضائية، صدر القانون 3 لسنة 1996 بشأن تنظيم دعاوى الحسبة، والذي وضع قيدًا عليها بأن أوكل تحريكها حصريًا للنيابة العامة بناء على رصدها، أو استجابة للبلاغات المقدمة إليها.
من الحسبة لـ"ازدراء الأديان"
كان لمؤسسة الأزهر خلال ثمانينات القرن الماضي دور كبير في زيادة نشاط منع نشر المصنفات الفنية أو الكتب، وحظر أعمال إبداعية وفكرية كثيرة بدعوى "ازدرائها" للدين الإسلامي، وذلك عبر مجمع البحوث الإسلامية التابع لمشيخة الأزهر الذي تولى دور مستشار الحكومة في الشؤون الدينية، وتصدى لاتهام العديد من الكتاب بتهمة "ازدراء الأديان" التي أدخلت إلى قانون العقوبات في سنة 1981.
خلال الأعوام القليلة التي سبقت ثورة يناير 2011، زادت وتيرة استخدام سلطات إنفاذ القانون لتهمة "ازدراء الأديان" في التضييق على أصحاب المعتقدات المخالفة لمعتقد الغالبية السائد، حيث طالت هذه القضايا العديد من المواطنين سواء من الشيعة أو الأحمديين والقرآنيين وغيرهم، فتعرضوا للملاحقات الأمنية والاعتقال بدون محاكمة والاحتجاز غير القانوني والمنع من السفر. بل إن بعض المحققين راجعوا معتقلين في معتقداتهم وسألوهم عن آرائهم الدينية وعن الطقوس التي يؤدونها؛ وهي مراجعات انتهي أغلبها بتوجيه اتهامات بـ"ازدراء الأديان" والترويج لأفكار مخالفة للشريعة الاسلامية. وكان من أشهر هذه القضايا القضية 494 لسنة 2007 حصر أمن الدولة، المعروفة إعلاميًا بقضية القرآنيين. وتلتها القضية التي حبس على ذمتها مواطنين مصريين ممن يعتنقون المذهب الشيعي، حيث وجهت إليهم أيضا تهمة ازدراء الدين الإسلامي في عام 2010.
لم تتوقف القضايا بعد ثورة يناير على الرغم من تغير المناخ السياسي بعدها لفترة قصيرة، إذ تعددت وقائع حبس مواطنين وتقديمهم للمحاكمة على ذمة قضايا اتهموا فيها بازدراء الأديان خلال الفترة من 2011 إلى 2016. ووثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية خلال هذه الفترة 58 قضية، منها 36 قضية خلال عامي 2011 و2012 وحدهما، في تقريرها "حصار التفكير - قضايا ازدراء الأديان خلال عامين من الثورة".
خلال الفترة من 2011 إلى 2016، واجه 63 مواطنًا تهمتي الإساءة و"ازدراء الأديان"، وكانت السمة الغالبة لهذه القضايا أنها بدأت بسبب بلاغات قُدِّمت لجهات التحقيق أو لأجهزة الأمن. وكان من ضحاياها المدون ألبير صابر والمدرس بيشوي كميل والمحامي روماني مراد والمدرس الأحمدي مصطفي حسن والمدرس الشيعي محمد عصفور والمعلمة القبطية دميانة عبد النور. وقدم ضد دميانة بلاغ من أحد أولياء الأمور يتهمها فيه بـ"ازدراء الدين الإسلامي" أثناء تدريسها منهج الدراسات الاجتماعية للطلاب. وكان من ضمن الضحايا أيضًا ثلاثة أطفال أقباط بلغت أعمارهم وقت القبض عليهم 15 و17 عامًا وثالثهما أقل من 15 عام. ووجهت لهم في سنة 2016 تهمة "ازدراء الدين الإسلامي" على خلفية تصويرهم فيديو يسخر من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وذبحه لضحاياه، وتصوير الذبح باعتباره طاعة دينية. وزعم مقدمو البلاغ أن فيديو الأطفال غرضه السخرية من شعائر الدين الإسلامي، رغم أن تصويره جاء في سياق ذبح التنظيم علنًا لمواطنين مصريين أقباط من العاملين في ليبيا.
تحرك العديد من تلك القضايا سابقًا بناء على بلاغات قدمت إلى أجهزة الأمن، وبعضها الآخر قُدّم للنيابة العامة مباشرة. إلا أن السمة الغالبة على الموجة الحالية من قضايا ازدراء الأديان هي مبادرة أجهزةالأمن والنيابة من تلقاء أنفسهم إلى استخدام سلطاتهم لملاحقة المواطنين وتوجيه تهمة "ازدراء الأديان" وطائفة اخرى من التهم المتصلة بحرية الاعتقاد أو التعبير لهم من دون انتظار بلاغات. إذ دأبت تلك الجهات على مراقبة المحتوى المنشور على شبكات التواصل الاجتماعي، أو حتى عبر الرسائل الخاصة، كما في قضية المجند ماركو جرجس في عام 2021، حين حققت معه نيابة أمن الدولة على خلفية ضبط رسائل خاصة على تطبيق ماسنجر، ثم أحيل لمحكمة الجنح الاقتصادية بتهمة "ازدراء الدين الإسلامي" وفقًا للمادة 98و. وأصدرت محكمة الدرجة الأولى حكمًا بحبسه خمس سنوات وأيدت محكمة المستأنف ثم محكمة النقض.
بادرت النيابة وأجهزة الأمن أيضًا لملاحقة المتهمين في القضية 6954 لسنة 2025 حصر أمن الدولة العليا، المحبوس على ذمتها حاليًا العديد من أصحاب المعتقدات المخالفة للسائد واللادينيين والملحدين. حيث اتُّهموا بـ"ازدراء الأديان "على خلفية نشر بعضهم تساؤلاتهم الدينية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الأمر نفسه حدث في قضية 2025 لسنة 2025 حصر أمن الدولة العليا، المحبوس على ذمتها أتباع الدين الأحمدي للسلام والنور. وتكرر في قضايا أخرى ضمن موجة الملاحقة الحالية، وإن كانت أصغر نسبيًا،في حجمها، وظهرت بناء على تحريك النيابة بلاغات قدمها أشخاص حققوا شهرة من خلال تقديم مثل تلك البلاغات، أو قدمها آخرون يؤولون العبارات والألفاظ التي يذكرها غيرهم، ويضمنون تأويلهم هذا في بلاغات تضمن صياغتها توجيه تهمة "ازدراء الأديان" لضحايا بلاغاتهم.
"ازدراء الأديان" في القانون قبل تشريع المادة 98و:
للمواد التي شرعت تحت ذريعة تجريم "ازدراء الأديان" أو الإساءة لها تاريخ يمتد إلى وضع أول التشريعات العقابية في تاريخ مصر الحديث، وهو قانون العقوبات الموحد للمحاكم الأهلية الصادر في 1883 خلال عهد الخديوي توفيق (في العام التالي على بدء الاحتلال الإنجليزي). إذ جرم هذا القانون ما أسماه "الإساءة للأديان" وعاقب عليها بـ "الحبس من ثمانية أيام إلى ثلاثة أشهر لمن شوش على إقامة شعائر دين أو على إظهار احتفالاته، أو عارض ضد هذا بضرب أو تهديد. والحبس من شهر إلى سنة، ودفع غرامة من مائة قرش ديواني، وقرش إلى ألف قرش لكل من انتهك حرمة أحد الأديان أو المذاهب التي يجوز إقامة شعائرها علنًا".
انتقلت التهمة نفسها إلى ثاني إصدار لقانون عقوبات مصري، وهو القانون الصادر في عام 1904 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي حدد عقوبة لـ "انتهاك حرمة الأديان أو الإساءة لها" بالحبس مدة لا تزيد عن سنة أو بغرامة لا تتجاوز خمسين جنيهًا مصريًا، وذلك على اختلاف الأفعال الصادرة من المتهم من ارتكاب العنف أو الإتلاف أو التدنيس أو تحريف نص وطبع ونشر كتاب مقدس، أو "تقليد احتفال ديني في مكان عمومي أو مجتمع عمومي بقصد السخرية". إلى أن صدر قانون العقوبات الحالي رقم 58 لسنة 1937، وهو القانون الذي خصص بابًا كاملاً للجنح المتعلقة بالإساءة للأديان، ما لبفتح الباب أمام مُلاحقي المفكرين والكتاب والباحثين لتتعدد الملاحقات القضائية. حتى أضيفت مادة 98و إلى القانون نفسه.
السياق التشريعي لمادة ازدراء الأديان "98و"
تقدمت الحكومة المصرية في أواخر عام 1981 إلى مجلس الشعب (النواب حاليًا) بمشروع قانون لتعديل عدد من مواد قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وإضافة مواد جديدة. وكان من ضمن المواد المستحدثة المادة 98و المعروفة بمادة "ازدراء الأديان". كما شمل القانون إضافة عدد آخر من المواد تتعلق بالفتنة الطائفية وتجريم الاعتداء على حرية ممارسة الشعائر الدينية وتجريم إساءة استخدام الخطاب الديني، إذ توسع نطاق التجريم ليشمل كل شخص وليس رجال الدين فقط. وصدرت التعديلات بموجب القانون 29 لسنة 1982.
أحال مجلس الشعب التعديلات قبل إصدارها إلى لجنة الشؤون الدستورية والقانونية بالمجلس، والتي قررت حذف الفقرة الثانية من المادة 98و المقدمة في مشروع القانون، والتي كانت تنص على "ويعاقب بذات العقوبة المنصوص عليها في الفقرة الأولى كل من حاز بالذات أو بالواسطة محررات أو مطبوعات أو تسجيلات تتضمن شيئا مما ذكر أو كانت معدة للطباعة أو للتوزيع أو لاطلاع الغير عليها" وذلك لما تحتويه على قيد على حرية الأفراد التي كفلها الدستور. كما حُذفت عبارة "أو تكدير الأمن العام" التي كانت منصوصًا عليها في نهاية الفقرة الأولى من المشروع، وذلك "لعدم تحديد معاناها تحديدًا دقيقًا".
النص الحالي في القانون وعيوبه الدستورية وتداعياته المجتمعية
تنص المادة 98و على أن: "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز الخمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج بالقول والكتابة أو بأي وسيلة كانت لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية".
وفي هذا السياق القانوني للتجريم، نجد أن العبارات الواردة بمادة تجريم الازدراء هي عبارات فضفاضة وتحتمل التأويل، وتفتقر للتحديد أو التركيز على تعريف واضح. إذ اعتبرها فقهاء القانون مادة لا تتفق مع قواعد الدستور وضوابطه، لما بها من عبارات فضفاضة تسمح بتجريم أي شخص ولو لم يدل ِصراحة بألفاظ تحقر أو تزدري أحد الأديان.
المذكرة الشارحة التي أصدرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لتفصيل الرأي القانوني المتصل بعدم دستورية المادة، تضمنت أسبابًا من بينها "افتقار النص التجريمي – أي المادة 98و – إلى الضوابط الدستورية المطلوبة في أي نص عقابي، بما يعد إخلالًا بمبدأي مشروعية التجريم والفصل بين السلطات المرتبطين بالدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، والذي قد يؤدي بدوره لتطبيق النص التجريمي وفقًا لأهواء القائمين على انفاذ القانون بسبب عيوبه الدستورية".
بل إن نص المادة ينتهك الحق في حرية العقيدة والحق في حرية الرأي والتعبير وينتقص منهما، ومثال ذلك توصيف أو تأويل بعض العبارات على أنها "تنطوي على قصد ازدراء وتحقير الأديان"، حتى أن المحاكم المصرية اختلفت في تفسير المادة، فاعتبرتها بعض المحاكم تهديدًا للنظام القانوني لينتهي بما يشبه محاكم التفتيش. وهو ما نص عليه حكم محكمة جنح العجوزة في القضية الشهيرة المرفوعة ضد الفنان عادل إمام بتهمة "ازدراء الأديان" استنادًا لنص المادة 98و. وهنا لا يسعنا إلا أن نقتبس جزءًا من ذلك الحكم ليبين مدى ضبابية العبارات الواردة بالمادة حيث ذكرت المحكمة في حكمها: "وباستخدام هذا المقياس الفضفاض المسمى بالأفكار المتطرفة، والذي لا يبين حداً ضابطاً لما يعدُّ متطرفاً وما يعد غير متطرف، الأمر الذي يهدد بأن ينتهي بالنظام القانوني بما يشبه محاكم التفتيش فيفتح باب التفتيش في الأفكار، ومن ثم العقائد والحجر عليها بدعوى الهرطقة – بالمفهوم المسيحي تارة، والردة والزندقة – بالمفهوم الإسلامي – تارة أخرى، ويرد المجتمع بأسره إلى الظلامية والجمود، بل وشمولية تيار فكري ديني بعينه، يجهض جميع التطلعات بتطوير الخطاب الديني وهو ما يناقض الحرية في التعبير والاعتقاد".
أي أن النص التجريمي أصبح بسبب عباراته الفضفاضة وغير الدستورية مجالًا لتجريم أي عبارات أو آراء دينية أو معتقدات مخالفة للسائد، كما يجرم أية فكار نقدية موجهة لممارسات ضارة تؤدَّى تحت ستار الدين، وهو ما قد ينتهي إلى غلق المناقشات العامة لمحاولة فهم تلك الأضرار أو لنقد ممارسات ضارة منتهكة لحقوق الانسان.
مثال ذلك نقد ممارسات تشويه الأعضاء الجنسية للإناث (الختان). ففي الماضي، كان يعتبر رفض تلك الممارسة تطاولاً على الدين من قبل بعض رجال الدين بالأزهر. ويهدد هذا النص الفضفاض بأن ينتهي بالمجتمع إلى الرقابة الذاتية، ما يؤدي بدوره لانخفاض الشفافية، وانتهاكات موسعة لحقوق الإنسان بحجة حماية الأديان من الازدراء، وهي في حقيقتها حماية ممارسات تصطبغ بصبغة دينية مقدسة بفعل آراء فقهية بشرية. وهنا ننتهي للرأي بأن مادة ازدراء الأديان بصياغتها الفضفاضة الحالية قد تُستَغَل بقصد تكميم الأفواه، سواء على أيدي القائمين على إنفاذ القانون أو من خلال السعي للضبط الديني للمجتمع لغلق أي مناقشات عامة أو نقدية؛ مما يضر المجتمع ويمنعه من التعرف على أضرار بعض الممارسات المغلفة بستار الدين والتقديس. بل يمكن أن تستخدم للتمييز ضد أصحاب المعتقدات المغايرة للمذاهب والعقائد السائدة أو معاقبة أفراد ومجموعات على أفعال لا ترقى لاعتبارها اعتداء على حرية ممارسة شعائر دينية، أو حتى اعتبارها أفعال تحريضية ضد الأديان؛ كما نرى في حملة الملاحقة الأمنية والقضائية الحالية.
من هنا نرى ضرورة لإلغاء المادة 98و من قانون العقوبات، حتى لا تستمر سيفًا مسلطًا فوق رقاب المواطنين، يستخدم لمنعهم من التعبير أو النقد أو حتى إضمار عقيدة أو نظرة أو تفسير لنصوص دينية قد يختلفون فيها مع ما يسود في لحظة بعينها. ونرى الاكتفاء بمواد تحمي أتباع الديانات وكافة المعتقدات من التعرض للتمييز، أو تجرم الاعتداء على أماكن العبادة أو منع ممارسة أي شعائر دينية؛ اتساقًا مع الضوابط الدستورية وما نصت عليه من أن حرية الاعتقاد مطلقة.




