هل يجوع المصريون؟

فريق عمل المبادر المصرية

طالعتنا الصحف بتاريخ 13 من مارس الماضي بخبر تراجع مخزون مصر الاستراتيجي من القمح المحلي والمستورد إلى 2.207 مليون طن، أي ما يكفي لسد احتياج المصريين خلال 89 يوما فقط.

كان دأب الحكومة المصرية هو أن تقوم كل ستة أشهر بطرح مناقصات لشراء احتياجاتها من القمح المستورد - الذي يغطي 50% من احتياج البلاد من القمح – وغاية ذلك أن تضمن توافر مخزون من القمح يكفي لستة أشهر. ويبدو أن واقع الحال الآن هو تضاؤل المخزون لحد جاوز حدود الأمان، ونزوله لدون ما يغطي احتياجات ثلاثة أشهر. وبحسب تصريح نفس المصادر فإن الحكومة لا تعتزم شراء المزيد من القمح من الخارج وإنما ستعتمد علي الإنتاج المحلي لتغطية الفجوة.

و لعل سبب عدم تمكن الحكومة من شراء القمح من الأسواق العالمية يكمن في تلك الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد، وما تعانيه من تدهور في قيمة عملتها. ويرجع العجز في جانب منه إلي افتقار الهيئة العامة للسلع التموينية – القائمة بإدارة المشتريات - لكوادر مدربة على طرح المناقصات بكفاءة، في ظل النظام الحالي، و الذي نجح في إبعاد ذوي الخيرة منهم.

كما تكمن المشكلة في أن قرار الاعتماد علي القمح المحلي قد جاء كرد فعل للموقف الاقتصادي الحالي، و ليس مستندا لرؤية وخطة مسبقة. والاحتمال الوارد هو ألا تتوافر تلك النسبة من الانتاج المحلي التي تكفي لتغطية الاحتياجات. فما تأمله الحكومة هو النجاح في شراء 4.5 مليون طن قمح محلي بينما متوسط المنتج في السنوات الماضية ظل بين 2.4 و 3.7 مليون طن. وتفاؤلها هذا لا يبدو واقعيا، مع عزوف المزارعين عن زراعة القمح هذا العام بعد فشلهم في العام الماضي في بيعه للحكومة، التي فضلت حينها الاعتماد على استيراد القمح من الخارج بسعر أقل، وكذلك بسبب أزمة السولار التي تؤثر على عمل ماكينات الحصاد والتجهيز. ورغم كل ذلك وعلى أفضل تقدير، بافتراض وفرة المحصول ونجاح الحكومة في شرائه بأسعار مقبولة من المزارعين ترتفع عن السعر العالمي، فسيظل هناك فجوة في الإنتاج المحلي لا تقل عن نصف المليون طن قمح، بما يهدد حق المواطن المصري في الحصول علي الغذاء.

وفي ضوء هذا المأزق المتوقع، يتوجب علينا التذكير بمعنى ومضمون الحق في الغذاء كحق كفله العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ووقعت عليه مصر وصدقت بما يلزم الحكومة باتخاذ الإجراءات الممكنة في حدود الموارد المتوفرة لديها للوصول تدريجياً إلى تحقيق كامل لأبعاد الحق في الغذاء على الصعيدين الوطني و الدولي.

و يهمنا أن نبرز منه الالتزامات الثلاثة الأساسية وهي: الاحترام و الحماية و التنفيذ:

· الاحترام يعني امتناع الدولة عن حرمان الأفراد من الحصول على الغذاء تحت أي ظرف من الظروف.

· الحماية هي التزام من قبل الدولة باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الشركات و التجار من حرمان الأفراد من الحصول على الغذاء المناسب.

· التنفيذ (أو التسهيل و التزويد) فيعني التزام الحكومات بالمشاركة في أنشطة تهدف إلى دعم الأفراد في الوصول إلى الموارد والسبل التي تضمن لهم حياة كريمة و استخدامها. ويشمل ذلك الأمن الغذائي في حالة عدم قدرة أفراد أو مجموعات من الأفراد على تلبية حقهم في الغذاء لأسباب قهرية خارجة عن سيطرتهم، مثلما يحدث في أوقات الحروب أو بعد وقوع الكوارث الطبيعية، ومن هنا تلتزم الدولة بتلبية هذا الحق مباشرةً.

وحددت منظمة الأغذية و الزراعة ضمانات تلبية هذا الحق، لم تزل الحكومة بعيدة عن اتخاذ خطوات جدية لتحقيقها ومنها: تخصيص موارد مالية وطنية تكفي للقضاء على الجوع و الفقر، أو تبني استراتيجيات و سياسات مناسبة مثل: التطوير المتنوع و الدائم للاقتصاد بهدف تأمين الغذاء، و تبني نهج قانوني يستند على حقوق الإنسان أو وضع و تطبيق إطار قانوني يلبي الحق في الغذاء و يوفي بالالتزامات الثلاث السابقة.

ما نراه هو أن توجهات الحكومة في مجال الزراعة تعيش حبيسة لأفكار بعيدة كل البعد عن الوفاء باحتياجات المواطن الأساسية؛ وذلك بتركيزها علي محاصيل التصدير (مثل الفراولة و الرمان) بما يأتي علي حساب إنتاج المحاصيل الزراعية الأساسية من الحبوب و البقول. وهذا يبقى مصر على قمة قائمة الدول المستوردة للقمح في العالم، في حين أنها – وبمفارقة توضح المشكل – هي رابع أكبر منتج للفراولة في العالم، و بها أكبر تركيز لزراعة الرمان في أسيوط. و

هذا التحيز يظهر بوضوح في مشروع سد الفجوة الغذائية، الذي يعكس واقع تركيز وزارة الزراعة على زيادة صادرات الحاصلات الزراعية المصرية كأولوية، مما يؤدي حتما لبقاء منظومة الاستيراد كما هي.

وعليه هناك ضرورة لتبني رؤية و خطة تضمن تحقيق الحق في الغذاء، وأن تعمل الحكومة من خلالها علي تفعيل العهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية فيما يخص الحق في الغذاء، وبما يمكن من التطبيق القانوني لأسسه (تقنينه) ليكون ضمن الحقوق الأساسية للمواطن المصري.

ومن المهم كذلك خلق إطار تشريعي موات. ففي غياب مادة دستورية صريحة للحق في الغذاء ستتوه الالتزامات. فرغم تلك الاشارة في المادة 68 من الدستور الجديد التي تنص علي أن : "المسكن الملائم و الماء النظيف و الغذاء الصحي حقوق مكفولة" لا يمثل هذا القول إلا التزاما شكليا. في حين أن أكثر من 22 دولة حول العالم تكفل الحق في الغذاء بشكل مباشر في دساتيرها- يتجاوز ذلك الالتزام الشكلي في الدستور، الذي لا نلمس شروطا واضحة لتطبيقه، بينما نجد مثل هذه الشروط في دساتير أخرى.

ومن بين هذه الشروط التي يجب النص عليها بشكل صريح:

1) إمكانية تغذية الفرد لنفسه مباشرة من الأراضي المنتجة للغذاء أو من مصادر طبيعية أخرى أو من خلال مصادر توزيع و تسويق تعمل بكفاءة.

2) سهولة النفاذ إلى الغذاء وضرورة توافره بأسعار معقولة دون الجور على أي من الاحتياجات الأخرى، مع ضرورة تمكين الضعفاء جسديا كالمرضى و الأطفال أو ذوي الاحتياجات الخاصة من الحصول على الغذاء.

3) ملائمته من ناحية القيمة الغذائية والسلامة الصحية مع الأخذ في الاعتبار الفروقات في العمر وظروف المعيشة و الحالة الصحية و الوظيفة و الجنس و الثقافة و الدين وغيرها من الفروقات.

والحاجة لم تزل ملحة لإعداد استراتيجية متكاملة للغذاء توضع بالاشتراك مع المجتمع المدني لضمان التجانس بين السياسات والبرامج المتشابكة و بخاصة تلك المتعلقة بالزراعة و الإنتاج الزراعي و ملكية الأراضي الزراعية. ويجدر وضع خريطة طريق واضحة لإعمال الحق في الغذاء وتطبيقه. ويبقى علي المجتمع المدني لعب دور أساسي في مراقبة أي انتهاكات لهذا الحق، مثل الممارسات التي تفضي لحرمان عناصر المجتمع المهمشة والأكثر احتياجا. ومن ذلك مراقبة مدى الالتزام بتوجيه الدعم لمستحقيه خصوصا صغار المنتجين المحليين مع تبسيط آليات الحصول علي الدعم. وكل هذا يقتضي شفافية في تداول المعلومات عن الانتاج و المخزون والاحتياج الغذائي، مع وضع آليات للتحكم في أسعار المواد الغذائية التي يمثل غيابها التهديد الأكبر لحق المواطن في الغذاء، وحمايتها من آثار التضخم.

وأخيرا ليس هناك معنى لحديثنا عن الحق في الغذء ما لم يوجد نظام عادل لتوزيعه يضمن وصوله للفئات الأكثر احتياجا في المجتمع