EIPR
- الحق في الخصوصية || الصحة وحقوق الإنسان || العنف والسلامة الجسدية English

 

    مشروع قانون مكافحة الإرهاب الجديد: تحليل المخاطر من منظور حقوقي

     

    في يوم 22 مارس 2006 أصدر رئيس الوزراء أحمد نظيف القرار رقم 477 لسنة 2006 بتشكيل لجنة لصياغة مشروع قانون لمكافحة الإرهاب. وكان الرئيس حسني مبارك قد وعد خلال حملته الانتخابية عام 2005 برفع حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1981، على أن يتم استبدالها بتشريع جديد لمكافحة الإرهاب. وبموجب قرار رئيس الوزراء تم تكليف الدكتور مفيد شهاب، وزير الدولة للشئون القانونية والمجالس البرلمانية، بتولي رئاسة اللجنة المشكلة من تسعة أعضاء يمثلون كلاً من وزارته ووزارات الداخلية والدفاع والعدل. ووفقاًً للتصريحات الرسمية فإن من المقرر أن تتقدم الحكومة بمشروع القانون إلى البرلمان في دورته القادمة التي تبدأ في شهر نوفمبر القادم. وحتى زمن كتابة هذه السطور، لم يتم الإعلان عن أي مسودة للتشريع الجديد.
     

    هل تحتاج مصر إلى قانون جديد لمكافحة الإرهاب؟

    تقر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بأن الحكومات تتحمل مسؤولية حماية الأمن العام وحفظ الأرواح والممتلكات، بما في ذلك اتخاذ تدابير من أجل درء خطر الأنشطة الإرهابية وملاحقة مرتكبيها قضائياً. إلا أن المبادرة المصرية تتفق مع هيئات وخبراء دوليين عدّة طالما أبدوا مخاوف بشأن المخاطر التي تفرضها تشريعات مكافحة الإرهاب على حماية حقوق الإنسان والحريات الشخصية.

     

    وفيما ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن ليس ثمة علاقة تعارض حتمي بين كل من مكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان؛ فإن قوانين مكافحة الإرهاب كانت وما زالت تُستخدم من قبل الحكومات بطول العالم وعرضه كذرائع لانتهاك حقوق الإنسان، وتقييد الحريات الأساسية، وتقويض حكم القانون، لاسيما منذ بدء "الحرب على الإرهاب" بقيادة الولايات المتحدة في عام 2001.

     

    في عام 2003 أصدر المقررون الخاصون والخبراء المستقلون التابعون للأمم المتحدة بياناً مشتركاً أبدوا فيه نفس بواعث القلق:

     

    على الرغم من أن [خبراء حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة] يضمون صوتهم إلى الإدانة البينّة للإرهاب؛ فإنهم يعربون عن قلقهم العميق بشأن تراكم السياسات والتشريعات والممارسات التي يتزايد إقبال عدة دول عليها باسم مكافحة الإرهاب، والتي تؤثر سلباً على التمتع بكافة حقوق الإنسان تقريباً، من حقوق مدنية وثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية.[1]

     

    تسبق خبرة الحكومة المصرية في مكافحة الإرهاب بما يربو على العشرين عاماً على الأقل هجمات 11 سبتمبر على واشنطن ونيويورك، والتي تسببت في شن الحملة العالمية لـ"الحرب على الإرهاب". فمصر تعيش تحت حالة طوارئ دائمة منذ 26 سنة، ومن وقتها فرض قانون الطوارئ (القانون رقم 168 لسنة 1958) على البلاد أحكاماً شديدة التعسف، سمحت للأجهزة الأمنية بانتهاك حقوق الإنسان الأساسية مع ضمان الإفلات من العقاب على هذه الانتهاكات.[2]

     

    ولم تكتف الحكومة المصرية بقانون الطوارئ[3]، فأصدرت منذ خمسة عشرعاماً القانون رقم 97 لعام 1992 المعروف بقانون مكافحة الإرهاب؛ والذي أدخل جملة من التعديلات على قانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية، وغيرها من القوانين القائمة. وقد أدى هذا القانون إلى مزيد من التوسع في السلطات التي تتمتع بها الجهات الأمنية في تعطيل أي حماية دستورية للخصوصية، والحقوق القانونية للمحتجزين والحق في محاكمة عادلة وغيرها من حقوق الإنسان. كما تضمن القانون تعريفاً فضفاضاً وغامضاً لجريمة الإرهاب تم إدخاله إلى قانون العقوبات كما سيرد أدناه.

     

    وإضافة إلى هذه الترسانة التشريعية القائمة، فإن ثمة سبب آخر يدعو للقلق بشأن التشريع المزمع إصداره لمكافحة الإرهاب، ألا وهو التعديلات التي أدخلتها الحكومة على الدستور في شهر مارس 2007. فقد شملت التعديلات إضافة مادة جديدة تتعلق بمكافحة الإرهاب أدخلت إلى دستور البلاد أسوأ أحكام قانون الطوارئ. وبذلك أصبحت المادة 179 من الدستور تبيح لأجهزة الأمن بدعوى مكافحة الإرهاب تجاهل كافة تدابير الحماية الدستورية المتصلة بالاعتقال والاحتجاز، وتفتيش المنازل والأشخاص، وخصوصية الاتصالات والمراسلات. كما أجاز تعديل المادة لرئيس الجمهورية إحالة أي متهم يشتبه في ارتكابه أعمالاً إرهابية إلى محاكم عسكرية أو استثنائية. وبذلك أصبحت هذه الانتهاكات التي طالما ارتكبها النظام المصري تتمتع بحماية الدستور.[4]  

     لذلك، ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن أي نقاش حول قانون مكافحة الإرهاب الجديد لا يمكن أن يجري بمعزل عن عنصرين أساسيين: أولهما هو الخبرة الحكومية في استغلال خطر الإرهاب من أجل إصدار تشريعات تعسفية ومقيدة للحريات؛ وثانيهما هو سجل النظام الحاكم الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان بدعوى مكافحة الإرهاب، بما في ذلك ممارسة التعذيب والاحتجاز السري وغير القانوني بشكل منهجي وعلى نطاق واسع، واستخدام المحاكم العسكرية والاستثنائية لإجراء محاكمات تنتهك معايير المحاكمة المنصفة، والانتهاك المتواصل للحق في حرية التعبير والتجمع والتنظيم. 

    لكل هذه الأسباب، فإن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عارضت ومازالت تعارض من حيث المبدأ فكرة إصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب في مصر. 

     

    تحليل المخاطر: الغرض والمنهجية

    على الرغم من الموقف المقرر أعلاه بشأن إصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب في مصر، فإن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تدرك أن الأمر قد حُسم وان إصدار هذا القانون قد صار مسألة وقت. ففي أبريل 2006 وافق مجلس الشعب على قرار جمهوري بتجديد العمل بحالة الطوارئ "لعامين آخرين.. أو لحين صدور قانون مكافحة الإرهاب". ولهذا فإن من المتوقع أن يتم إقرار القانون الجديد وأن يدخل حيز التنفيذ قبل انتهاء العمل بحالة الطوارئ في مايو 2008.

     

    على خلفية ذلك الواقع، تتضمن هذه الدراسة الموجزة تحليلاً لبعض أبرز المخاطر المحتملة من قانون مكافحة الإرهاب الجديد على حقوق الإنسان والحريات الأساسية، على النحو الوارد في دراسات وتقارير صادرة عن عدد من خبراء وهيئات الأمم المتحدة التي تتعامل مع قضايا حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب. ويهدف تحديد هذه المخاطر أولاً إلى تحذير أعضاء لجنة الصياغة والحكومة المصرية ثم نواب البرلمان من تضمينها في القانون الجديد؛ كما تهدف ثانياً إلى تقديم أداة معيارية تساعد على قياس مدى مخالفة مشروع القانون – عندما تقرر الحكومة الإعلان عنه - لمعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان.

     

    ويستند تحليل المخاطر إلى عدة دراسات وتقارير صادرة عن الهيئات التالية:

    ·        مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة: يختص هذا المكتب، وعلى الأخص فرع منع الإرهاب التابع له، بتعزيز النظام القانوني المعني بمكافحة الإرهاب، خاصة توفير الدعم القانوني الفني للحكومات. وفيما لا يركز مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في نطاق عمله على حقوق الإنسان بشكل أساسي، فإن بعضاً من إصداراته بشأن مكافحة الإرهاب يتضمن نصائح محددة حول أثر قوانين مكافحة الإرهاب على حقوق الإنسان. وتأخذ هذه النصائح أهمية خاصة في ضوء تصريحات مفيد شهاب رئيس لجنة صياغة القانون الجديد للصحافة مراراً بأن لجنته تعتمد بالأساس على المشورة الفنية و"القانون النموذجي لمكافحة الإرهاب" الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.[5] وتستعين هذه الدراسة الموجزة بوثيقتين أساسيتين صادرتين عن المكتب، وهما: منع الأفعال الإرهابية: استراتيجية للعدالة الجنائية تطبق معايير حكم القانون في تنفيذ صكوك الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب (2006)، و: دليل إدراج الصكوك العالمية لمكافحة الإرهاب في التشريعات وتنفيذها (2006).[6]

    ·        الخبير المستقل لدى لأمم المتحدة بشأن حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب: تستند هذه الدراسة الموجزة إلى التقرير الذي قدمه الخبير المستقل إلى لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في عام 2005.[7]

    ·        المقرر الخاص لدى للأمم المتحدة بشأن حماية وتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب: تستند هذه الدراسة الموجزة إلى ثلاثة تقارير أصدرها المقرر الخاص وتم تقديمها إلى كل من لجنة حقوق الإنسان في ديسمبر 2005، والجمعية العامة للأمم المتحدة في أغسطس 2006، ومجلس حقوق الإنسان (الذي حل محل لجنة حقوق الإنسان) في يناير 2007.[8]

    ·        اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة: تستند الدراسة الموجزة إلى وثيقة اعتمدتها هذه اللجنة المكونة من 26 خبيراً مستقلاً في أغسطس 2006، وعنوانها: مسودة للمبادئ والتوجيهات بشأن حقوق الإنسان والإرهاب.[9]

     

    [1] لجنة حقوق الإنسان، "تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومتابعة المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان. فعالية عمل آليات حقوق الإنسان." وثيقة الأمم المتحدة رقم CN.4/2004/4، 5 أغسطس 2003، ملحق 1، ص 22.

    [2] انظر تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، "الحقوق الشخصية في خطر: التعديل الدستوري بشأن مكافحة الإرهاب وخطره على الحماية القانونية للحريات في مصر،" 18 مارس 2007، ص 13-19، http://www.eipr.org/reports/179_07/179.htm.

     [4]المصدر السابق.

    [5]  انظر المقابلة المنشورة مع مفيد شهاب، رئيس لجنة صياغة مشروع قانون الإرهاب في جريدة الدستور، 9 يوليو 2007، ص 5. ترد الإشارة إلى (القانون النموذجي لمكافحة الإرهاب) على موقع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلا أن نص القانون النموذجي غير منشور على الموقع. وفي مقابلة هاتفية مع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في 9 يوليو 2007 ذكر الخبير الإقليمي لمنع الإرهاب في المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن القانون النموذجي ليس وثيقة علنية "بسبب الاحتياج الدائم إلى تحديثه بما يتوافق مع ما يستجد من صكوك مكافحة الإرهاب وقرارات مجلس الأمن."     

    [7]  روبرت غولدمان، "تقريرروبرت غولدمان، الخبير المستقل المعني بحماية حقوق الإنسان  والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم E/CN.4/2005/103، 7 فبراير2005: http://ap.ohchr.org/documents/dpage_e.aspx?s=33.

    [8] مارتن شينين، "تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم E/CN.4/2006/98، 28 ديسمبر 2005؛ مارتن شينين، "تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم A/61/267، 16 أغسطس 2006؛ مارتن شينين، "تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم A/HRC/4/26، 29 يناير 2007:  http://www.ohchr.org/english/issues/terrorism/rapporteur/reports.htm.

    [9] اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، "قضايا حقوقية متخصصة: أولويات جديدة، وبخاصة الإرهاب ومكافحة الإرهاب، مشروع إطار محدث  للمبادئ  العامة  والمبادئ  التوجيهية  بشأن حقوق الإنسان والإرهاب،"  وثيقة الأمم المتحدة رقم A/HRC/Sub.1/58/30، 3 أغسطس 2006: http://ap.ohchr.org/documents/dpage_e.aspx?b=5&se=6&t=9


about us press report article Campaigns Forum news links contact
كل الحقوق محفوظة © المبادرة المصرية للحقوق الشخصية
بريد اليكتروني : eipr@eipr.org