مشروع قانون مكافحة الإرهاب الجديد: تحليل المخاطر من منظور حقوقي

في يوم 22 مارس 2006 أصدر رئيس الوزراء أحمد نظيف القرار رقم 477 لسنة 2006 بتشكيل لجنة لصياغة مشروع قانون لمكافحة الإرهاب. وكان الرئيس حسني مبارك قد وعد خلال حملته الانتخابية عام 2005 برفع حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1981، على أن يتم استبدالها بتشريع جديد لمكافحة الإرهاب. وبموجب قرار رئيس الوزراء تم تكليف الدكتور مفيد شهاب، وزير الدولة للشئون القانونية والمجالس البرلمانية، بتولي رئاسة اللجنة المشكلة من تسعة أعضاء يمثلون كلاً من وزارته ووزارات الداخلية والدفاع والعدل. ووفقاًً للتصريحات الرسمية فإن من المقرر أن تتقدم الحكومة بمشروع القانون إلى البرلمان في دورته القادمة التي تبدأ في شهر نوفمبر القادم. وحتى زمن كتابة هذه السطور، لم يتم الإعلان عن أي مسودة للتشريع الجديد.
هل تحتاج مصر إلى قانون جديد لمكافحة الإرهاب؟
تقر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بأن الحكومات تتحمل مسؤولية حماية الأمن العام وحفظ الأرواح والممتلكات، بما في ذلك اتخاذ تدابير من أجل درء خطر الأنشطة الإرهابية وملاحقة مرتكبيها قضائياً. إلا أن المبادرة المصرية تتفق مع هيئات وخبراء دوليين عدّة طالما أبدوا مخاوف بشأن المخاطر التي تفرضها تشريعات مكافحة الإرهاب على حماية حقوق الإنسان والحريات الشخصية.
وفيما ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن ليس ثمة علاقة تعارض حتمي بين كل من مكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان؛ فإن قوانين مكافحة الإرهاب كانت وما زالت تُستخدم من قبل الحكومات بطول العالم وعرضه كذرائع لانتهاك حقوق الإنسان، وتقييد الحريات الأساسية، وتقويض حكم القانون، لاسيما منذ بدء "الحرب على الإرهاب" بقيادة الولايات المتحدة في عام 2001.
في عام 2003 أصدر المقررون الخاصون والخبراء المستقلون التابعون للأمم المتحدة بياناً مشتركاً أبدوا فيه نفس بواعث القلق:
على الرغم من أن [خبراء حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة] يضمون صوتهم إلى الإدانة البينّة للإرهاب؛ فإنهم يعربون عن قلقهم العميق بشأن تراكم السياسات والتشريعات والممارسات التي يتزايد إقبال عدة دول عليها باسم مكافحة الإرهاب، والتي تؤثر سلباً على التمتع بكافة حقوق الإنسان تقريباً، من حقوق مدنية وثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية.[1]
تسبق خبرة الحكومة المصرية في مكافحة الإرهاب بما يربو على العشرين عاماً على الأقل هجمات 11 سبتمبر على واشنطن ونيويورك، والتي تسببت في شن الحملة العالمية لـ"الحرب على الإرهاب". فمصر تعيش تحت حالة طوارئ دائمة منذ 26 سنة، ومن وقتها فرض قانون الطوارئ (القانون رقم 168 لسنة 1958) على البلاد أحكاماً شديدة التعسف، سمحت للأجهزة الأمنية بانتهاك حقوق الإنسان الأساسية مع ضمان الإفلات من العقاب على هذه الانتهاكات.[2]
ولم تكتف الحكومة المصرية بقانون الطوارئ، فأصدرت منذ خمسة عشر عاماً القانون رقم 97 لعام 1992 المعروف بقانون مكافحة الإرهاب؛ والذي أدخل جملة من التعديلات على قانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية، وغيرها من القوانين القائمة. وقد أدى هذا القانون إلى مزيد من التوسع في السلطات التي تتمتع بها الجهات الأمنية في تعطيل أي حماية دستورية للخصوصية، والحقوق القانونية للمحتجزين والحق في محاكمة عادلة وغيرها من حقوق الإنسان. كما تضمن القانون تعريفاً فضفاضاً وغامضاً لجريمة الإرهاب تم إدخاله إلى قانون العقوبات كما سيرد أدناه.
وإضافة إلى هذه الترسانة التشريعية القائمة، فإن ثمة سبب آخر يدعو للقلق بشأن التشريع المزمع إصداره لمكافحة الإرهاب، ألا وهو التعديلات التي أدخلتها الحكومة على الدستور في شهر مارس 2007. فقد شملت التعديلات إضافة مادة جديدة تتعلق بمكافحة الإرهاب أدخلت إلى دستور البلاد أسوأ أحكام قانون الطوارئ. وبذلك أصبحت المادة 179 من الدستور تبيح لأجهزة الأمن بدعوى مكافحة الإرهاب تجاهل كافة تدابير الحماية الدستورية المتصلة بالاعتقال والاحتجاز، وتفتيش المنازل والأشخاص، وخصوصية الاتصالات والمراسلات. كما أجاز تعديل المادة لرئيس الجمهورية إحالة أي متهم يشتبه في ارتكابه أعمالاً إرهابية إلى محاكم عسكرية أو استثنائية. وبذلك أصبحت هذه الانتهاكات التي طالما ارتكبها النظام المصري تتمتع بحماية الدستور.[3]
لذلك، ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن أي نقاش حول قانون مكافحة الإرهاب الجديد لا يمكن أن يجري بمعزل عن عنصرين أساسيين: أولهما هو الخبرة الحكومية في استغلال خطر الإرهاب من أجل إصدار تشريعات تعسفية ومقيدة للحريات؛ وثانيهما هو سجل النظام الحاكم الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان بدعوى مكافحة الإرهاب، بما في ذلك ممارسة التعذيب والاحتجاز السري وغير القانوني بشكل منهجي وعلى نطاق واسع، واستخدام المحاكم العسكرية والاستثنائية لإجراء محاكمات تنتهك معايير المحاكمة المنصفة، والانتهاك المتواصل للحق في حرية التعبير والتجمع والتنظيم.
لكل هذه الأسباب، فإن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عارضت ومازالت تعارض من حيث المبدأ فكرة إصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب في مصر.
تحليل المخاطر: الغرض والمنهجية
على الرغم من الموقف المقرر أعلاه بشأن إصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب في مصر، فإن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تدرك أن الأمر قد حُسم وان إصدار هذا القانون قد صار مسألة وقت. ففي أبريل 2006 وافق مجلس الشعب على قرار جمهوري بتجديد العمل بحالة الطوارئ "لعامين آخرين.. أو لحين صدور قانون مكافحة الإرهاب". ولهذا فإن من المتوقع أن يتم إقرار القانون الجديد وأن يدخل حيز التنفيذ قبل انتهاء العمل بحالة الطوارئ في مايو 2008.
على خلفية ذلك الواقع، تتضمن هذه الدراسة الموجزة تحليلاً لبعض أبرز المخاطر المحتملة من قانون مكافحة الإرهاب الجديد على حقوق الإنسان والحريات الأساسية، على النحو الوارد في دراسات وتقارير صادرة عن عدد من خبراء وهيئات الأمم المتحدة التي تتعامل مع قضايا حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب. ويهدف تحديد هذه المخاطر أولاً إلى تحذير أعضاء لجنة الصياغة والحكومة المصرية ثم نواب البرلمان من تضمينها في القانون الجديد؛ كما تهدف ثانياً إلى تقديم أداة معيارية تساعد على قياس مدى مخالفة مشروع القانون – عندما تقرر الحكومة الإعلان عنه - لمعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويستند تحليل المخاطر إلى عدة دراسات وتقارير صادرة عن الهيئات التالية:
مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة: يختص هذا المكتب، وعلى الأخص فرع منع الإرهاب التابع له، بتعزيز النظام القانوني المعني بمكافحة الإرهاب، خاصة توفير الدعم القانوني الفني للحكومات. وفيما لا يركز مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في نطاق عمله على حقوق الإنسان بشكل أساسي، فإن بعضاً من إصداراته بشأن مكافحة الإرهاب يتضمن نصائح محددة حول أثر قوانين مكافحة الإرهاب على حقوق الإنسان. وتأخذ هذه النصائح أهمية خاصة في ضوء تصريحات مفيد شهاب رئيس لجنة صياغة القانون الجديد للصحافة مراراً بأن لجنته تعتمد بالأساس على المشورة الفنية و"القانون النموذجي لمكافحة الإرهاب" الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.[4] وتستعين هذه الدراسة الموجزة بوثيقتين أساسيتين صادرتين عن المكتب، وهما: منع الأفعال الإرهابية: استراتيجية للعدالة الجنائية تطبق معايير حكم القانون في تنفيذ صكوك الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب (2006)، و: دليل إدراج الصكوك العالمية لمكافحة الإرهاب في التشريعات وتنفيذها (2006).[5]
الخبير المستقل لدى لأمم المتحدة بشأن حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب: تستند هذه الدراسة الموجزة إلى التقرير الذي قدمه الخبير المستقل إلى لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في عام 2005.[6]
المقرر الخاص لدى للأمم المتحدة بشأن حماية وتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب: تستند هذه الدراسة الموجزة إلى ثلاثة تقارير أصدرها المقرر الخاص وتم تقديمها إلى كل من لجنة حقوق الإنسان في ديسمبر 2005، والجمعية العامة للأمم المتحدة في أغسطس 2006، ومجلس حقوق الإنسان (الذي حل محل لجنة حقوق الإنسان) في يناير 2007.[7]
اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة: تستند الدراسة الموجزة إلى وثيقة اعتمدتها هذه اللجنة المكونة من 26 خبيراً مستقلاً في أغسطس 2006، وعنوانها: مسودة للمبادئ والتوجيهات بشأن حقوق الإنسان والإرهاب.[8]
تحليل لمخاطر مشروع قانون مكافحة الإرهاب على حماية حقوق الإنسان
1.
استخدام تعريفات وعبارات غامضة وفضفاضة
تتفق معظم وثائق الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان على الحاجة إلى استخدام ألفاظ وعبارات محددة في قوانين مكافحة الإرهاب، وتحذر من العبارات الملتبسة والتعريفات الفضفاضة التي قد تسمح بإساءة استخدام القانون واستغلاله في انتهاك معايير حقوق الإنسان.
وفي مصر، أكد رئيس لجنة صياغة مشروع قانون مكافحة الإرهاب مراراً على أن القانون الجديد سيتضمن تعريفاً دقيقاً ومحدداً للجريمة الإرهابية.[9] إلا أن خبرة الحكومة المصرية في التوسع والعمومية المفرطة في التعريفات وما ينتج عنها من تجريم لأفعال سلمية تثير القلق من أن يأتي تعريف الإرهاب غير دقيق على نحو يسهل من انتهاك حقوق الأفراد وحرياتهم. وليس أدل على ذلك من تعريف الإرهاب الذي أدخلته الحكومة على قانون العقوبات عام 1992 في المادة 86، والذي يعد نموذجاً للتعريف المطاط الذي يحذر منه كافة الخبراء الدوليين المذكورين أعلاه، وذلك على النحو التالي:
يقصد بالإرهاب في تطبيق أحكام هذا القانون كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع يلجأ إليه الجاني تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم وتعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالاتصالات أو المواصلات أو بالأموال أو المباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها، أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة، أو دور العبادة ومعاهد العلم لأعمالها أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح.[10]
وإلى جانب استخدام تعبيرات غامضة وغير محددة على غرار "القوة" و"العنف"، فإن التعريف المذكور يمد بساط التجريم على نحو يشمل بعض الأفعال التي تدخل في نطاق حرية التعبير والتجمع والتنظيم، كالدعوة إلى الإضراب السلمي عن العمل أو عن الدراسة، أو تنفيذ اعتصام سلمي في الطريق العام، وغير ذلك من الأفعال التي يفترض بالقانون أن يحميها لا أن يجرمها.
لهذه الأسباب تعرض التعريف المذكور للعديد من الانتقادات الدولية. ففي عام 2002 أعربت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، والمسؤولة عن مراقبة تنفيذ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، عن انزعاجها بشأن "تعريف الإرهاب على نحو شديد الاتساع والعمومية " في قانون العقوبات المصري.[11] وبالمثل، أبدى مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب قلقه عام 2005 بشأن التعريف "الواسع" للإرهاب والذي "يبدو أنه يسمح باستخدامه ضد المنتقدين وأعضاء حركات المعارضة، والذي أدى إلى زيادة عدد الجرائم التي يعاقب عليها القانون بعقوبة الإعدام".[12]
وقد أكد تقرير خبير الأمم المتحدة المستقل بشأن حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب على أهمية "توصيف السلوك المُجرم بلغة دقيقة لا لبس فيها تعرف بدقة الجرم الذي يستحق العقاب وتميزه عن السلوك غير المجرم أو الذي يعاقب عليه بعقوبات أخرى."[13] كما شدد التقرير على أنه "على الدول، أيا كان نهجها [في محاربة الإرهاب]، أن تسترشد بمبدأ المشروعية، أي مبدأ (لا جريمة بدون نص) عند صياغتها لقوانين أو معاهدات مكافحة الإرهاب".[14] فيما يرى مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أنه "من الممكن الحد كثيراً من الغموض الذي يكتنف التجريم العام عبر تضمين القانون لأمثلة واقعية تبين الخصائص المشتركة للسلوك المُجرم".[15] وكذلك فإن (مسودة مبادئ اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان بشأن حقوق الإنسان والإرهاب) تركز على أن تعريفات الأعمال الإرهابية يجب أن تصاغ بدقة بالغة بغرض تحديد أركانها.[16]
ويضيف المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب أن الحاجة إلى الدقة في تعريف الصلة بين الجماعات والأنشطة الإرهابية تعني أن على المشرع تفادي استخدام كلمات أو تعابير تترك فسحة كبيرة لتفسيرات متباينة مثل "يدعم" أو "يتورط في" أو "بالارتباط مع"، مما قد يسهل استخدامها في انتهاك الحريات الأساسية.[17]
وتحديداً يرى المقرر الخاص أن تعريف الإرهاب يجب أن يشمل ثلاثة عناصر: الهدف، والغرض، والوسيلة[18]. ويضيف:
الجرائم الإرهابية يجب أن تنحصر في الحالات التي تتوفر فيها الشروط الثلاثة التالية مجتمعة: (أ) الأفعال المرتكبة بقصد القتل أو التسبب في إصابات جسمانية خطيرة، أو أخذ الرهائن؛ (ب) وأن تكون بغرض إشاعة حالة من الرعب وتخويف السكان أو إرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بعمل ما أو الامتناع عن عمل ما؛ (ج) وأن تمثل جرائم تقع ضمن نطاق الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية المتعلقة بالإرهاب ووفقاً للتعريفات الوارد فيها."[19]
ويذكر المقرر الخاص المشرع بأن جريمة دعم الإرهاب لابد أن تنطبق فقط على حالات دعم الجرائم التي تتوافر فيها العناصر الثلاثة مجتمعةً.
2. التعليق المفرط أو غير الجائز لالتزامات حقوق الإنسان
استغلت الحكومة المصرية منذ عام 1981 خطر الإرهاب لتبرير انتهاكات خطيرة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان. وتثير التعديلات الدستورية التي تبنتها الحكومة في مارس 2007 مخاوف حقيقية من أن يشتمل قانون مكافحة الإرهاب الجديد على أحكام تبقي على هذه الانتهاكات بشكل دائم، بعد أن أصبحت هذه الانتهاكات تتمتع الآن بغطاء دستوري على النحو الوارد أعلاه.
يسمح القانون الدولي، وعلى الأخص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته الرابعة، للحكومات بأن تعلق العمل ببعض الحقوق الواردة فيه في حالات الطوارئ العام. غير أن الدول لا تتمتع بحرية غير مقيدة في استخدام ظروف الطوارئ - بما في ذلك تهديد الإرهاب - كمبرر لتجميد تدابير الحماية المكفولة لحقوق الإنسان. فقد استقرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، والتي تتولى تفسير ومراقبة تنفيذ العهد الدولي، على أن الحكومات لا تملك سلطة تعليق العمل ببعض التزاماتها القانونية بحماية حقوق الأفراد إلا عندما تواجه الدولة إحدى حالات الطوارئ العامة التي تهدد حياة الأمة.[20] كما أنها ذكرت أنه "لا يجب أن يعتبر كل شكل من أشكال الخطر أو الكوارث حالة طوارئ عامة تهدد حياة الأمة"، وأن أية إجراءات تتخذ لتعليق العمل ببعض الالتزامات الواردة في العهد [الدولي للحقوق المدنية والسياسية] لابد أن تقتصر "على الإجراءات التي تفرضها بشدة احتياجات الوضع القائم".[21]
وينصح خبراء وهيئات الأمم المتحدة الدول بتوخي الحذر البالغ في حالة الاستناد إلى خطر الإرهاب من أجل تعليق العمل ببعض التزامات حقوق الإنسان. فلابد أن تتوافق كل حالات تعليق العمل هذه مع ضوابط قانونية محددة وإلا سمحت هذه الإجراءات بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان تتجاوز ضرورات الخطر القائم. كما يطالب قرار مجلس الأمن رقم 1456 (2003) الحكومات بـ"ضمان أن تتفق كل التدابير المتخذة لمكافحة الإرهاب مع كافة التزامات الدولة بموجب القانون الدولي،...وعلى الأخص القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي للاجئين، والقانون الإنساني الدولي".
ويذكر تقرير الخبير المستقل بشأن حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب بأنه "في حين أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومعظم الصكوك الأخرى لحقوق الإنسان تقر للدول بسلطة تقديرية واسعة في مجال اعتماد تدابير لمكافحة الإرهاب، فإنها تحدد أيضاً حقوقاً معينة لا يجوز تعليق العمل بها حتى في حالات الطوارئ".[22] وتتضمن هذه الحقوق التي لا يجوز عدم التقيد بها في أي حال من الأحوال كلاً من: الحق في الحياة، وحظر التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وعدم جواز إصدار قوانين جنائية ذات أثر رجعي، وحق كل إنسان في أن يعترف له بالشخصية القانونية، وحرية الفكر والوجدان والدين. ويركز الخبير المستقل على أن إنفاذ هذه الحقوق التي لا يجوز تعليق العمل بها يستلزم توافر تدابير وضمانات محددة، وأن هذه الضمانات لا يجوز أيضاً تعليق العمل بها في حالات الطوارئ العامة.[23]
كما ينصح مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الحكومات بأن تعليق العمل ببعض مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، وإن كان مقبولاً طبقاً للمادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فإنه يجب أيضاً أن تحكمه ثلاثة مبادئ: التناسب والضرورة وعدم التمييز.[24] وكذلك فإن (مسودة مبادئ حقوق الإنسان والإرهاب) الصادرة عن اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان تنص على أنه "يجب إيلاء قدر كبير من العناية" لضمان أن ترتبط التدابير الاستثنائية أو تدابير تعليق العمل ببعض الحقوق "بقيود زمنية صارمة، وألا تصبح حقائق أبدية تصم القوانين أو الإجراءات الوطنية".[25] كما تكرر (مسودة المبادئ) التأكيد على الحاجة إلى استبعاد الجرائم غير المتصلة بالإرهاب من قوانين مكافحته: "لا تخضع الجرائم التي ليست لها صفة الإرهاب، بصرف النظر عن مدى جسامتها، لتدابير الاستثناء أو تدابير تعليق العمل بالحقوق، والتي يتم تبنيها في إطار مكافحة الإرهاب، حتى عندما يتم ارتكابها من جانب من يشتبه في كونه إرهابياً أو مجموعة إرهابية."[26]
3. تقويض الحظر المطلق على التعذيب
في عام 1996 أعلنت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب نتائج تحقيق كانت قد أجرته على مدى أربع سنوات حول استخدام التعذيب في مصر. وقد خلص التحقيق إلى أن "التعذيب يمارس بشكل منهجي من جانب قوات الأمن في مصر، وعلى الأخص من جانب مباحث أمن الدولة".[27] ونظراً لأن استخدام التعذيب كان ولا يزال ركيزة أساسية من ركائز استراتيجية الحكومة المصرية في مكافحة الإرهاب منذ عقدين من الزمان، فإن هناك احتياجاً ملحاً لأن يعكس التشريع الجديد لمكافحة الإرهاب حظر الدستور والقانون الدولي لاستخدام التعذيب أو إساءة المعاملة في أي ظرف من الظروف.
ويحيل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة المشرع لدى صياغة قوانين مكافحة الإرهاب، إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقمع تمويل الإرهاب، والتي صدقت عليها الحكومة المصرية، وتحديداً إلى المادة 17 منها والتي تنص على التالي:
تُكفل المعاملة المنصفة لأي شخص يوضع قيد الاحتجاز، بما في ذلك التمتع بجميع الحقوق والضمانات طبقاً لقوانين الدولة التي يوجد ذلك الشخص في إقليمها ولأحكام القانون الدولي واجبة التطبيق، بما في ذلك قانون حقوق الإنسان.[28]
ويوجه الخبير المستقل المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب تحذيراً للدول من استخدام تدابير لمكافحة الإرهاب غير منسجمة مع الحظر المطلق ضد التعذيب وإساءة المعاملة. ومن الأمثلة على هذه التدابير أساليب الاستجواب العنيفة، واستخدام الأدلة المنتزعة عن طريق التعذيب، واللجوء إلى أماكن احتجاز سرية، وتسليم المشتبه فيهم أو المطلوبين إلى البلدان التي يُحتمل أن يتعرضوا فيها للتعذيب.[29]
ومن ناحية أخرى فإن (مسودة المبادئ) الصادرة عن اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة تتضمن وصفاً مفصلاً للمحاذير المفروضة على استخدام التعذيب و إساءة المعاملة، والتي ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وجوب تضمين الإشارة إليها في أي قانون لمكافحة الإرهاب:
لا يجوز إخضاع الأشخاص المحتجزين بشبهة المشاركة في أعمال إرهابية أو التخطيط لها للتعذيب أو للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ولا يجوز نقل الأشخاص المحتجزين لأغراض المحاكمة في دولة ما إلى دولة أخرى لأغراض الاستجواب، وأية أدلة يتم الحصول عليها في هذه الظروف لا يجوز أن تُقبل كدليل ولا أن تُستخدم بأي طريقة للوصول إلى الإدانة.[30]
وينصح مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الدول بأن تضم إلى قوانينها الخاصة بمكافحة الإرهاب مادة تنص صراحة على حظر نقل الشخص إلى دولة أخرى إذا كان الشخص المنقول "قد تعرض أو قد يتعرض في الدولة التي طلبت نقله للتعذيب أو للمعاملة أو للعقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".[31]
4. سياسات القبض والاحتجاز المسيئة وانتهاكات الحقوق القانونية للمحتجزين
تنتهك الأجهزة الأمنية في مصر بشكل منهجي حقوق المحتجزين والمعتقلين عبر أساليب تتضمن الاحتجاز غير القانوني وبمعزل عن العالم الخارجي، وحملات المداهمة، والاعتقالات الجماعية والتعسفية، واحتجاز عائلات كاملة كرهائن لإجبار مطلوبين على تسليم أنفسهم. وكان لاستخدام قانون الطوارئ لمدة 26 عاماً – وهو الذي يسمح بالاعتقال الإداري لفترات غير محددة لكل من يمثل "خطراً على الأمن العام" – أثره في تقويض تدابير الحماية المكفولة للمقبوض عليهم والمحتجزين في مصر.
كما تجيز التعديلات الدستورية التي أقرها النظام الحاكم في مارس 2007 للحكومة إصدار قانون لمكافحة الإرهاب يطلق يد الجهات الأمنية في الالتفاف حول تدابير الحماية الدستورية ضد الاعتقال والاحتجاز التعسفيين في قضايا الإرهاب.
ينصح مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الحكومات في سياق محاربة الإرهاب أن "تحترم بدقة متناهية الضمانات الإجرائية الواردة في المادة 9 [من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية] والتي تتضمن أن يُبلغ أي شخص بأسباب توقيفه وما يوجه إليه من اتهامات، وبأن يمثل فوراً أمام سلطة قضائية، وأن يتم تقديمه إلى المحاكمة في فترة معقولة، وأن يسمح له بالطعن في قانونية احتجازه، وأن يتم تعويضه عن القبض أو الاحتجاز غير قانوني"، وأنه "لا يجوز السماح لأي تدبير إجرائي [لمكافحة الإرهاب] بأن ينال من الضمانات التي يكفلها حكم القانون".[32]
كما يوجه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الحكومات إلى عدم استخدام الحبس الاحتياطي لفترات مطولة في قضايا الإرهاب، لأن ذلك من شأنه أن يزيد من احتمالات استخدام التعذيب وغيره من أشكال الإساءة. ويؤكد المكتب على الحاجة إلى تدبير تشريعي يحد من الفترة التي يقضيها المشتبه فيه دون الاتصال بمحامي بعد التوقيف.[33]
وتتضمن (مسودة مبادئ حقوق الإنسان والإرهاب) الصادرة عن اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان عدداً من الحقوق القانونية للمحتجزين جراء الاشتباه في مشاركتهم في أعمال إرهابية أو التخطيط لها، ومنها الحق في معرفة الاتهامات الموجهة إليهم، حيث "لا تكفي أن توجه للشخص المحتجز تهمة الإرهاب، وإنما يجب أن تكون مصحوبة بتهم تتعلق بارتكاب أفعال محددة".[34] كما تنص مسودة المبادئ على أنه لا يجوز أن يتم توقيف أحد على أساس أدلة تم الحصول عليها عن طريق التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛ ولا أن تقتصر أسباب توقيف شخص ما على أدلة تم الحصول عليها من شخص آخر تم احتجازه بالفعل.[35]
5. انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة
اعتمدت الحكومة المصرية منذ بداية الثمانينات على المحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة طوارئ لمحاكمة المشتبه بارتكابهم أفعالاً جنائية، بما في ذلك جرائم الإرهاب. وتنتهك إجراءات هذه المحاكم على نحو بالغ ضمانات المحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. وتسمح المادة 179 من الدستور، بعد أن تم تعديلها عام 2007، لرئيس الجمهورية بإحالة المشتبه بارتكابهم أعمالاً إرهابية إلى "أية محكمة يحددها القانون"، في إشارة واضحة إلى نية الحكومة إقامة نظام قضائي موازٍ للمحاكم المدنية من أجل محاكمة المتهمين بارتكاب أفعال إرهابية أو التخطيط لها. ومنذ مطلع التسعينيات، أصدرت المحاكم العسكرية ومحاكم الطوارئ أحكاماً بإعدام قرابة 140 شخصاً، وتم إعدام ما يربو على الستين منهم بعد محاكمات غير منصفة ودون أن يسمح لهم باستئناف هذه الأحكام أمام أية جهة قضائية.
ويذكر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة المشرع أثناء صياغة قوانين مكافحة الإرهاب بوجوب الالتزام بالضمانات التي تكفلها المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتي تتضمن الحق في افتراض البراءة، والحق في المثول أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة خلال فترة زمنية معقولة، والحق في الطعن على الحكم الصادر أمام محكمة أعلى درجة.[36] كما ينصح المكتب الدول بأن تضمن في قوانين مكافحة الإرهاب نصوصاً تحظر تسليم المشتبه بارتكابهم أعمالاً إرهابية إلى سلطات دولة أخرى في ثلاث حالات: إذا كان الشخص المطلوب تسليمه "لم يحصل أو لن يحصل في الإجراءات الجنائية على الحد الأدنى من الضمانات الواردة في المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية"، أو "إذا كان طلب التسليم تنفيذاً لحكم نهائي صدر غيابياً ولم يكن الشخص المعني قد أتيحت له الفرصة، لأسباب خارجة عن إرادته، لتقديم دفاعه"، أو أن المطلوب تسليمه "قد حوكم أو سيكون عرضة للمحاكمة أو لصدور حكم عليه في الدولة الطالبة من قبل محكمة أو هيئة قضائية استثنائية أو خاصة".[37]
وقد شدد تقرير الخبير المستقل بشأن حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب على "ضمان حق المشتبه في تورطهم في الإرهاب في محاكمة عادلة، وهو أمر لابد منه من أجل كفالة احترام تدابير مكافحة الإرهاب لمبدأ سيادة القانون".[38] كما أكد التقرير "أن المحاكم المدنية يجب أن تتمتع بولاية مراجعة جميع تدابير مكافحة الإرهاب والإشراف على تطبيقها دون أي ضغط أو تدخل، لاسيما من سلطتي الحكم الأخريين".[39] وأضاف أنه عند الاستناد إلى معلومات سرية، يجب وجود ضمانات تكفل مبدأ تكافؤ إجراءات الدفاع والادعاء، بما في ذلك إطلاع القاضي ومحامي المتهم على هذه المعلومات السرية.[40]
وجاء في (مسودة المبادئ) الصادرة عن اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان تحذير واضح من التصريح المفتوح بإحالة المدنيين إلى محاكم عسكرية: "يجب أن يقتصر استخدام المحاكم العسكرية على محاكمة العسكريين عن الأفعال المرتكبة في سياق أعمال عسكرية".[41] وفي تكرار لما صدر عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، حذر تقرير الخبير المستقل الحكومات من استخدام المحاكم العسكرية في محاكمة المشتبه فيهم بارتكاب أعمال إرهابية: "استخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين ينبغي أن يكون استثنائياً جداً وأن يجري في أوضاع تتيح بالفعل كافة الضمانات المنصوص عليها في المادة 14 (فقرة 4) [من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية]".[42]
وفيما يتعلق بعقوبة الإعدام، أكد تقرير الخبير المستقل كذلك على أن الإجراءات القانونية السليمة وتدابير ضمان المحاكمة العادلة مهمة بشكل خاص في القضايا التي تتضمن إمكانية إصدار أحكام بالإعدام. وبالمثل تؤكد اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان على أنه يجب "إيلاء المراعاة الكاملة للقوانين المتعلقة بعقوبة الإعدام أو غيرها من العقوبات الشاقة" في سياق تسليم المشتبه بارتكابهم أعمالاً إرهابية إلى دولة أخرى.[43]
6. تقييد حرية التعبير في سياق تجريم التحريض على الإرهاب
سمح كلٌ من قانون الطوارئ وقانون عام 1992 لمكافحة الإرهاب للحكومة المصرية بفرض قيود تعسفية على الحق في حرية التعبير بدعوى حماية الأمن القومي.
ويسلم كلٌ من مقرر الأمم المتحدة الخاص بشأن حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة على أن تجريم التحريض على الإرهاب هو أحد متطلبات قرار مجلس الأمن رقم 1624 (2005).[44] إلا أن المقرر الخاص يشدد على أن تدابير مكافحة التحريض على الإرهاب "يجب أن تصمم بعناية لكي تكون متوافقة مع الحق في حرية التعبير".[45] وبينما تسمح المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية للحكومات بفرض قيود على حق الأفراد في حرية التعبير "لاعتبارات الأمن الوطني أو النظام العام أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم"،[46] فإن (مسودة المبادئ بشأن حقوق الإنسان والإرهاب) على وجوب أن تكون هذه القيود "مرتبطة بالتحديد بمقتضيات الوضع القائم، وألا تكون مفرطة في العمومية أو الغموض أو أن تتعدى بشكل تعسفي على الحقوق ذاتها".[47]
ويشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن "أعمال التوجيه أو التحريض أوالإثارة التي تحفز مستمعاً أو قارئاً أو مشاهداً على ارتكاب عنف بدني فوري تشكل أكثر حالات التحريض المستوجب للعقاب من حيث سهولة تحديدها".[48] إلا أن المكتب يذكر المشرع بأنه "إلى أن يُشرع بالفعل في ارتكاب فعل إجرامي فإن الآراء يمكن أن تختلف حول إمكانية أو احتمال أن تنجح في النهاية جهود الغوغائي في التأثير على جمهوره"، ولذلك فهو يذكر المشرع بأن يضمن أن يكفل القانون "ألا يتعرض متحدث برئ لخطر العقاب على ردود أفعال لا يمكن توقعها قد يأتي بها أفراد من مستمعيه".[49]
وعلى وجه التحديد، أكد المقرر الخاص على أنه عند تعريف جريمة التحريض "ينبغي استيفاء ثلاثة شروط: أولها توافر نية التحريض على ارتكاب جريمة إرهابية؛ ثانياً، ألا تقتصر هذه النية على شخص واحد أو عدة أشخاص، بل ينبغي أن تكون نية الجمعية أو الجماعة أو الحزب السياسي ككيان جماعي؛ وثالثاً، أن يتوافر احتمال فعلي بأن يتم ارتكاب الفعل الإرهابي" نتيجة لهذا التحريض.[50]
7. الخرق التعسفي وغير القانوني للحق في الخصوصية
تسمح المادة 3 من قانون الطوارئ للجهات الأمنية في مصر بتفتيش الأشخاص والمنازل والتصنت على المكالمات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال دون مراعاة تدابير الحماية التي ينص عليها قانون الإجراءات الجنائية "لدواعي الأمن العام". وطبقاً لتعديلات الدستور في مارس 2007، فقد أصبح من المسموح لأجهزة الأمن أن تتجاهل تدابير الحماية الدستورية التي تحكم إجراءات التفتيش وسرية الاتصالات في سياق مكافحة الإرهاب.
تنص (مسودة مبادئ حقوق الإنسان والإرهاب) الصادرة عن اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان بالأمم المتحدة على أنه "يجب أن تكون جميع القواعد المتعلقة بالخصوصية وحقوق الملكية متفقة تماماً مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان وقواعد القانون الإنساني الدولي"، وأنه "لا يجوز للدول المساس بالمراسلات أو غير ذلك من الاتصالات الخاصة، سواء كان ذلك بشكل إلكتروني أو بأية وسائل أخرى، في غياب أذون قضائية مبنية على أسباب كافية".[51] وتنص مسودة المبادئ كذلك على أنه
لا يجوز توقيف أحد على أساس أدلة تم الحصول عليها عبر عملية تفتيش تنتهك المعايير الدولية. ومع أنه يجوز في ظروف معينة القيام بعمليات تفتيش على نطاق منطقة كاملة أو فرض قيود على حرية التنقل من أجل تسهيل جمع الأدلة، فإنه لابد أن تكون هناك أسباب كافية تدعو إلى الاعتقاد بوجود إرهابيين أو أدلة تبرر عمليات التفتيش هذه ويجب أن تتم بطريقة لا تحيد عن المعايير الدولية.[52]
ويذكر المقرر الخاص المعني بشأن حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب الدول بأن أي تقييد يفرضه القانون على حرية الانتقال أو الحق في الحرية، أو الحق في الخصوصية، لابد أن يتوافق بشكل صارم مع مبدأ التناسب.[53]
خلاصة
وعد مسئولو الحكومة والحزب الوطني الحاكم مراراً بأن القانون الجديد سيقيم توازناً دقيقاً بين حقوق المواطنين من ناحية والاحتياجات الأمنية للمجتمع في مواجهة الإرهاب من ناحية أخرى. غير أن الكلمات والتصريحات لا تكفي على الإطلاق حين يتعلق الأمر بانتهاكات واسعة النطاق من نوع ما شهده المصريون على يد الأجهزة الأمنية على مدى ربع القرن الماضي.
إن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وهي تقدم هذا التحليل الحقوقي لمخاطر مشروع قانون مكافحة الإرهاب الجديد، تطالب الحكومة بأن يتضمن القانون ضمانات واضحة ومحددة للحماية من هذه المخاطر، وأن يتم بعدها تنقية قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية من كافة أشكال التشوه التي أدخلتها الحكومة عليهما على مدى العقدين الماضيين، وأن تتيح الحكومة وقتاً كافياً لأجراء نقاش مجتمعي حقيقي حول مشروع القانون لضمان ألا يكون القانون الجديد تكريساً لنفس السلطة والحصانة المطلقتين الممنوحتين لوزارة الداخلية بشكل أفرغ كافة تدابير حماية حقوق الإنسان في الدستور والاتفاقيات الدولية من محتواها.
فريق الدراسة
قام ببحث وكتابة هذه الدراسة الموجزة أليسا كينج، المستشارة ببرنامج الحق في الخصوصية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية. وقام بمراجعة وتحرير الدراسة كل من سهى عبد العاطي، المدير المساعد، وحسام بهجت المدير التنفيذي للمبادرة المصرية.
وتتوجه المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالشكر إلى هيئة أوكسفام نوفيب للتنمية على دعمها لأنشطة برنامج الحق في الخصوصية.
[1] لجنة حقوق الإنسان، "تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومتابعة المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان. فعالية عمل آليات حقوق الإنسان." وثيقة الأمم المتحدة رقم CN.4/2004/4، 5 أغسطس 2003، ملحق 1، ص 22.
[2] انظر تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، "الحقوق الشخصية في خطر: التعديل الدستوري بشأن مكافحة الإرهاب وخطره على الحماية القانونية للحريات في مصر،" 18 مارس 2007، ص 13-19، http://www.eipr.org/reports/179_07/179.htm.
[3]المصدر السابق.
[4] انظر المقابلة المنشورة مع مفيد شهاب، رئيس لجنة صياغة مشروع قانون الإرهاب في جريدة الدستور، 9 يوليو 2007، ص 5. ترد الإشارة إلى (القانون النموذجي لمكافحة الإرهاب) على موقع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلا أن نص القانون النموذجي غير منشور على الموقع. وفي مقابلة هاتفية مع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في 9 يوليو 2007 ذكر الخبير الإقليمي لمنع الإرهاب في المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن القانون النموذجي ليس وثيقة علنية "بسبب الاحتياج الدائم إلى تحديثه بما يتوافق مع ما يستجد من صكوك مكافحة الإرهاب وقرارات مجلس الأمن."
[5] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "منع الأفعال الإرهابية: استراتيجية للعدالة الجنائية تطبق معايير حكم القانون في تنفيذ صكوك الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب،" 2006، وثيقة عمل صادرة عن دائرة المساعدة التقنية؛ مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، و" دليل بشأن إدراج أحكام الصكوك القانونية العالمية لمكافحة الإرهاب في التشريعات،" 2006: http://www.unodc.org/unodc/ar/terrorism_tools.html
[6] روبرت غولدمان، "تقريرروبرت غولدمان، الخبير المستقل المعني بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم E/CN.4/2005/103، 7 فبراير2005: http://ap.ohchr.org/documents/dpage_e.aspx?s=33.
[7] مارتن شينين، "تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم E/CN.4/2006/98، 28 ديسمبر 2005؛ مارتن شينين، "تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم A/61/267، 16 أغسطس 2006؛ مارتن شينين، "تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم A/HRC/4/26، 29 يناير 2007: http://www.ohchr.org/english/issues/terrorism/rapporteur/reports.htm.
[8] اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، "قضايا حقوقية متخصصة: أولويات جديدة، وبخاصة الإرهاب ومكافحة الإرهاب، مشروع إطار محدث للمبادئ العامة والمبادئ التوجيهية بشأن حقوق الإنسان والإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم A/HRC/Sub.1/58/30، 3 أغسطس 2006: http://ap.ohchr.org/documents/dpage_e.aspx?b=5&se=6&t=9.
[9] المصري اليوم، "سرور: ندرس تطبيق قانون الإرهاب علي وسائل الإعلام التي تساعد الجماعات المحظورة،" 5 أبريل 2007: http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=53737&r=t.
[10] قانون رقم 97 لسنة 1992، المادة 86.
[11] لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، " النظر في التقارير المقدمة من الدول الأطراف بموجب المادة 40 من العهد، الملاحظات الختامية: مصر،" وثيقة الأمم المتحدة رقم CCPR/CO/76/EGY، 28 نوفمبر 2002، الفقرة 16: http://daccessdds.un.org/doc/UNDOC/GEN/G02/460/70/PDF/G0246070.pdf?OpenElement
[12] مارتن شينين، "تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،" وثيقة الأمم المتحدة رقم E/CN.4/2006/98/Add.1، الفقرة 1، 28 ديسمبر 2005.
[13] الخبير المستقل، الفقرة 33.
[14] الخبير المستقل، الفقرة 33؛ مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "منع الأفعال الإرهابية،" الفقرة 19.
[15] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "منع الأفعال الإرهابية،" الفقرة 30.
[16] اللجنة الفرعية، الفقرة 36.
[17] المقرر الخاص، 16 أغسطس 2006، الفقرة 32.
[18] المصدر السابق.
[19] المقرر الخاص، 28 ديسمبر 2005، الفقرة 50.
[20] لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، "التعليق العام رقم 29،"، وثيقة الأمم المتحدة رقم CCPR/C/21/Rev.1/Add.11، 2001، الفقرة رقم 2: http://www.ohchr.org/english/bodies/hrc/comments.htm.
[21] المصدر السابق، الفقرات 3-4.
[22]الخبير المستقل، الفقرة 10.
[23]الخبير المستقل، الفقرة 37.
[24] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "منع الأفعال الإرهابية،" الفقرة 62.
[25] اللجنة الفرعية، الفقرة 37 (ج).
[26] اللجنة الفرعية، الفقرة 36 (ب).
[27] "أنشطة لجنة مناهضة التعذيب بموجب المادة 20 من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللا إنسانية والمهينة: مصر،" 3/5/96، وثيقة الأمم المتحدة رقم A/51/44، 3 مايو، 1996 الفقرة رقم 220: http://www.unhchr.ch/tbs/doc.nsf/(Symbol)/beaf1e1493d8c8cb8025659300389b53?Opendocument.
[28] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "دليل بشأن إدراج أحكام الصكوك القانونية،" الفقرات 422 و 424.
[29] الخبير المستقل، الفقرة 49.
[30] اللجنة الفرعية، الفقرة 44.
[31] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "دليل بشأن إدراج أحكام الصكوك القانونية،" ص 100.
[32] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "منع الأفعال الإرهابية،" الفقرة 62.
[33] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "دليل بشأن إدراج أحكام الصكوك القانونية"، الفقرة 414.
[34] اللجنة الفرعية، الفقرة 39.
[35] اللجنة الفرعية، الفقرات 38(ب) و (ج).
[36] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "منع الأفعال الإرهابية،" الفقرة 62.
[37] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "دليل بشأن إدراج أحكام الصكوك القانونية"، ص 100.
[38] الخبير المستقل، الفقرة 44.
[39] الخبير المستقل، الفقرة 15.
[40] الخبير المستقل، الفقرة 47.
[41] اللجنة الفرعية، الفقرة 46.
[42] الخبير المستقل، الفقرة 46.
[43] اللجنة الفرعية، الفقرة 53.
[44] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "منع الأفعال الإرهابية،" الفقرة 39؛ المقرر الخاص، 16 أغسطس 2006، الفقرة 28.
[45] المقرر الخاص، 16 أغسطس 2006، الفقرة 28.
[46] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، "منع الأفعال الإرهابية،" الفقرة 41.