الحقوق الشخصية في خطر
التعديل الدستوري بشأن مكافحة الإرهاب وخطره على الحماية القانونية للحريات في مصر
فريق الدراسة
قامت بإعداد وكتابة هذه الدراسة سهى عبد العاطي، المدير المساعد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية. وقام بإعداد الجزء المتعلق بالقانون المصري في الدراسة عادل رمضان، المحامي ببرنامج الحق في الخصوصية بالمبادرة المصرية. بينما قام حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بمراجعة وتحرير الدراسة وكتابة بعض أجزائها.
وتتوجه المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالشكر لكل من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون ومؤسسة أوكسام نوفيب للتنمية على دعمهما لنشاط برنامج الحق في الخصوصية بالمبادرة.
2-1. مسار التعديلات الدستورية ونص مكافحة الإرهاب
2-2. تجربة الحكومة المصرية في مكافحة الإرهاب
3. الحماية القانونية الحالية للحقوق الشخصية وخطر مشروع المادة 179
3-1 الحماية بموجب النظام القانوني المصري
القبض والتفتيش وتقييد الحرية
مراقبة وتسجيل الاتصالات والمحادثات والمراسلات
3-2. الحماية بموجب الاتفاقيات الدولية الملزمة للحكومة المصرية
العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب
4. احترام حقوق الإنسان في ظل مكافحة الإرهاب
5. خلاصة
1. مقدمة
"الحرية الشخصية أصل يهيمن على الحياة بكل أقطارها، لا قوام لها بدونها، إذ هي محورها وقاعدة بنيانها."
المحكمة الدستورية العليا- 1994[1]
تتعرض الحقوق والحريات الشخصية هذه الأيام لهجمة غير مسبوقة هي الأسوأ على مستوى التشريع منذ عقود. حيث تسعى الحكومة المصرية خلال الأسابيع القليلة المقبلة إلى تعديل دستور البلاد ليتضمن باباً جديداً حول مكافحة الإرهاب، تمنح مادته الوحيدة- رقم 179- حصانة دستورية دائمة للإجراءات الخاصة التي سيتضمنها قانون مكافحة الإرهاب المزمع إصداره قريباً.
لا يعلم أحد بخلاف مسئولي الحكومة والحزب الحاكم ما سيتضمنه قانون مكافحة الإرهاب الجديد من جرائم أو إجراءات. ولكننا نعلم أن الحكومة اكتشفت أثناء صياغته أنه سيصطدم بالحقوق المكفولة للمواطنين في الدستور—فاختارت بمنتهى البساطة التضحية بمواد الحريات في سبيل حماية قانون الإرهاب. قررت الحكومة في نصها المقترح أن تمنح قانون الإرهاب الجديد سلطة التحلل من احترام ضوابط القبض على الأفراد واحتجازهم، وتفتيش منازلهم، ومراقبة وتسجيل أحاديثهم ومكالماتهم ومراسلاتهم. كما قررت أن تمنح رئيس الجمهورية سلطة دستورية أبدية في حرمان المتهمين من المحاكمة أمام النظام القضائي العادي وإرسالهم إلى محاكم عسكرية أو خاصة.
إن تجربة الحكومة المصرية في مكافحة الإرهاب منذ إعلان حالة الطوارئ وتجديدها بشكل متصل بعد اغتيال الرئيس السادات في أكتوبر 1981 تكشف عن حجم الانتهاكات الهائلة والمنهجية لحقوق الإنسان والتي نتجت عن منح الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية لتجاهل كافة الضمانات الدستورية والقانونية وارتكاب ما يحلو لهم من تجاوزات وهم بمأمن من العقاب بدعوى التصدي لخطر الإرهاب. وإن كان التعديل المقترح للمادة 179 يثير القلق بشأن أثره على حقوق وحريات المواطنين، فإن هذا القلق يتضاعف مرات عدة عند الأخذ في الاعتبار أن النظام القانوني الموازي الذي أقامته حالة الطوارئ لتمكين أجهزة الأمن من الالتفاف حول أحكام الدستور والقانون سيدمج اليوم في دستور البلاد ليصبح نظاماً قانونياً قائماً ودائماً.
تسعى هذه الدراسة إلى عرض وتحليل الحماية الحالية للحقوق والحريات التي يقدمها الدستور والقوانين المصرية والاتفاقيات الدولية الملزمة والتي ترغب الحكومة في تعطيل العمل بها بموجب التعديل الجديد، وتتقصى الأثر المتوقع لتمرير التعديل على البنية التشريعية للبلاد. وتلخص الدراسة مسار التعديل الدستوري منذ طرحه علناً لأول مرة وحتى خروج الصياغة النهائية للمادة 179 إلى النور. كما تعرض بإيجاز تجربة الحكومة المصرية في استغلال دعوى مكافحة الإرهاب من أجل انتهاك حقوق الإنسان على مدى العقدين الماضيين. وأخيراً فإن الدراسة تلخص المبادئ والمبادرات الدولية في شأن احترام الحقوق والحريات الأساسية أثناء مواجهة الإرهاب، قبل أن تنتهي بتوصيتها إلى نواب مجلس الشعب برفض التعديل المقترح.
2. خلفية
2-1. مسار التعديلات الدستورية ونص مكافحة الإرهاب
تصاعدت الأصوات المطالبة بالإصلاحات الديمقراطية مع بداية عام 2005 وتراوحت مطالبها بين إدخال تعديلات على البنية الدستورية والتشريعية للحياة السياسية، ومعارضة التجديد لمبارك لفترة رئاسية خامسة، ومواجهة احتمالات "توريث" الرئاسة لولده جمال، أمين السياسات والأمين العام المساعد بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. وفي الفترة نفسها تزايدت كثافة المبادرات الأمريكية والأوروبية المطالبة بالإصلاح السياسي في منطقة الشرق الأوسط بعد أن ساد الإدراك لدى الحكومات الغربية بأن الديكتاتورية والقمع السائدين في المنطقة شكلا عاملاً رئيسياً في دفع أعداد متزايدة من الشباب إلى اللجوء للعنف المسلح أو التطرف الديني.
ومع تزايد حدة وزخم هذه المطالبات الداخلية والخارجية أعلن مبارك في فبراير 2005 عن رغبته في إدخال تعديل على المادة 76 من الدستور بشكل يسمح بإجراء انتخابات رئاسية تعددية للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية بدلاً من الاستفتاء بنعم أو لا على مرشح وحيد يختاره البرلمان. ورغم التفاؤل الحذر الذي أعقب الإعلان عن هذه المبادرة إلا أن آمال المعارضة السياسية سرعان ما خابت مع إقرار الأغلبية الحكومية في مجلس الشعب لصيغة التعديل بشكل فرض قيوداً شديدة على فرص أحزاب المعارضة والمستقلين في الترشيح للانتخابات الرئاسية.[2] وقد دفع ذلك الحزب الناصري وحزب التجمع اليساري وحركات سياسية معارضة كالحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) وغيرهم إلى الدعوة لمقاطعة الاستفتاء الشعبي العام الذي أجري على التعديل في مايو 2005، وكذلك مقاطعة الانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر من العام نفسه وتنافس فيها تسعة من مرشحي الأحزاب السياسية في مواجهة مبارك الذي حصل على 88.5% من الأصوات بنسبة تصويت لم تتجاوز 23% من إجمالي من يحق لهم التصويت.[3]
"مفيش داعي نعلق كل حاجة علي قانون الطوارئ لأننا بنحمي الشعب. وعلى أي حال إذا كانت دي الشماعة حنشوف لها حل مع الحفاظ علي أمن الوطن والمواطن."[5]
مرت ستة أشهر بعد إعادة انتخاب مبارك لفترة رئاسية جديدة في سبتمبر 2005 دون اتخاذ إجراءات إصدار قانون الإرهاب الجديد مما أثار التكهنات حول نية النظام تجاه تجديد العمل بحالة الطوارئ، والتي دأب مجلس الشعب ذو الغالبية الحكومية على تجديدها كل ثلاثة أعوام وكان من المقرر أن تنتهي في مايو 2006. وفي 22 مارس صدر قرار رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة تتولى "إعداد مشروع قانون لمكافحة الإرهاب، واقتراح التعديلات المناسبة على النصوص المتعلقة بالحبس الاحتياطي والتي تنظم سلطاته ومداه مستعينة في ذلك بالتشريعات الحديثة المقارنة في هذا المجال ومستهدية بالتطبيقات القضائية بأحكام الاتفاقيات الدولية المبرمة في هذا الشأن."[6] وأوكل القرار رئاسة اللجنة إلى الدكتور مفيد شهاب، وزير الدولة للشئون القانونية والمجالس النيابية وضم إلى عضويتها تسعة أعضاء يمثلون وزارته إلى جانب وزارات الداخلية والدفاع والعدل. وخلا تشكل اللجنة من أي ممثل عن المجلس القومي لحقوق الإنسان أو عن المجتمع المدني. وبعد حوالي شهر من تشكيل اللجنة قام مجلس الشعب في إبريل 2006 بتجديد العمل بحالة الطوارئ "لمدة سنتين ... أو لمدة تنتهي بصدور قانون لمكافحة الإرهاب أيهما أقرب."[7] وحتى وقت صدور هذه الدراسة لم تكن اللجنة قد كشفت عن أية مسودات للقانون المزمع إصداره.[8]
في 26 ديسمبر 2006 كشف مبارك في خطاب تلفزيوني ورسالة إلى مجلسي الشعب والشورى عن التعديلات الدستورية التي كان قد وعد بها قبل أكثر من عام أثناء حملة الانتخابات الرئاسية.[9] وطالب مبارك في رسالته بإدخال 34 تعديلاً على دستور البلاد الصادر في عام 1971 لتحقيق أهداف تتضمن حذف الإشارات إلى المبادئ الاشتراكية في دستور، ومنح بعض السلطات لمجلسي البرلمان ورئيس مجلس الوزراء والمجالس المحلية، وإدخال تعديلات على القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، بما في ذلك تحجيم الإشراف القضائي على الانتخابات، إلى جانب "إضافة نص ينظم حماية الدولة من الإرهاب".
وفيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، اقترح مبارك في رسالته أن يتم تخصيص الفصل السادس من الدستور – والذي اقترح مبارك إلغاءه من بين النصوص الاشتراكية- لمسألة مكافحة الإرهاب عبر تضمين الفصل لمادة وحيدة تحمل رقم 179 وتسمح للحكومة بإصدار قانون مكافحة الإرهاب دون أن تكترث للحماية التي يسبغها الدستور على حقوق وحريات المواطنين. وذهب الرئيس في رسالته إلى أبعد من ذلك حين طالب بإسباغ "حماية دستورية" على إجراءات مكافحة الإرهاب مع تجريد المواطنين من هذه الحماية:
"إن إقامة نظام قانوني يختص بمكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه ليكون بديلاً تشريعياً لمكافحة هذا الخطر دون حاجة لتطبيق قانون الطوارئ يتطلب حماية دستورية تستظل بها الإجراءات التي يتطلبها ذلك النظام، وهو ما يقوم سبباً لكي يتضمن الدستور بين مواده ما يسمح للمشرع بفرض إجراءات خاصة بمكافحة الإرهاب".[10]
وطالبت رسالة مبارك صراحة بأن يسمح النص الدستوري الجديد لإجراءات مكافحة الإرهاب بتجاوز الحماية الدستورية المقررة في ثلاثة مواد دستورية قام بتحديدها على سبيل الحصر، وهي المادة 41 فقرة (1) بشأن ضوابط القبض والاحتجاز، والمادة 44 بشأن عدم جواز تفتيش المنازل دون إذن قضائي، والمادة 45 فقرة (2) بشأن عدم جواز التصنت على المكالمات والاتصالات دون إذن قضائي.
وفي مسعى لطمأنة المخاوف المتوقعة من هذا التعدي الجذري وغير المسبوق على الحقوق الدستورية أضاف مبارك في رسالته أن قانون مكافحة الإرهاب الجديد سيقوم بتحديد "رقابة قضائية" ما على إجراءاته الاستثنائية تلك "بما يضمن التصدي بحزم لخطر الإرهاب ويدفع أي عدوان أو مساس غير مبرر بحقوق الإنسان، مع إتاحة سبيل لسرعة الفصل في قضايا الإرهاب".[11] وبما أن نصوص الدستور الحالي تنص بالفعل على وجود رقابة قضائية سابقة على اتخاذ أي من إجراءات القبض أو التفتيش أو التصنت، فقد فهم الجميع من إشارة مبارك إلى الرقابة القضائية أن الحكومة تنوي استبدال الضمانات الحالية بالرقابة القضائية اللاحقة على اتخاذ تلك الإجراءات الأمنية وبعد أن يكون ضررها قد وقع بالفعل.
ووفقاً لنص المادة 189 من الدستور فإن على مجلس الشعب أن يوافق أولاً على التعديلات التي يطلبها رئيس الجمهورية من حيث المبدأ، ثم يناقش نصوص التعديلات بعد شهرين على الموافقة المبدئية، ثم يقر التعديلات بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس على الأقل قبل أن تطرح في استفتاء شعبي عام. كما تنص المادة 195 من الدستور على أن "يؤخذ رأي" مجلس الشورى في أي تعديل دستوري قبل إقراره.
وتنص اللائحة الداخلية لمجلس الشعب في المواد من 115 إلى 121 على الإجراءات الواجب اتباعها لإقرار تعديلات دستورية بناء على طلب رئيس الجمهورية.[12] وتبدأ هذه الإجراءات بقيام رئيس المجلس بإخطار الأعضاء بورود طلب رئيس الجمهورية خلال 24 ساعة من وصول الطلب. ثم يعقد المجلس جلسة خاصة خلال أسبوع ليقرر خلالها إحالة الطلب إلى اللجنة العامة للمجلس والتي تضم الرئيس والوكيلين ورؤساء اللجان ورؤساء الهيئات البرلمانية وخمسة أعضاء تختارهم قيادة المجلس من بينهم ممثل واحد على الأقل عن المستقلين.[13] وتعتمد اللجنة بأغلبية أعضائها خلال 15 يوماً تقريراً تبدي فيه رأيها في التعديلات وتحيله إلى أعضاء المجلس مجتمعين ليقوموا بالتصويت نداءاً بالاسم على موافقتهم على التعديلات من حيث المبدأ. وبعد موافقة أغلبية الأعضاء على مبدأ التعديلات تتم إحالة كل من الطلب والتقرير إلى لجنة الشئون الدستورية والتشريعية لإعداد مشروع المواد المقترحة خلال شهرين، مع السماح لأعضاء المجلس بتقديم مقترحاتهم بشأن الصياغة إلى اللجنة خلال الشهر الأول. ويتلى تقرير اللجنة الدستورية والتشريعية على أعضاء المجلس في جلسة علنية تعقد خلال 15 يوماً من انقضاء مدة الشهرين ويصوت الأعضاء على التعديلات نداءاً بالاسم على أن يتم إقرارها في حالة موافقة غالبية ثلثي الأعضاء على الأقل، وطرحها في هذه الحالة للاستفتاء الشعبي.
في ذات اليوم الذي أرسل فيه الرئيس مبارك خطابه إلى رئيس مجلس الشعب بطلب التعديلات تمت إحالة الطلب إلى اللجنة العامة التي بدأت مناقشتها في 6 يناير 2007.[14] واعتمدت اللجنة بعد يومين من المناقشات تقريرها بإجماع كافة الأعضاء الذين ضموا نائباً واحداً عن المعارضة هو محمود أباظة رئيس حزب الوفد الليبرالي ورئيس كتلته البرلمانية بالمجلس. وقد انتهى التقرير إلى موافقة أعضاء اللجنة على التعديلات بتاريخ 8 يناير 2007.[15]وتضمن تقرير اللجنة الموافقة على اقتراح الرئيس بشأن نص المادة 179 حول قانون مكافحة الإرهاب، باعتبار أن إصدار قانون خاص لمكافحة الإرهاب هو "الاتجاه التشريعي الذي تأخذ به حالياً معظم الديمقراطيات الراسخة"[16] وتضمن التقرير إشارات محددة إلى "قانون باتريوت" في الولايات المتحدة الأمريكية وقوانين مكافحة الإرهاب في بريطانيا وكندا واستراليا وروسيا وفرنسا وأسبانيا.[17]
وبتاريخ 16 يناير بدأ مجلس الشعب في مناقشة تقرير اللجنة العامة قبل أن يوافق في اليوم التالي مباشرة على التعديلات من حيث المبدأ بأغلبية 316 عضوًا ومعارضة 102 عضو من بينهم 88 نائباً عن الإخوان المسلمين، و10 نواب مستقلين، ونائبان عن حزب الوفد، ونائب عن حزب التجمع، إضافة إلى نائب وحيد عن الحزب الوطني الديمقراطي هو النائب محمد حسين.[18]
وبعد إقرار التعديلات تمت إحالتها إلى اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب التي بدأت في عقد جلسات استماع حولها، شهدت بروز ما يشبه الإجماع على معارضة مقترح المادة 179 من طرف أساتذة القانون الذين اختارت اللجنة دعوتهم لإبداء الرأي في المقترحات. ففي جلسة الاستماع الأولى التي عقدت في 12 فبراير 2007، حذر أستاذ القانون الدستوري يحيى الجمل من أن المساس بالمواد المتعلقة بالحريات "سيحول مصر إلى دولة بوليسية".[19] وفي جلسة تالية عقدت بتاريخ 15 فبراير أشار الدكتور مصطفى عفيفي رئيس قسم القانون الدستوري بجامعة طنطا أمام اللجنة إلى أن "وضع غطاء دستوري لإصدار قانون الإرهاب قد ينتهك الحقوق والحريات، موضحاً أن الرقابة القضائية ستكون باطنية وغير ناجزة".[20]بينما أشار في الجلسة نفسها الدكتور محمد جبريل، أستاذ القانون الدستوري بجامعة حلوان إلى أن "نصوص قانون العقوبات كافية لمكافحة الإرهاب، وتسائل من الذي سيحدد الجريمة الإرهابية؟ هل هو ضابط المباحث الذي سيتولى عملية اقتحام المنازل، والضبط والتفتيش، وأضاف: سيقول البعض أن هناك رقابة قضائية ولكن هذه الرقابة هي رقابة لاحقة."[21]
وفي نفس الوقت الذي كان فيه مقترح المادة 179 يتعرض لهذا الهجوم في جلسات الاستماع، كانت أحزاب وحركات المعارضة الرئيسية تتسابق لرفض التعديل ذاته. فقد طالبت كتلة نواب الإخوان المسلمين بعدم إضافة أي نص دستوري حول مكافحة الإرهاب نظراً لأن القانون الحالي فيه ما يكفي من المواد اللازمة لتنظيم إجراءات مكافحة الأعمال الإرهابية.[22]
واتخذ حزب التجمع الموقف نفسه بدعوى "إن هذا التعديل الخطير وبحجة مكافحة الإرهاب يطلق يد أجهزة الأمن في انتهاك الحريات الشخصية للمواطنين وإلقاء القبض عليهم وتفتيشهم وحبسهم وتحديد إقامتهم واقتحام مساكنهم وتفتيشها والتجسس عليهم".[23]
بينما أخذ حزب الوفد موقفاً أكثر وسطية بأن قبل اقتراح النص على قانون لمكافحة الإرهاب مع رفض المقترح الرئاسي بتجميد العمل بالحريات الدستورية، حيث تقدم الحزب إلى اللجنة الدستورية والتشريعية باقتراح بأن تنص المادة 179 على التالي: "يحدد القانون الخاص بمكافحة الإرهاب ما يتعلق به من جرائم وعقوبات وما ينطبق في شأنه من إجراءات دون المساس بأحكام مواد البابين الثالث [بشأن الحريات والحقوق والواجبات العامة] والرابع [بشأن سيادة القانون] من هذا الدستور".[24]
وقد بعث الدكتور بطرس بطرس بطرس غالي، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، خطاباً إلى رئيس مجلس الشعب اعترض فيه على مقترح المادة 179 وأوصى فيها بأن "يتم التأكيد في نص المادة 179 المقترحة علي عدم المساس بالحقوق والحريات والضمانات المنصوص عليها في الباب الثالث من الدستور، وأن يحدد قانون الإرهاب معنى وحدود الجريمة الإرهابية علي نحو منضبط لا يحتمل تأويلاً، وأن تتم محاكمة المتهمين أمام القاضي الطبيعي، وأن يتم الحرص علي التطبيق الكامل للأحكام القضائية."[25]
بعد انتهاء جلسات الاستماع وفي 1 مارس 2007 قامت اللجنة الدستورية والتشريعية بتشكيل لجنة فرعية منبثقة عنها لصياغة مشروع المواد ترأستها رئيسة اللجنة الدستورية والتشريعية آمال عثمان، وضمت ثمانية من الأعضاء ينتمون جميعاً إلى الحزب الحاكم باستثناء رئيس كتلة حزب الوفد محمود أباظة، وكمال أحمد ممثلاً عن النواب المستقلين، بينما تم استثناء النواب المستقلين التابعين لجماعة الإخوان المسلمين والذين يشغلون خمس مقاعد المجلس ويمثلون أكبر كتل المعارضة داخله.[26]
وبتاريخ 6 مارس 2007 أعلنت اللجنة الفرعية عن انتهائها من صياغة مشروع التعديلات وقامت بالإعلان عنها على أن يبدأ مجلس الشعب في مناقشتها ويتنهي من إقرارها خلال الأسبوع الثالث من شهر مارس قبل أن تطرح التعديلات للاستفتاء في الأسبوع الأول من إبريل.[27]
وجاء النص المقترح للمادة 179 متسقاً إلى ما يقرب التطابق مع ما جاء بشأنها في رسالة مبارك إلى البرلمان، وذلك على النحو التالي:
"تعمل الدولة علي حماية الأمن والنظام العام في مواجهة أخطار الإرهاب, وينظم القانون أحكاماً خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة تلك الأخطار وذلك تحت رقابة من القضاء, وبحيث لا يحول دون تطبيق تلك الأحكام الإجراء المنصوص عليه في كل من الفقرة الأولى من المادة 51 والمادة 44 والفقرة الثانية من المادة 45 من الدستور. ولرئيس الجمهورية أن يحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلي أية جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون."[28]
2-2. تجربة الحكومة المصرية في مكافحة الإرهاب
تثير خبرة الحكومة المصرية في التصدي للإرهاب أو استخدام التصدي له كمبرر لتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية قلقاً شديداً بشأن المزيد من تدهور أوضاع حقوق الإنسان في حالة تضمين الدستور لنص يحمي قانوناً جديداً للإرهاب، دون أن يتقيد هذا القانون بأحكام الدستور في ما يتعلق بالخطوط الفاصلة بين حريات المواطنين وسلطات الدولة.
لن يكون قانون الإرهاب الجديد الذي تزمع الحكومة إصداره بعد تحصينه دستورياً ضيفاً جديداً على النظام التشريعي المصري. فقد قام بالدور نفسه في تقييد الحريات الأساسية وتقييد أحكام الدستور بدعوى مكافحة الإرهاب على مدى ربع القرن الماضي كل من قانون الطوارئ وقانون مكافحة الإرهاب الصادر عام 1992.
فقد خضعت مصر على نحو متصل لأحكام قانون الطوارئ (رقم 162 لسنة 1958) منذ إعلان حالة الطوارئ في أعقاب اغتيال الرئيس السابق أنور السادات في أكتوبر 1981. ومنذ ذلك الوقت ومع قيام مجلس الشعب بتجديد حالة الطوارئ بشكل شبه آلي، تمتع كل من رئيس الجمهورية ووزير الداخلية بالحق في اتخاذ إجراءات تعد في الأحوال العادية غير قانونية من بينها "وضع قيود علي حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية"[29]، و"الأمر بمراقبة الرسائل أياً كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإغلاق أماكن طبعها"[30]. كما تسمح المادة باتخاذ هذه التدابير بمقتضي أوامر شفوية على أن تقرر كتابة خلال ثمانية أيام.[31]
كما أنشأ قانون الطوارئ محاكم أمن الدولة العليا وهي محاكم استثنائية لا توفر للمتهمين أمامها ضمانات المحاكمة العادلة وعلى رأسها الحق في استئناف الأحكام الصادرة بالإدانة أمام محكمة من درجة أعلي.[32] كما أن أحكام هذه المحاكم تخضع كلياً لإرادة رئيس الجمهورية، حيث لا تصبح الأحكام نهائية إلا بعد موافقته عليها مع منحه الحق في تخفيف العقوبة أو وقف تنفيذها أو إلغائها أو الأمر بإعادة المحاكمة، في إخلال واضح بمدأ استقلال السلطة القضائية.[33] وتنطبق المخالفات ذاتها على محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، وهي سلطة يتمتع بها رئيس الجمهورية عند إعلان حالة الطوارئ.[34] وتزداد فداحة هذا الانتهاك للحق في المحاكمة العادلة عندما نعلم أن المحاكم العسكرية قد أصدرت في الفترة من 1992 إلى 2002 ما لا يقل عن 91 حكماً بالإعدام. بينما أصدرت محاكم أمن الدولة العليا في نفس السنوات العشر 23 حكماً بالإعدام.[35] فقد تم إنهاء حياة العشرات من المتهمين دون أن تتوفر لهم فرصة استئناف الأحكام الصادرة ضدهم.
وفي بداية التسعينات تزايدت حدة المواجهة بين أجهزة الدولة من جهة والجماعات الإسلامية المسلحة من ناحية أخرى، حيث كثفت الأخيرة من هجماتها التي استهدفت مسئولين سياسيين ورجال أمن ومواطنين أقباطاً ومفكرين وسياحاً أجانب. وفي عام 1992 مررت الحكومة في مجلس الشعب عدداً كبيراً من التعديلات على عدة قوانين من بينها قانونا العقوبات والإجراءات الجنائية عرفت جميعاً باسم "قانون مكافحة الإرهاب".[36] وإلى جانب استحداث عدد كبير من الجرائم في قانون العقوبات دون تعريفها بدقة، ومنح سلطات الدولة صلاحيات استثنائية واسعة فإن أخطر ما في هذا التعديل كان تعريف الإرهاب الذي تم تضمينه في المادة 86 من قانون العقوبات:
"يقصد بالإرهاب في تطبيق أحكام هذا القانون كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، يلجأ إليه الجاني تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة، أو بالاتصالات والمواصلات أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها، أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح."[37]
ووفقاً لهذا التعريف الواسع وشديد العمومية فإن عدداً غير محدود من الأفعال يمكن تصنيفها كجرائم إرهابية في حين أنها لا تعدو أن تكون ممارسة سلمية لحقوق يكفلها الدستور والاتفاقيات الدولية الملزمة للحكومة كالحق في حرية التعبير أو حرية التجمع السلمي أو الإضراب عن العمل أو الدراسة.
ومع نهاية التسعينات وانحسار موجة العمليات والتفجيرات المسلحة على يد جماعات العنف كانت أوضاع حقوق الإنسان في مصر قد بلغت مستوى شديد التدهور. فإلى جانب المحاكمات الاستثنائية لأعضاء تلك الجماعات المشار إليها أعلاه والتي انتهت بإصدار أحكام شديدة القسوة بالإعدام أو السجن، فقد تم اعتقال الآلاف من الإسلاميين بتهمة الانتماء لجماعات دينية أو الولاء لها دون أن تتم إدانتهم بالتورط في أي أعمال عنف أو التخطيط لها أو الدعوة إليها. وفي حالات كثيرة كانت قوات الأمن تقوم باعتقالات جماعية لأسر بكافل أفرادها. وبينما تمتنع الحكومة المصرية عن إعلان الأعداد الحقيقية للمعتقلين، فإن التقديرات غير الرسمية لعددهم تتراوح بين 12ألف و16 ألف معتقل قضى عدد كبير منهم أكثر من 10 سنوات رهن الاعتقال رغم حصول كثيرين منهم على عدد من أحكام الإفراج التي تتجاهل وزارة الداخلية تنفيذها. وفي حين لم تتم محاكمة معظم هؤلاء المعتقلين أو حتى توجيه اهامات لهم، فإن عدداً آخر منهم برأته المحاكم الاستثنائية من التهم الموجهة إليه دون أن يتم الإفراج عنه.[38]
كما انتشر التعذيب في أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز بعد أن أعطت الدولة لأجهزتها الأمنية الضوء الأخضر في تعذيب المعتقلين من جماعات العنف الإسلامية مع حصانة كاملة من العقاب على هذه الجريمة التي يمنعها الدستور المصري و يجرمها القانون ويعاقب عليها. وسرعان ما امتد التعذيب إلى النشطاء السلميين من التيارات الإسلامية، ومنهم إلى كافة المحتجزين السياسيين من التيارات غير الدينية، حتى وصل الأمر إلى انتشار التعذيب والمعاملة القاسية في كافة أماكن الاحتجاز بشكل منهجي وواسع الانتشار، دون أن يستثني من خطره أحداً سواء كان محتجزاً سياسياً أو جنائياً، رجلاً أو امرأة أو طفلاً، متهماً أو مشتبهاً فيه أو قريباً أو صديقاً لأحد المطلوبين.[39]
ومن ناحية أخرى فقد تم استخدام الترسانة التشريعية المقيدة للحريات في تكميم الحياة السياسية والمدنية في مصر والتضييق على الأحزاب السياسية وحركات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والصحفيين المستقلين أو المعارضين. وعلى سبيل المثال فإن أحد التقديرات يشير إلى أن 36 صحفياً وكاتباً وناشراً تمت إحالتهم للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا بسبب آراء نشروها أو عبروا عنها في السنوات العشر بين 1992 و2002.[40]
وقد تم توثيق انتهاكات الحكومة المصرية لحقوق الإنسان تحت ستار مكافحة الإرهاب وانتقادها بواسطة عدد كبير من منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية، فضلاً عن آليات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. فقد عبرت عن نفس بواعث القلق لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في اجتماع عقدته في عام 2002 لدراسة مدى التزام الحكومة المصرية بمواد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والذي صدقت عليه في عام 1982 وأصبح جزءاً من قوانينها الداخلية. حيث وصفت اللجنة في ملاحظاتها الختامية تعريف الإرهاب بموجب قانون عام 1992 بأنه "شديد الاتساع والعمومية" وأنه يزيد من عدد الجرائم المعاقب عليها بعقوبة الإعدام بشكل يخالف مواد العهد الدولي. كما انتقدت اللجنة ما وصفته بـ"حالة الطوارئ شبه المستديمة" المفروضة في مصر، واستخدام الشرطة للتعذيب بشكل "منهجي"، واستمرار حالات الاحتجاز التعسفي. وعبرت اللجنة أيضاً عن قلقها بشأن "الاختصاصات الممنوحة لمحاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية في مجال محاكمة المدنيين، في الوقت الذي لا تتوافر فيه لهذه المحاكم أية ضمانات للاستقلالية، كما لا يمكن استئناف أحكامها أمام هيئة قضائية أعلى".[41]
وبالمثل، كانت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب قد بدأت في 1992 تحقيقاً سرياً حول مدى منهجية انتشار التعذيب في مصر بعد تزايد التقارير والمعلومات التي وصلتها بهذا الخصوص. وفي عام 1996 أصدرت اللجنة نتيجة تحقيقها الذي انتهى إلى التالي:
"يمارس التعذيب بصورة منهجية على يد قوات الأمن في مصر، وخاصة مباحث أمن الدولة؛ وذلك نظراً لأنه -رغم إنكار الحكومة- إلا أن مزاعم التعذيب التي قدمتها منظمات غير حكومية ذات مصداقية تشير بشكل متسق إلى أن حالات التعذيب تقع بشكل معتاد ووواسع الانتشار ومتعمد في مساحة كبيرة من البلاد على أقل تقدير."[42]
وفي نفس العام الذي انتهي فيه التحقيق قام المقرر الخاص بشأن التعذيب لدى الأمم المتحدة بتقديم طلب رسمي للحكومة المصرية للسماح له بزيارة البلاد ودراسة أوضاع التعذيب فيها لتقديم توصياته بشأنها إلى الحكومة والجهات المعنية. غير أن الحكومة المصرية رفضت الطلب رغم تكراره عدة مرات على مدى الأعوام الأحد عشر الماضية.
كما كانت مصر أول بلد يطلب مقرر الأمم المتحدة الخاص بشأن احترام حقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب زيارته فور تعيينه في عام 2005. وفي رسالة بعث بها المقرر الخاص إلى الحكومة المصرية في 21 سبتمبر 2005 أشار إلى احتواء قانون الطوارئ على مواد تبيح احتجاز الأشخاص للأبد دون توجيه اتهام بدعوى خطورتهم على الأمن العام، وإلى المعلومات التي تفيد بأن بعض هؤلاء المعتقلين ظلوا رهن الاحتجاز لمدد تصل إلى 15 عاماً. كما أشار إلى سماح القانون بإنشاء محاكم أمن الدولة التي تمثل نظاماً قضائياً موازياً لا يسمح باستئناف أحكامه. وأشارت الرسالة أيضاً إلى أن قائمة الاتهامات التي تحال إلى هذه المحاكم طويلة وغامضة وتستخدم عادة لتقييد الحق في حرية التعبير وإنشاء المؤسسات. وأضاف المقرر الخاص أن تعريف الإرهاب الوارد في قانون مكافحة الإرهاب فضفاض وعام للغاية بشكل يسمح باستخدامه ضد المعارضين السياسيين ويؤدي إلى زيادة عدد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام.[43]
وعلى مستوى الاتحاد الأفريقي لم يختلف الموقف من انتهاكات الحكومة المصرية لحقوق الإنسان تحت ستار مقاومة الإرهاب عن موقف الأمم المتحدة. ففي مايو 2005 قامت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التابعة للاتحاد الإفريقي بدراسة مدى التزام الحكومة المصرية بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي انضمت إليه الحكومة في عام 1984. وفي الملاحظات الختامية للجنة وردت نفس الانتقادات بدءاً من أن "حالة الطوارئ المفروضة منذ عقود لا يمكن لها أن تؤدي إلى تمتع الشعب بالحقوق والحريات" وانتهاءاً بالتعبير عن القلق من "الإجراءات المتخذة لمكافحة الإرهاب والتي لا تتسق دائماً مع احترام حقوق الإنسان"، مروراً بمشكلات التعذيب والمعتقلين وسجناء الضمير واستقلال القضاء.[44]
ورغم هذا الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب من حقوقه وحرياته بشهادة كل تلك الجهات بدعوى مكافحة الإرهاب، فقد دأبت الحكومة المصرية على التفاخر بنجاح تجربتها في القضاء على خطر الأعمال الإرهابية، خاصة مع إصدار قيادات الجماعات المسلحة داخل السجون لعدد من مبادرات وقف العنف عقب مذبحة الأقصر التي استهدفت عدداً كبيراً من السياح الأجانب في 1997. إلا أن جهود الحكومة في تسويق هذا "النجاح" انتهت مع عودة التفجيرات وأعمال العنف بدءاً من تفجيرات طابا ونويبع في 2004 ومروراً بالتفجيرات التي وقعت في القاهرة وشرم الشيخ ودهب في العامين الماضيين. ورغم أن تجدد أعمال العنف بهذه الدرجة يعد دليلاً على فشل الحل الأمني العنيف في التعامل مع ظاهرة العنف المسلح، إلا أن الحكومة ما زالت تستخدم الأسلوب نفسه اليوم بل وتحاول تعزيز سلطة وحصانة أجهزة الأمن في ارتكاب المزيد من الانتهاكات بسند من القانون بل ومن الدستور، مع تجاهل كافة الأصوات الداعية إلى احترام الحريات الأساسية كأحد ركائز درء خطر الإرهاب وتقليل دوافعه.
إن هذا السجل المخزي من الانتهاكات المرتكبة في ظل مكافحة الإرهاب لابد أن يكون درساً بليغاً حول خطورة منح أجهزة الأمن ضوءاً أخضر وحصانة من العقاب على الجرائم التي يرتكبونها أياً كانت المبررات. فإن كانت كل هذه الانتهاكات قد وقعت في ظل الحماية الدستورية للحقوق والحريات، فكيف سيكون الوضع عندما يتضمن الدستور نصاً يطيح بهذه الحماية كما تقترح الحكومة في مشروع المادة 179؟
3. الحماية القانونية الحالية للحقوق الشخصية وخطر مشروع المادة 179
"حيث أن الدستور قد حرص- في سبيل حماية الحريات العامة- على كفالة الحرية الشخصية لاتصالها بكيان الفرد منذ وجوده، فأكدت المادة 41 على أن "الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس"، كما نصت المادة 44 من الدستور على أن "للمساكن حرمة"، ثم قضت الفقرة الأولى من المادة 45 منه بأن "لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون"، غير أن الدستور لم يكتف في تقرير هذه الحماية الدستورية بإيراد ذلك فى عبارات عامة كما كانت تفعل الدساتير السابقة... ولكن أتى دستور سنة 1971 بقواعد أساسية تقرر ضمانات عديدة لحماية الحرية الشخصية وما يتفرع عنها من حريات وحرمات ورفعها إلى مرتبة القواعد الدستورية - ضمنها المواد من 41 إلى 45 منه - حيث لا يجوز للمشرع العادى أن يخالف تلك القواعد و ما تضمنه من كفالة لصون تلك الحريات و إلا جاء عمله مخالفاً للشرعية الدستورية."[45]
كأن المستشارالدكتور فتحي عبد الصبور، رئيس المحكمة الدستورية العليا عام 1984، كان يعلم حين كتب هذه الفقرة في حكم للمحكمة الدستورية العليا أنه سيأتي يوم على مصر بعد أكثر من عقدين يسعى فيه نظام الحكم وأغلبيته البرلمانية إلى الإطاحة بتلك المواد على وجه التحديد، والتي تعد درة مواد دستور 1971.
مع كل الانتهاكات التي ارتكبتها وترتكبها أجهزة الأمن في مصر بدعوى مكافحة الإرهاب، ومع رزوح البلاد تحت وطأة قانون الطوارئ لستة وعشرين عاماً، ومع "إرهاب" قانون مكافحة الإرهاب الصادر عام 1992، فإن ما تبقى من حماية لحقوق المواطن وحرياته في الدستور المصري وقانون الإجراءات الجنائية والاتفاقيات الدولية الملزمة للحكومة في مجال حقوق الإنسان يظل الملاذ الأخير للمواطن إزاء هذا التغول المستمر على الحريات والطابع البوليسي المتزايد للدولة. ورغم أن العديد من أركان هذه الحماية غير معمول به في الواقع، لا سيما مع مناخ الحصانة السائد لحساب الأجهزة الأمنية، إلا أن التعديل المقترح للمادة 179 من الدستور سيطيح بما تبقى من هذا الملجأ الأخير ويترك المواطن عاجزاً مجرداً من أي حقوق أو حماية من المزاجية الأمنية والانتهازية السياسية.
ويعرض هذا الجزء من الدراسة لأركان الحماية الحالية التي يوفرها الدستور والقانون المصري ثم الدولي لعدد من الحقوق الشخصية التي يستهدفها التعديل، والأثر المتوقع للتعديل على هذه الحماية.
3-1 الحماية بموجب النظام القانوني المصري
القبض والتفتيش وتقييد الحرية
"لا يجوز أن نعامل الناس كالفراشات فنطاردهم بحثاً عن الأدلة بينما لا يكون لدينا قبلهم غير الظنون والشكوك"
أحمد فتحي سرور-رئيس مجلس الشعب[46]
يسعى التعديل المقترح للمادة 179 إلى أن يضمن لقانون مكافحة الإرهاب المزمع إصداره القدرة على مخالفة الفقرة الأولى من المادة 41 من الدستور والتي تنص على ما يلي:
"الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على احد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة، وذلك وفقا لأحكام القانون."
يجيز القانون بالطبع إلقاء القبض على الأفراد، أو تفتيشهم، أو احتجازهم؛ غير أن كلاً من قانون الإجراءات الجنائية وأحكام محكمة النقض لا يجيزون أياً من هذه الإجراءات إلا إذا تم ضبط الفرد في حالة من حالات التلبس التي يحددها القانون، أو بموجب أمر صادر عن جهة قضائية مختصة. وأكدت محكمة النقض في عدد كبير من الأحكام على أن العدالة لا يضيرها إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات وحقوق الناس.[47]
أولاً- القبض في حالة التلبس
عرفت المادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية حالة التلبس على النحو التالى:
"تكون الجريمة متلبساً بها حال ارتكابها أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة. وتعتبر الجريمة متلبساً بها إذا اتبع المجني عليه مرتكبها أو تبعته العامة مع الصياح إثر وقوعها، أو إذا وجد مرتكبها بعد وقوعها بوقت قريب حاملاً آلات أو أسلحة أو أمتعة أو أوراقاً أو أشياء أخرى يستدل منها على أنه فاعل أو شريك فيها، أو إذا وجدت به في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك."[48]
ويشترط قانون الإجراءات الجنائية للقبض على الأفراد أو تفتيشهم في حال التلبس: وقوع جناية أو جنحة يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، أو الشروع في الجنح التي يجرم القانون الشروع فيها، وأن يكتشفها مأمور ضبط قضائي مختص بذاته وبطريقة مشروعة، وأن يكون هناك متهم حاضر توجد دلائل كافية على اتهامه.[49] كما يمكن وفقاً للتعريف السابق أن تعتبر الجريمة متلبساً بها دون وجود المتهم بالضرورة في مسرح الجريمة، وفي هذه الحالة يجوز لمأمور الضبط القضائي أن يصدر أمراً بضبطه وإحضاره.[50]
ويكفل الدستور لكل من يقبض عليه أو يعتقل أن "يبلغ بأسباب القبض عليه أو اعتقاله فوراً، ويكون له حق الاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع أو الإستعانة به على الوجه الذى ينظمه القانون، ويجب إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة إليه."[51] كما يكفل قانون الاجراءات الجنائية الحقوق ذاتها لكل من يقبض عليه أو يحبس احتياطيا.[52]
وفي حالة جواز القبض فإنه يجوز تفتيش المقبوض عليه ومتعلقاته الشخصية فقط بغرض الوصول إلى الأشياء المتعلقة بالجريمة الجاري التفتيش بسببها. وإذا كانت نوعية الجريمة المرتكبة لا تحتاج إلى تفتيش فلا يجوز التفتيش.[53] كما ينبغي أن يتم القبض والتفتيش بطريقة تحافظ على كرامة الفرد ولا تؤذيه بدنياً أو معنوياً.[54] وفي حالة كون المقبوض عليها أنثى فإنه لا يجوز تفتيشها إلا بواسطة أنثى.[55]
ثانياً- القبض في غير أحوال التلبس:
لعضو النيابة العامة أن يصدر أمراً بالقبض على شخص معين وإحضاره إذا أشارت التحريات والاستدلالات إلى وقوع جريمة منه. ويجب أن يحتوي أمر القبض والإحضار على "اسم المتهم، وصناعته، ومحل إقامته، والتهمة المنسوبة إليه، وتاريخ إصدار الأمر، وامضاء القاضي والختم الرسمي..ويشمل أمر القبض والاحضار تكليف رجال السلطة العامة بإحضاره أمام القاضي إذا رفض الحضور طوعاً في الحال".[56]
ولعضو النيابة العامة أيضاً أن يفتش المتهم. بينما لا يجوز له أن يفتش غير المتهم "إلا إذا أتضح من أمارات قوية أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة" ويستلزم في تلك الحالة الحصول على إذن من قاض جزئي بعد إطلاعه على أوراق القضية.[57] ويمنح القانون لرؤساء النيابة سلطات استثنائية تعفيهم من الحصول على هذا الإذن في حال التحقيق في الجنايات المدرجة بقانون العقوبات تحت تصنيفات الجرائم المضرة بأمن الحكومة من الداخل والخارج، والمفرقعات، واختلاس المال العام والعدوان عليه.[58]
أما فيما يتعلق بتقييد الحرية، فإن القانون ينص على أن الفترة الزمنية للقبض تبدأ من لحظة إلقاء القبض على المتهم وتقييد حريته في الحركة والتنقل ولا يجوز أن تزيد عن 24 ساعة يجب تسليمه قبل نهايتها إلى النيابة العامة، والتي عليها بدورها أن تستجوبه خلال 24 ساعة وإلا صار لازماً إطلاق سراحه.[59]
وللمحقق بعد استجواب المتهم ومناقشته ومواجهته بالاتهام أن يأمر بحبس المتهم احتياطياً أو بتقييد حريته في مغادرة منزله أو ارتياده أماكن محددة إذا كانت الواقعة محل التحقيق جناية أو جنحة معاقباً عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، وكانت الدلائل عليها كافية؛ وذلك إذا كانت الجريمة فى حالة تلبس ويجب تنفيذ الحكم فيها فور صدوره، أو في حال الخشية من هروب المتهم أو من الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجني عليه أو الشهود أو بالعبث فى الأدلة أو القرائن المادية أو بإجراء اتفاقات مع باقى الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها، أو بدعوى توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذى قد يترتب على جسامة الجريمة. كما يجوز حبس المتهم احتياطياً إذا لم يكن له محل إقامة ثابت معروف فى مصر وكانت الجريمة جناية أو جنحة معاقباً عليها بالحبس.[60]
ولا يجوز طبقاً للقانون أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي أو تدابير تقييد الحرية المشابهة التي في حكمه ستة أشهر في الجنح، وثمانية عشر شهراً في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام.[61] وينظم قانون الإجراءات الجنائية على نحو تفصيلي سلطة الجهات المختلفة التي يحق لها إصدار أوامر الحبس الاحتياطي، وكذلك توالي وتصاعد هذه المدد على حسب الجهة المصدرة لأمر الحبس الاحتياطي أو التدبير الذي في حكمه. كما ينظم القانون حق المتهم في استئناف قرار حبسه احتياطياً أو قرار مد حبسه، وحق النيابة في استئناف أوامر الإفراج.[62]
وكما ورد أعلاه، فإن قانون الطوارئ يجيز "القبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية".[63] ومن الواضح أن هذه السلطة تطيح بكافة الضمانات الإجرائية المعروضة أعلاه. ومن هنا فإن حرص الحكومة على ضمان أن يجيز الدستور للإجراءات الخاصة في قانون مكافحة الإرهاب التحلل من التزامات حماية الحرية الشخصية بموجب المادة 41 من الدستور يبعث على الاعتقاد وبقوة بأن الحكومة تنوي وتسعى لتعطيل نفس الضمانات الإجرائية بموجب القانون الجديد بشكل قد لا يقل سوءاً عن أحكام قانون الطوارئ إن لم يكن أسوأ.
تفتيش المساكن
"للإنسان حق في حرمة مسكنه بوصفه مجالاً من مجالات حياته الخاصة. فلا قيمة لحرمة الحياة الخاصة ما لم تمتد إلى مسكنه الذي يهدأ فيه لنفسه ويحيا فيه لشخصه ويودع فيه أسراره. فبدون حرمة المسكن تكون الحياة الخاصة مهددة غير آمنة."
أحمد فتحي سرور- رئيس مجلس الشعب[64]
يتضمن مقترح الحكومة بشأن المادة 179 النص على استثناء إجراءات مكافحة الإرهاب من أحكام المادة 44 من الدستور، والتي تنص على أن "للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب وفقاً لأحكام القانون".
وكما يظهر من النص فإن المادة 44 لم تورد أية استثناءات فيما يتصل بالتأكيد على ضرورة صدور أمر قضائي مسبب ممن له سلطة التحقيق في كافة حالات تفتيش المساكن. علاوةً على ذلك فإنه يجب لصدور ذلك الأمر توافر عناصر محددة بموجب القانون، وهي وقوع جناية أو جنحة أو الشروع في جنحة لو كان القانون يعاقب على الشروع؛ ووجود متهم معلوم ومحدد يقيم في المنزل المراد تفتيشه، وتوافر دلائل كافية لاتهامه، أو وجود شخص تتوافر قرائن تدل على أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة.[65] ومن هنا فإن الأمر بتفتيش مجموعة من المنازل غير محددة مسبقاً يعد باطلاً. ومن ثم يكون للمحقق صلاحية تفتيش المسكن و"ضبط الأوراق والأسلحة وكل ما يحتمل أنه استعمل في ارتكاب الجريمة أو نتج عنها أو وقعت عليه وكل ما يفيد في كشف الحقيقة."[66]
علاوةً على ذلك، فإن القانون لا يجيز للنيابة تفتيش منزل غير منزل المتهم إلا إذا اتضح من أمارات قوية أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة. ويشترط لاتخاذ هذا الإجراء الحصول مقدماً على أمر مسبب بذلك من القاضي الجزئي بعد إطلاعه على الأوراق.[67]ويتمتع رؤساء النيابة بنفس الصلاحيات الاستثنائية المشار إليها أعلاه أثناء التحقيق في الجنايات المضرة بأمن الحكومة من الداخل والخارج، والمفرقعات، واختلاس المال العام والعدوان عليه.[68]
وينص قانون الإجراءات الجنائية على أنه "إذا وجدت في منزل المتهم أوراق مختومة أو مغلقة بأي طريقة أخرى فلا يجوز لمأمور الضبط القضائي أن يفضها"، وعليه في هذه الحالة التحفظ عليها وتقديمها للمحقق الذي يحق له دون غيره الاطلاع عليها.[69]
وأخيراً فإن القانون يوجب حضور المتهم ذاته أثناء تفتيش المنزل طالما أمكن ذلك، وإلا كان لازماً حضور شاهدين بالغين من أقاربه أو جيرانه.[70] ويسمح القانون للمحققين استثناءاً بعدم إعمال هذا الشرط في حال التحقيق في الجنايات المنصوص عليها في الأبواب الخاصة بالجرائم المضرة بأمن الحكومة من الداخل والخارج، والمفرقعات من قانون العقوبات.[71] كما أن قانون الطوارئ يسمح بتفتيش الأماكن دون التقيد بأحكام القانون على النحو المذكور أعلاه. إلا أن من الواضح أن الحكومة ترغب من خلال مقترح المادة 179 من الدستور في المزيد من صلاحيات اقتحام المساكن وتفتيشها أو على الأقل في الإبقاء على نفس الصلاحيات، دون أن يرهق رجال الأمن أنفسهم باتباع أية إجراءات لتقييد تصرفاتهم.
"تعتبر الأحاديث الشخصية والمكالمات التليفونية أسلوباً من أساليب الحياة الخاصة للناس...وهذه الأحاديث والمكالمات مجال لتبادل الأسرار وبسط الأفكار الشخصية الصحيحة دون حرج أو خوف من تصنت الغير، وفي مأمن من فضول استراق السمع، ولا شك أن الإحساس بالأمن الشخصي في الأحاديث الشخصية والمكالمات التليفونية ضمان هام لممارسة الحياة الخاصة خلال هاتين الوسيلتين.. وتتعرض هذه الحرمة لخطر الانتهاك من سلطات الدولة التي تملك من الإمكانيات ومصادر القوة ما يمكنها من مراقبة هذه الأحاديث والمكالمات وتسجيلها. وكثيراً ما تستخدم وسائل الاعتداء على هذه الحرمة كوسيلة للضغط أو الابتزاز السياسي في بعض المجتمعات".
أحمد فتحي سرور- رئيس مجلس الشعب[72]
في حال إقرار المقترح الحكومي للمادة 179 من الدستور فإن الإجراءات الخاصة المتخذة لمكافحة الإرهاب لن تضطر إلى احترام أحكام الفقرة الثانية من المادة رقم 45 من الدستور والتي تنص على التالي:
"للمراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة ووفقا لأحكام القانون"
وصفت محكمة النقض المصرية مراقبة الاتصالات والمراسلات بأنه "عمل مرذول ويعتبر انتهاكاً لحرمة الحياة الخاصة وانتقاصاً من الأصل فى الحرية الشخصية التى سجلها الدستور في المادة 41 منه باعتبارها حقاً طبيعياً للإنسان".[73]
يشترط قانون الإجراءات الجنائية للقيام بمصادرة أو مراقبة أو الاطلاع على الاتصالات والمراسلات أو تسجيل أحاديث جرت في مكان خاص أن تقع جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، وأن تترجح نسبتها إلى متهم معين، وأن تتوافر دلائل جادة، وأن تكون لهذه الإجراءات فائدة في ظهور الحقيقة، وأن تستصدر النيابة إذناً من القاضي الجزئي على أن يكون ذلك الإذن مسبباً ولمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً قابلة للتجديد لمدة أو مدد أخرى مماثلة.[74]
وينطبق هنا نفس الاستثناء الوارد في حالات التفتيش أعلاه من حيث تمتع رؤساء النيابة بالحق في إصدار مثل هذا الإذن في حال التحقيق في إحدى الجنايات المنصوص عليها في الأبواب الخاصة بالجرائم المضرة بأمن الحكومة من الداخل والخارج، والمفرقعات، واختلاس المال العام والعدوان عليه في قانون العقوبات.[75]
وإلى جانب هذا الاستثناء فإن قانون الطوارئ يسمح للسلطة التنفيذية بـ"الأمر بمراقبة الرسائل أياً كان نوعها" دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية.[76] ومن المهم هنا الإشارة إلى أن مشروع الحكومة للمادة 179 من الدستور لن يكون المحاولة الأولى لنقل الصلاحيات الاستثنائية للأجهزة الأمنية بشأن التنصت وتسجيل الاتصالات من قانون الطوارئ الاستثنائي إلى قوانين البلاد الدائمة. ففي أواخر عام 2002 حاولت الحكومة تمرير مادة أثناء مناقشة مشروع قانون تنظيم الاتصالات بعنوان "الاتصالات والأمن القومي". وكان من شأن هذه المادة أن تجمد العمل بالحماية الدستورية والقانونية لسرية الاتصالات والمراسلات عبر السماح للقوات المسلحة وأجهزة الأمن القومي بالدخول على أي شبكة من شبكات الاتصالات "تحقيقاً لمتطلبات الأمن القومي".[77]