EIPR
- الحق في الخصوصية || الصحة وحقوق الإنسان || العنف والسلامة الجسدية English


    3-2. الحماية بموجب الاتفاقيات الدولية الملزمة للحكومة المصرية

    إلى جانب الحماية القانونية التي يقدمها الدستور والقانون المصري للحقوق الشخصية للمواطنين، فإن مصر بوصفها طرفاً موقعاً على عدد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية ملزمة أيضاً بالامتناع عن اتخاذ أي إجراءات - بما فيها الإجراءات التشريعية - من شأنها أن تخل بالالتزامات التي وقعت عليها في هذه المعاهدات التي أصبحت تملك قوة القوانين الداخلية بعد التصديق عليها.[1]وسيقتصر هذا الجزء على عرض الضمانات الواردة في اثنتين من هذه الاتفاقيات لارتباطها بشكل مباشر بالتعديلات المقترحة.    

    العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية

    يأتي على رأس المعاهدات ذات الصلة بحماية حقوق الإنسان التي تتناولها هذه الدراسة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والذي انضمت إليه الحكومة المصرية في عام 1982. وتكفل مواد العهد الحق في الحرية الشخصية والأمان الشخصي، بما في ذلك النص على شروط واضحة للحماية من الاحتجاز التعسفي.[2] حيث يلزم العهد الدول الأطراف بأن تنص قوانينها بوضوح على الأسس والإجراءات التي تسمح بتقييد الحرية. كما يوجب أن يتم إعلام أي شخص يلقى القبض عليه بأسباب ضبطه والقبض عليه وقت تنفيذ عملية القبض. كما يكفل العهد لكل محتجز الحق في الطعن على احتجازه أمام المحكمة، وكذلك الحق في التعويض عن الاحتجاز أو القبض عليه بشكل غير قانوني.[3] وفي التفسير الرسمي الذي أصدرته لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان لهذا الحق أكدت اللجنة – وهي المنوط بها قانوناً تفسير مواد العهد ومراقبة تطبيقه - على وجوب تطبيق نفس المعايير المذكورة في حالات اللجوء إلى ما يطلق عليه "الاحتجاز الوقائي لأسباب تتعلق بالأمن العام".[4]

    كما وضع فريق العمل بشأن الاحتجاز التعسفي، وهو هيئة من الخبراء التابعين لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، معايير لتحديد المعنى المقصود من عبارة "الاحتجاز التعسفي" والذي يعتبر انتهاكاً لكل من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ومن قبله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. حيث وضع الفريق ثلاثة شروط إذا تم استيفاء أحدها يعتبر حرمان الشخص من حريته تعسفيًا:

    ·        عندما يتعذر بوضوح الاحتجاج بأي أساس قانوني يبرر الحرمان من الحرية (مثال عندما يحتجز شخص ما بعد قضائه مدة حبسه أو على الرغم من انطباق قانون العفو عليه)؛

    ·        عندما يكون الحرمان من الحرية نابعًا من ممارسة عدد من الحقوق أو الحريات المضمونة بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية؛

    ·        في حالة المخالفة الخطيرة بشكل كلي أو جزئي للأعراف الدولية المتصلة بالحق في محاكمة عادلة، والمنصوص عليه صراحة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي الوثائق الدولية ذات الصلة.[5]

    كما يكفل العهد الدولي حماية الحق في الخصوصية عبر حماية الحق في الحماية من التدخل التعسفي أو غير القانوني في خصوصية الفرد، أو أسرته، أو منزله، أو مراسلاته، وعبر النص على وجوب النص في القانون على احترام وحماية هذه الحقوق.[6] ويتضمن تفسير لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان لهذا الحق إشارة شديدة الأهمية إلى الفرق بين التدخل في الحياة الخاصة للفرد بشكل "غير قانوني" والتدخل بشكل "تعسفي"

    "يقصد بمصطلح "غير قانوني" أنه لا يجوز التدخل إلا في الحالات التي ينص عليها القانون. أما مصطلح "التدخل التعسفي" فقد يمتد ليغطي أيضاً حالات التدخل المنصوص عليها في القانون. ويقصد من وراء طرح فكرة التعسفية ضمان أن حتى حالات التدخل التي ينص عليها القانون يجب أن تتم طبقًا للأحكام والأهداف والأغراض التي يرمي إليها العهد ويجب، في جميع الحالات، أن تكون معقولة ومرتبطة بظروف معينة."[7]

    وعلى هذا فإنه حتى إذا نص قانون مكافحة الإرهاب الجديد أو حتى المادة 179 من الدستور بالشكل الذي تقترحه الحكومة على انتهاك حق المواطنين في حرمة حياتهم الخاصة فإن ذلك سيكون مخالفة للالتزامات القانونية الدولية للحكومة المصرية.

    وفيما يتعلق بتفتيش الأشخاص والأماكن، أكدت اللجنة على أن العهد يلزم الحكومات بأن تضمن "أن يقتصر تفتيش منزل الشخص على البحث عن الأدلة اللازمة، وينبغي ألا يسمح بأن يصل إلى حد المضايقة. وفيما يتعلق بالتفتيش الشخصي والبدني، ينبغي أن تكون هناك تدابير فعالة تكفل إجراء هذا التفتيش بأسلوب يتفق مع كرامة الشخص الذي يجري تفتيشه. وفي حالة الأشخاص الذين يخضعون لتفتيش بدني يجريه مسؤولون حكوميون أو موظفون طبيون يقومون بذلك بناء على طلب الدولة، ينبغي ألا يجري الفحص إلا بواسطة أشخاص من نفس الجنس."[8]

    أما بشأن مراقبة وتسجيل المحادثات والاتصالات والمراسلات فقد أكدت اللجنة أنه في إطار تنفيذ مواد العهد "يقتضي التقيد بالمادة 17 ضمان سلامة وسرية المراسلات قانوناً وفي الواقع. وينبغي أن تسلم المراسلات إلى المرسل إليه دون مصادرتها أو فتحها أو قراءتها. وينبغي حظر الرقابة بالوسائل الإلكترونية أو بغيرها على السواء، وحظر اعتراض طريق الاتصالات الهاتفية والبرقية وغيرها من أشكال الاتصالات، والتنصت على المحادثات وتسجيلها."[9]

    ووضعت اللجنة معايير قانونية يجب أن تلتزم بها الحكومات عند تقييد الحق في الخصوصية أو التدخل في الحياة الخاصة للأفراد بشكل مشروع، ومنها مبدأ تناسب الإجراء المتخذ مع الغرض المرجو منه، ومبدأ الضرورة.[10] وفي حالة التنصت على المحادثات الهاتفية أقرت اللجنة "ضرورة أن ينص القانون بشكل تفصيلي على الحالات المحددة التي يسمح فيها بمثل هذا التدخل، وألا يتخذ قرار التدخل سوى السلطات المنصوص عليها في القانون، وأن يتخذ القرار بشأن كل حالة على حدة".[11]

    وأخيراً فإن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ينص أيضاً على الحق في محاكمة عادلة أمام "محكمة مختصة ومستقلة وحيادية"[12]. وتشير لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن الالتزام بهذه المادة يوجب على الدول أن تضمن عناصر الاستقلال والحيادية والتخصص، خاصة فيما يتصل بكيفية تعيين القضاة وباستقلال السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.[13] ومع إقرار اللجنة بأن محاكمة المتهمين أمام محاكم خاصة أو عسكرية لا يعد في حد ذاته انتهاكاً لمواد العهد، إلا أن اللجنة أكدت على ضرورة أن تطبق عناصر المحاكمة العادلة في العهد على كافة المحاكم دون تمييز وأن اللجوء إلى هذه المحاكم "يجب أن يكون في ظروف شديدة الاستثنائية، وفي ظل شروط تكفل بصدق الضمانات الكاملة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد [بشأن المحاكمة العادلة]".[14]     

    الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب

    إلى جانب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يضم الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والذي انضمت إليه مصر في عام 1984، بدوره عدداً من المواد ذات الصلة باحترام حقوق الإنسان التي تتناولها هذه الدراسة.

    ومن هذه الحقوق التي يكفلها الميثاق حق الإنسان في احترام حياته وسلامة شخصه البدنية والمعنوية.[15] كما تنص المادة السادسة من الميثاق على أن "لكل فرد الحق فى الحرية والأمن الشخصي ولا يجوز حرمان أى شخص من حريته إلا للدوافع وفى الحالات التي يحددها القانون سلفاً، ولا يجوز بصفة خاصة القبض على أي شخص أو احتجازه تعسفياً".[16]

    ومع أن المادة الخاصة بحماية الحق في المحاكمة العادلة في الميثاق الأفريقي تبدو أقل تفصيلاً من نظيرتها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، إلا أن اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، التابعة للاتحاد الأفريقي والمنشأة بموجب الميثاق من أجل تفسيره ومراقبة تطبيقه، أصدرت وثيقة رائدة في ضمانات المحاكمة العادلة وقامت باعتمادها قمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي - ومن بينهم مصر - في مابوتو بموزمبيق في شهر يوليو من عام 2003. وتنص الوثيقة المطولة التي تحمل عنوان "المبادئ والإرشادات بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا" على أن الحق في محاكمة عادلة يشمل الحق في الطعن على الأحكام الصادرة أمام هيئة قضائية أعلى.[17] كما نصت الوثيقة على ضرورة استقلال وحيادية المحاكم وضرورة فصلها عن السلطة التنفيذية وكفالة حق أي من الأطراف المتقاضية أمامها في الطعن في عدم انحيازها.[18]

    غير أن من أهم المبادئ المتضمنة في الوثيقة ما يتعلق منها بالمحاكمة أمام محاكم عسكرية أو خاصة. حيث نصت المبادئ على أن المحاكم العسكرية يجب اللجوء إليها فقط "للنظر في المخالفات ذات الطبيعة العسكرية البحتة والمرتكبة بواسطة أفراد عسكريين"، وأنها "لا يجب تحت أي ظرف مهما كان أن يكون لها اختصاص في محاكمة المدنيين".[19] وتضيف الوثيقة أن المحاكم الخاصة لا يجب أن يكون لها هي الأخرى أي اختصاص بالنظر في جرائم تخضع لاختصاص المحاكم العادية.[20]  


    [1] الدستورالمصري، المادة 151.
    [2] العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، http://www1.umn.edu/humanrts/arab/b003.html، المادة رقم  9.
    [3] المصدر السابق.
    [4] لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 8 (1982)، وثيقة الأمم المتحدة رقم HRI/GEN/1/Rev.1، الفقرة رقم http://www.unhchr.ch/tbs/doc.nsf/(Symbol)/f4253f9572cd4700c12563ed00483bec?Opendocument.
    [5] فريق العمل بشأن الاحتجاز التعسفي،  صحيفة الوقائع رقم 26، الجزء الرابع: المعايير التي تبناها فريق العمل لتحديد ما إذا كان الحرمان من الحرية تعسفيًا، http://www.ohchr.org/english/about/publications/docs/fs26.htm.
    [6] العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، مصدر سابق، المادة رقم 17.
    [7] اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، التعليق العام رقم 16 (1988)، وثيقة الأمم المتحدة رقم HRI/GEN/1/Rev.1، الفقرات رقم 2 و 3 و4، http://www.unhchr.ch/tbs/doc.nsf/(Symbol)/23378a8724595410c12563ed004aeecd?Opendocument.
    [8] المصدر السابق، الفقرة 8.
    [9] المصدر السابق.
    [10] انظر قرار لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في القضية رقم 903/1999 المقامة ضد هولندا، وثيقة الأمم المتحدة رقم CCPR/C/82/d/903/1999، الفقرة رقم 7-6.  
    [11] المصدر السابق، الفقرة رقم 7-7.
    [12] العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، مصدر سابق، المادة رقم 14.
    [13] اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، التعليق العام رقم 13 (1984)، وثيقة الأمم المتحدة رقم HRI/GEN/1/Rev.1، الفقرة رقم 3، http://www.unhchr.ch/tbs/doc.nsf/(Symbol)/bb722416a295f264c12563ed0049dfbd?Opendocument.
    [14] المصدر السابق.
    [15] الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، المادة رقم http://www1.umn.edu/humanrts/arab/a005.html.
    [16] المصدر السابق، المادة رقم 6.
    [17] اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، المبادئ والإرشادات بشأن الحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا، المبدأ A، http://www.achpr.org/english/_doc_target/documentation.html?../declarations/Guidelines_Trial_en.html.
    [18] المصدر السابق. 
    [19] المصدر السابق، المبدأ L.
    [20] المصدر السابق.


about us press report article Campaigns Forum news links contact
كل الحقوق محفوظة © المبادرة المصرية للحقوق الشخصية
بريد اليكتروني : eipr@eipr.org