2. لا يمكن النظر إلى أوضاع حقوق الإنسان في مصر بشكل منفصل عن حزمة القوانين والسياسات والممارسات. بل إن الملمح الأساسي لوضع حقوق الإنسان في مصر اليوم هو سيادة نمط متكامل من الاستثناء والانتهاكات في ظل مناخ من الحصانة تم إنشاؤه وتعميمه بشكل عمدي على مدار عدة عقود. وقد لعبت حالة الطوارئ المفروضة دون انقطاع منذ عام 1981 دوراً أساسياً في ترسيخ هذا النمط ونشر ذلك المناخ، على نحو جرى من خلاله تعميم الاستثناء، وإهدار حكم القانون، وتعطيل مختلف الضمانات الدستورية للحقوق والحريات العامة، وإهدار ضمانات سيادة القانون وخضوع الدولة لأحكامه، وتآكل مقومات الدولة القانونية، وتحطيم ثقة المواطنين في الدولة وشعورهم بقيمتهم الذاتية. ولا يخفف من وطأة هذا الاستنتاج ما عرفته السنوات الأخيرة خصيصاً من انخراط أقسام متزايدة من السكان في مقاومة هذه الانتهاكات والسياسات التي أفرزتها، ونجاح بعض منابر الإعلام المستقل والمجتمع المدني والحركات الاجتماعية الجديدة في انتزاع مساحات للحرية، رغماً عن السياسات والممارسات والبيئة التشريعية التي تحاصرهم.
3. وفي ظل شيوع سياسة الاستثناء هذه توسعت سلطات الأجهزة الأمنية حتى تحولت مصر إلى دولة بوليسية. فإلى جانب الانتهاكات المباشرة التي ترتكبها أجهزة الأمن ضد المواطنين والتي يفلت مرتكبوها في الأغلب الأعم من العقاب، أصبحت الأجهزة الأمنية تلعب دورا محوريا في كافة مناحي الحياة العامة، ولم يقتصر الامر على التدخل في شئون المؤسسات السياسية أو الأهلية أو التعليمية أو الدينية أو الإعلامية بل وامتد أيضا الى تعطيل تنفيذ أحكام القضاء في الكثير من الحالات.
4. استمرت مؤشرات العدالة الاجتماعية في الاختلال، وارتفعت نسبة الفقر بدلاً من أن تنخفض، واتسع نطاق التفاوت في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بين الريف والحضر، وبين الأغنياء والفقراء، حتى أصبحت انتهاكات أغلب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على نفس الدرجة من المنهجية والانتشار التي تتميز بها انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية في مصر.
5. وتلجأ الحكومة إلى عدة وسائل لصرف الانتباه عن سجلها الحقوقي المشين. وتضمنت تلك الوسائل: التذرع بالخطر الذي تشكله جماعات الإسلام السياسي، والتوظيف السياسي للدين أو لدعاوى ثقافية لإضفاء قدر من المشروعية على انتهاكات حقوق الإنسان، وإقامة هياكل ديكورية توحي باهتمام الدولة بحقوق الإنسان، وإدخال تعديلات على بعض القوانين لا تغير من جوهر البناء التشريعي الاستبدادي، وفي أحسن الأحوال اتخاذ بعض الخطوات الايجابية محدودة الأثر في مجالي حقوق النساء والأطفال، ومحاولة تسويقها لدى المجتمع الدولي على وجه الخصوص لتفادي المزيد من الانتقادات وصرف الأنظار عن حزمة واسعة من التدابير التشريعية والسياسات التي يتعين انتهاجها من أجل وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
6. لعبت الحكومة المصرية دوراً قيادياً واضحاً في إضعاف الآليات الدولية والإقليمية لحماية حقوق الإنسان. وداخل المجلس الأممي لحقوق الإنسان على وجه الخصوص سعت الحكومة المصرية مراراً إلى حماية الحكومات التي ترتكب انتهاكات حقوقية جسيمة، و تقيد حرية التعبير بزعم حماية الأديان من الازدراء وإضعاف استقلالية الخبراء المستقلين الذين يعينهم المجلس، وإسكات أصوات المنظمات غير الحكومية في الجلسات المخصصة للاستعراض الدوري الشامل لعدد من البلدان العربية.
7. إن الاستنتاجات السابقة، وما يتضمنه هذا التقرير من تقييم لمجمل وضعية حقوق الإنسان في مصر، تقود جميعاً الى التأكيد على أن هذا التردي المستمر في أوضاع حقوق الإنسان ليس نتاج الثقافة المجتمعية أو نقص الموارد المادية، أو الحاجة إلى التدريب و بناء القدرات، وهي الحجج التي تستخدمها الحكومة ومؤسساتها، وإنما هو نتاج للافتقار للإرادة السياسية اللازمة من جانب مؤسسات الدولة للتخلي عن سياسات معينة واحترام وتعزيز حقوق الإنسان.