تثير حزمة الخدمات الصحية التأمينية التي سيغطيها مشروع القانون الجديد العديد من التساؤلات، حيث يشير النص المنشور إلى أن هذه الخدمات ستتحدد وفقاً لما يصدر به قرار من رئيس مجلس الوزراء على أن تشمل مجموعة الخدمات التي تقدمها الهيئة العامة للتأمين الصحي حاليا وحتى صدور القانون، ويجوز عند الاقتضاء إعادة النظر في تلك الخدمات بإضافة خدمات جديدة.
والتفسير المباشر لهذا النص قد يبعث على التفاؤل، ولكنه في حقيقته يُخفي المقصود منه تماماً. فقد أشار النص إلى ما يقدمه التأمين الصحي حالياً وليس إلى ما تنص عليه قوانين التأمين الصحي الحالية (قانون 79 لسنة 1975 بشأن التأمين الاجتماعي والقرارات المنفذة له، وقانون 32 لسنة 1975، وقانون 99 لسنة 1992)، ما يجعل سلطة تحديد حزمة أو مجموعة الخدمات الصحية التأمينية المقدمة في يد السلطة التنفيذية تماما، ويسلب القانون أهم مكوناته المطروحة للمناقشة في المجلس التشريعي، حيث تُصادر السلطة التنفيذية سلطات تشريعية أصيلة، ذلك ما يعتبر تهديدا خطيرا لحقوق المشتركين في النظام التأميني في الموافقة على ما سوف يدفعون من أجله.
وفي السياق نفسه سوف تحدد السلطة التنفيذية (وزارات الصحة والمالية والتضامن) ما اصُطلح على تسميته بـ (حزمة الكوارث الصحية الشخصية) دون تحديد واضح لها في نص القانون. فالنص المنشور يكتفي بتعريفها على أنها أمراض طارئة وخطيرة وتهدد حياة الإنسان وتحتاج لموارد مالية ينتج عنها الاستنزاف الكامل لموارده أو يفوقها. والنص كما ورد يعكس عدم الدقة للتدليل على ما يقصد من ورائها: فهي طارئة وخطيرة وتهدد الحياة. وإذا افترضنا أن هذه الكوارث تقصد ـ على سبيل المثال ـ الفشل الكلوي، فهو مرض خطير ولكنه يحدث عقب سلسلة طويلة من المقدمات بما لا يمكن معه اعتباره مرضاً طارئاً. والأمر نفسه ينطبق على الفشل الكبدي، وهكذا.3 فهل سيغطي النظام التأميني الجديد هذه الأمراض؟ أم أنها ستعتبر من بين الكوارث الشخصية؟
كما يختلف تعريف القانون لهذه الكوارث الصحية الشخصية عما نصت عليه منظمة الصحة العالمية في هذا الشأن حيث تعرفها باعتبارها حالات ترتبط بقدرة الأسرة عن الدفع للرعاية الصحية. ويعتبر أي إنفاق صحي يزيد عن 40% من دخل الأسرة كارثيا، بغض النظر عن طبيعة المرض أو كونه مزمن.4
كما أن هذه الكوارث الشخصية التي لا نعلمها لن تُغطى ماليا بالكامل في كل الأحوال، ما يجعلنا نتساءل عن قائمة محددة أو حزمة خدمات يعتبرها القانون من الكوارث الصحية الشخصية وما سيتكلفه المواطن إزاء العلاج منها وما سيتحمله صندوق التأمين كنسبة ثابتة أو جزئية من العلاج. والأخطر من ذلك كله هو أن النص يضعها خارج سلطة التشريع، ويخضعها تماماً لتقدير الوزارات المذكورة.
والملاحظ أيضا أن مشروع القانون أغفل الحديث عن حالات العجز المرضي بنوعيه الجزئي والكلي، واللجان الطبية التي تحدد نسب هذا العجز بموجب قوانين التأمينات الاجتماعية، بما يثير الريبة والشك بخصوص نية الحكومة تجاه هذه الحقوق الثابتة.
---
3- أشار وزير الصحة في حديث منشور بالمصري اليوم إلي أن القسطرة القلبية بنوعيها العلاجية والاستكشافية تدخل ضمن الكوارث الصحية الشخصية. مجدي الجلاد وطارق أمين، "د. حاتم الجبلي في حوار شامل"، المصري اليوم، 25 أكتوبر 2009.
4- منظمة الصحة العالمي، تقرير الصحة العالمة: أنظمة صحية، 2000.