التعليق على مشروع القانون

إلى جانب المخاطر الكبرى التي يحتوي عليها المشروع المنشور فإنه يحتوي على بعض الجوانب الإيجابية التي لا يمكن إغفالها قياساً إلى المسودات السابقة التي بلغت (15) مسودة، وهي إيجابيات تعكس عدة عناصر لعل على رأسها الضغوط التي مارسها المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان على الجهات التنفيذية لضمان التزامها بألا يكون إصلاح التأمين الصحي على حساب قدرة المواطن المصري على تحمل تكلفته. ومن بين هذه الجوانب الايجابية الآتي:


1. لأول مرة ربط مشروع القانون الجديد بين نظام التأمين الصحي وبين نظم وقوانين التأمينات الاجتماعية القائمة (قانون 79 لسنة 1975 بشأن التأمين الاجتماعي والقرارات المنفذة له، وقانون 108 لسنة 1976 للتأمين على أصحاب الأعمال، وقانون 112 لسنة 1980 بشأن التأمين على الفئات غير المشمولة بقوانين المعاشات). ويعبر هذا الربط عن الاحترام الواجب لتراث عريق من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لفئات عديدة من الشعب تمت تغطيتها بهذه القوانين عبر سنوات طويلة تتجاوز النصف قرن.


2. تراجع نص القانون ـ ظاهريا على الأقل ـ عن الإشارة إلى فكرة إنشاء (الشركة القابضة للرعاية الصحية) بفضل الضغوط الهائلة التي مارستها منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني لرفض هذه الفكرة، والطعن القضائي الذي أقامته مجموعة من المنظمات ضد قرار رئيس الوزراء والذي انتهى إلى وقف إجراءات إنشاء الشركة القابضة بكل ما تمثله تلك الإجراءات من إضفاء للطابع الربحي على نظام التأمين الصحي الاجتماعي القائم.2


3. تناول القانون نسب الاشتراكات من المؤمن عليهم فعليا ومن الفئات الجديدة التي سوف يغطيها النظام الجديد بكثير من الواقعية والتوازن.


وعلى الرغم من الايجابيات السابقة إلا أنه مازالت هناك العديد من المخاطر القائمة في النص، والتي نسعى لتحديدها ومناقشتها على ثلاثة محاور: حزمة الخدمات الصحية التي يغطيها النظام التأميني، وآليات تمويل النظام الجديد، والجهة المسئولة عن تقديم الخدمات الصحية.

---

2- أصدرت محكمة القضاء الإداري يوم الخميس 4 سبتمبر 2008 حكماً بوقف تنفيذ قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 637 لسنة 2007 بإنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية ونقل كافة أصول مستشفيات وعيادات التأمين الصحي إلى الشركة القابضة والشركات التابعة لها. بموجب قرار إنشاء الشركة القابضة يتحول التأمين الصحي الاجتماعي إلى تأمين صحي تجارى، ويشكل ذلك ضرراً كبيراً سيقع على عاتق المنتفعين ولاسيما الفقراء منهم. فعلى العكس من نصوص القوانين السابقة التي حرصت على التعامل مع التأمين الصحي والرعاية الصحية للمنتفعين بالطابع الاجتماعي الذي يقدم الرعاية الصحية المتكاملة للمريض دون النظر لنسبة اشتراكه وذلك من خلال هياكل غير ربحية، يجعل القرار المطعون عليه الخدمة تقدم من خلال شركة ربحية لها وظائف استثمارية، ولها حق شراء أسهم وبيعها وإدارة محفظة مالية ، ولها إدارة الأصول والاستثمارات بما يعظم عوائد التشغيل ، وتستهدف الربح و تقديم خدمة معيارية بسعر مقبول. كل هذا يفيد إضافة هامش للربحية على سعر تكلفة الخدمة بشكل سيؤدي لا محالة إلى زيادة أسعارها، فالفرق بين الخدمة بسعر التكلفة والخدمة بسعر القطاع الربحي كبير. والفرق كبير جداً بين أسعار بعض الخدمات الصحية كما تقدم في مستشفيات التأمين وأسعار تقديمها في المستشفيات الخاصة.