الفصل الرابع: يوم الجنازة...الأقباط يستخدمون العنف

لعبت أحداث اليوم التالي للاعتداءات، الموافق 7 يناير، دوراً محورياً في تصعيد أجواء التوتر التي انفجرت في صورة أعمال العنف التي شهدتها نجع حمادي والقرى المحيطة بها على مدى اليومين التاليين بين المسلمين والأقباط وقوات الأمن.


ففي الصباح التالي لوقوع الهجمات على أقباط نجع حمادي، وهو عطلة رسمية لمناسبة عيد الميلاد، تجمع عدد كبير من أقباط المدينة والقرى المجاورة لها أمام مستشفى نجع حمادي العام، بعد أن علموا بوقوع هجمات الليلة السابقة وما أسفرت عنه من قتلى ومصابين. ومع مرور الوقت وصل عددهم إلى أكثر من ألفي شخص وفق تقديرات أغلب شهود العيان الذين التقتهم المبادرة  المصرية، فضلاً عن التقارير الصحفية. وبدأ غضب المتجمهرين يتصاعد لأسباب مختلفة وربما مجتمعة، منها حسب روايات الشهود: الشعور بالإهانة من رؤية جثث قتلاهم على أرضية المستشفى، والاعتراض في البداية على تشريح جثث القتلى، والتأخر في تسلم الجثث لحين وصول الطبيب الشرعي، والمعاملة التي وصفها الشهود وأقارب الضحايا بالسيئة أو المستفزة من طرف الإدارة والعاملين بالمستشفى العام ومسئولي الأمن، فضلاً عن مشاعر الغضب والصدمة والحزن المخيمة على الجميع بسبب أحداث الليلة الماضية.


ومع تزايد أعداد الأقباط المتجمعين خارج المستشفى وغضبهم، قرر مسئولو الأمن السعي لنقل الجثث في سيارات الشرطة إلى الكنيسة لإقامة الصلوات على الجثامين، دون السماح للأقارب بحمل نعوش ضحاياهم في مسيرة للكنيسة، وهو الاقتراح الذي زاد المتجمهرين غضباً ودفعهم إلى الاحتجاج واستهداف واجهة المستشفى وسيارات الإسعاف والشرطة والسيارات الخاصة الموجودة أمامها بالحجارة، مع ترديد شعارات دينية وهتافات تندد بمحافظ قنا وتتهمه بالتخاذل وتندد بجهاز مباحث أمن الدولة. ومع تزايد عدد الأقباط المحتجين لجأ الأمن لاستخدام القوة، وأطلق الجنود الغازات المسيلة للدموع ثم استخدم الرصاص المطاطي بشكل عشوائي مما أدى إلى إصابة سبعة أشخاص على الأقل طبقا لتقديرات الشهود، من بينهم شخص مهدد بفقد إحدى عينيه. 


وبعد مفاوضات مع الجهات الأمنية استطاع الأقباط المتجمهرون في النهاية حمل جثامين القتلى في مسيرة إلى الكنيسة، تخللتها مناوشات مع مسلمين قاموا بقذف المسيرة بالحجارة وأطلقت بعض النساء المسلمات الزغاريد من شرفات المنازل. ورد بعض الأقباط من مشيعي الجنازة بقذف المسلمين بالحجارة وإتلاف واجهات بعض المحال والسيارات في الطريق.  

 
أحد الشهود الأقباط على احتجاجات يوم الجنازة ـ من قرية بهجورة ـ روى لبعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية شهادته التفصيلية حول أحداث اليوم:


"فى صباح الخميس تجمع آلاف الأهالي من نجع حمادي وبهجورة أمام مستشفى نجع حمادي العام وهى تبعد 2 كم من قرية بهجورة. تعاملت إدارة المستشفى والأمن بطريقة استفزازية مع الأهالي الثائرين، وكانت الجثث على الأرض، وأدى ذلك  إلى انفجار بركان الغضب لديهم، خاصة أنهم كانوا يرفضون تشريح الجثث فى البداية لكن وافقوا بعد تأكيد الأطباء لهم على ضرورة ذلك لمتابعة التحقيقات والتوصل إلى الجناة. ردد الأهالي شعارات دينية مسيحية مثل (بالروح بالدم نفديك يا صليب) وشعارات أخرى سياسية منها (يسقط المحافظ، يسقط أمن الدولة)، إضافة إلى توجيه البعض لسباب إلى مسئولي الأمن. ثم تطورت الأحداث وقام شباب غاضب بتكسير واجهة المستشفى وسيارة إسعاف وسيارة تابعة للطب الشرعي وإسقاط سيارة للشرطة في ترعة مجاورة للمستشفى. وردت الشرطة بعنف حيث قامت بإلقاء قنابل مسيلة للدموع ورصاص مطاطي إضافة إلي ضرب الأهالى بالعصي، وهو ما أدي إلى إصابة ستة أحدهم إصابته خطيرة بالعين وآخر بالذراع.


حمل الأهالي الجثامين على الأعناق من المستشفى إلى كنيسة مار يوحنا مرددين شعارات دينية. وفى هذه الأثناء قام بعض الشباب بتكسير بعض أعمدة الكهرباء وكبائن التليفونات والأشجار. كما قام بعض الأهالي المسلمين الموجودين بالمنازل باطلاق الزغاريد من بلكونات المنازل ورمي المشيعين بالطوب والحجارة.


بعد انتهاء الصلاة على المتوفين داخل الكنيسة، نبه الأنبا كيرلس والأنبا بيمن على الأهالي بعدم التظاهر أو ترديد أي شعارات عدائية وعدم الاعتداء علي أى أحد أو شىء حفاظاً عليهم. وتوصل رجال الدين المسيحي وأجهزة الأمن إلى اتفاق نقلت بموجبه الجثامين في ثلاثة سيارات للدفن في مقبرة واحدة تابعة للمطرانية على أن  يصاحب الجثامين ذووهم من الدرجة الأولى فقط.


فى طريق العودة بعد أداء واجب العزاء قام شباب قرية بهجورة المسيحيين ـ في حدود 500 شخص ـ بتكسير الشجر فى شارع بورسعيد وسب المحافظ ومدير الأمن و[عضو مجلس الشعب] عبد الرحيم الغول. فقام أحد المواطنين المسلمين ـ صاحب معرض للسيارات بجوار مستشفى حميات نجع حمادي ـ  بإطلاق أعيرة نارية فى الهواء من بندقية آلية، فتفرق الشباب واستكملوا طريق العودة إلى بهجورة. لكن لحقت بهم سيارة محملة بالشباب المسلم الذين قاموا بإلقاء الطوب والزلط على المسيحيين." 27

والد القتيل أبانوب كمال ناشد روى لبعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ما يلي:


"سمعنا طلق نار الساعة 11.30 بالليل. اتصل واحد مسيحي يشقيق أبانوب وقال إنه تم إطلاق نار على شقيقه بجوار المطرانية. ذهب وجد أخاه غارقاً في دمائه أمام مقر المطرانية. اتصلنا بالنجدة والإسعاف، وذهبنا إلى المستشفى وكان توفاه الله. في الصباح وجدنا الجثث ملقاة على الأرض دون أي اهتمام. الناس رفضت التشريح في البداية ثم قبلت لكن كانت هناك استفزازات كثيرة لأسر الضحايا. بعدها تعرض المشيعين للجنازة لإلقاء الطوب وتم حجز الناس في الكنيسة ولم يسمح لهم بالذهاب لدفن الجثث."28


وبالمثل، قال كيرلس شقيق القتيل أيمن زكريا:


"وصل الطبيب الشرعي وطلب تشريح الجثث قبل التصريح بدفنها. وأصرت قوات الشرطة على نقل الجثامين في مدرعات، فتظاهرنا داخل المستشفى والمشرحة. بالمقابل كان الرد الأمني عنيف وفوجئنا بسيل من الرصاص المطاطي وقنابل الدخان وضربنا العساكر داخل المستشفى. وقام بعض الشباب بتكسير الواجهات الزجاجية في المستشفى احتجاجا على ما تعرضنا له من إذلال."29


شاهد آخر كان متواجداً عند إطلاق النار ثم ذهب إلى المستشفى أدلى بإفادة مشابهة:


"الناس ذهبت إلى المستشفى من الليل وتوافد المشاركون في الجنازة حتى وصلوا لعدة آلاف. الأهالي رفضوا تشريح الجثث فعمل الأمن على إخراجهم من المستشفى فرفضوا ورددوا هتافات معادية للأمن والحكومة وطالبوا باسقاط وزير الداخلية ومدير الأمن والمحافظ. قامت قوات الأمن بضرب الأهالي بالرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع مما أدى إلى اشتباك الأهالي معهم، وتم تكسير واجهة المستشفى وسيارة إسعاف وسيارة مملوكة للطب الشرعي وسيارة تابعة للشرطة. خرجت الجنازة من المستشفى سيراً على الأقدام إلى الكنيسة لمسافة 3 كيلو مترات ووصلتها في حدود الساعة الثانية عشر ظهرا. حدثت تجاوزات من الشباب المسيحي وقاموا بتكسير كبائن عامة ولمبات الكهرباء وواجهات بعض المحلات ولافتات نيون بشارع بورسعيد. وقاموا بترديد شعارات دينية منها "بالروح بالدم نفديك يا صليب" وشعارات أخرى مثل "يسقط المحافظ ويسقط مدير الأمن". عندها قام بعض المسلمين بقذف الجنازة بالطوب وإطلاق الزغاريد. أمر الأنبا كيرلس الشباب بالبقاء في الكنيسة وعدم الخروج وراء الجنازة التي اقتصرت على ذهاب الأهل من الدرجة الاولى فقط إلى المقبرة."30


التقت بعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعادل، الذي أصابته إحدى الرصاصات المطاطية التي أطلقتها قوات الأمن عشوائياً لتفريق المحتجين الأقباط أمام الكنيسة. وقال عادل:


"يوم الأربعاء لم أذهب للكنيسة، وكنت في الشارع عندما تلقيت تليفون من والدي بأن هناك إطلاق نار في شوارع نجع حمادي يستهدف المسيحيين. ذهبت في الصباح إلى المستشفى للمشاركة في تشييع الجنازة فوجدنا عدداً كبيراً من قوات الأمن أغلق الطريق فدخلنا من طريق فرعي ووجدنا الجثث ملقاة على الأرض منذ أن رفعتها سيارة الإسعاف من مكان إطلاق النار، مما يدل على أنهم لم يسعفوا أحداً. ثم بدأت المعاملة المستفزة من الأمن الذي كان يحاول التضييق على الناس. قام شباب مسيحي غاضب بتكسير واجهة المستشفى وسيارة إسعاف وأخرى للطب الشرعي وثالثة تخص الشرطة. الظهر بدأ الأمن في ضرب الناس وأطلق قنابل مسيلة للدموع ورصاص مطاطي كان يتم تصويبه على وجوه الشباب. أنا كنت منتظر عند باب المستشفى وتعرضت للإصابة بالرصاص المطاطي وبدأ وجهي ينزف دم من كل مكان ومش شايف وكنت محتاج أن ينقلني أحد للخارج أو يتم علاجي ولكن هذا لم يحدث. وانتظرت لمدة نصف ساعة إلى أن جاء احد أصدقائي وأخرجني من وسط الجموع. في الساعة الواحدة ظهرا ذهبت إلى مستشفى حورس بنجع حمادي حيث قاموا بتنظيف الدم وتركيب محلول جلوكوز وبقيت هناك أربع ساعات. ثم ذهبت يوم الجمعة لطبيب بقنا قال إن هناك تجمعات دموية إضافة لبقايا طلق داخل العين اليسري. وذهبت بعدها إلى مستشفى بالقاهرة حيث أجريت أشعة مقطعية وكتبوا لي على أدوية لتخفيف الالتهاب وطلبوا الانتظار لمدة 15 يوماً قبل إجراء أية عمليات بسبب الالتهاب الناتج عن الإصابة. لم أفكر في تحرير محضر في الشرطة بخصوص الإصابة."31  


أما الناشطة القبطية والمدونة هالة المصري، فقد سجلت في مدونتها أحداث يوم الجنازة التي كانت شاهدة عليها على النحو التالي:


"كانت هناك نية لتشتيت الكتل البشرية التى تجمعت لتشييع الشهداء. واتجهت النية لتأخير الدفن أو وضع جثث الشهداء فى عربات إسعاف والدفن بطريقة هادئة .. إلا أن كل الحشود أصرت على أخذ جثامين الشهداء بالقوة وحملها على الأعناق وقد تم لهم ما أرادوا. ورددوا هتافات على رأسها (بالروح بالدم نفديك يا صليب)، وسار الشباب والأهل الغاضبين فى موكب اهتزت له الارض بأسرها حاملة وجيعتهم إلى الله الذى سمع صراخ دم هابيل الصاعد من الارض .. دخلنا جميعاً للكنيسة لنصلي على شهدائنا ولفتني أنني رأيت مدير الأمن يصعد إلى جوار الاسقف أثناء الصلاة على الشهداء وعلى مايبدو أنه قال له أمراً ما .. ثم بعدها أتت الاخبار أنه لا أحد يخرج من الكنيسة لأن الشوارع ليست آمنة .. فقد هاج المسلمين الغاضبين (ولا أعرف غاضبين من إيه) من ابناء منطقة الساحل وهى بعينها المنطقة التي منها خرج النائب الغول وذراعة اليمين الكموني .. وأكمل الأسقف الأنبا كيرلس الصلوات ومعه الأنبا بيمن أسقف نقادة والعديد جداً من القساوسة الذين بكوا جميعا على أولادهم الشهداء .. ثم لم يخرج من الكنيسة أحد .. وأتى مدير الأمن وقيادات أمنية كثيرة جدا لتشرح خطورة الامر إذا ما غامرنا بحمل شهدائنا للدفن فى مقابر المطرانية على الأعناق مخترقين الطرقات مرة اخرى .. بل وإذا ماغادرنا الكنيسة فى تلك اللحظات .. ودقت كل الهواتف لتحمل أنباء الهجوم على بهجورة."32 

---

27- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

28- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع كمال ناشد، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

29- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع كيرلس زكريا، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

30- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

31- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع عادل، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

32- هالة المصري، أيادي الإجرام الخفية في مجزرة الميلاد.