في ضوء التهديدات وأجواء الحذر التي خيمت على نجع حمادي والقرى المجاورة لها، والتي تعرض لها الفصل السابق بالتفصيل، التزم كهنة كنائس نجع حمادي وتوابعها بتغيير موعد إنهاء قداس ليلة عيد الميلاد، لينتهي بعد العاشرة مساء بقليل وليس في منتصف الليل كما هو المعتاد. غير أن مغادرة أغلب الأسر لكنائس المدينة عقب انتهاء القداس، لم يمنع الجناة من تنفيذ هجومهم على من تبقى من تجمعات للشباب القبطي بجوار الكنائس.
ووفقاً للمعلومات الرسمية وإفادات شهود العيان، فقد ارتكب الجريمة ثلاثة أفراد، قالت وزارة الداخلية في بيان رسمي لها إنهم سلموا أنفسهم للشرطة في 8 يناير بعد محاصرة منطقة اختبائهم، والمتهمون هم محمد أحمد محمد حسين (وشهرته حمام الكموني)، الذي تولى قيادة السيارة وإطلاق النيران على تجمعات الأقباط، بينما اقتصر دور المتهمين الآخرين ـ قرشي أبو الحجاج محمد علي وهنداوي محمد سيد حسن ـ على مساعدته في تنفيذ الجريمة. حيث انطلقت السيارة التى يركبها الجناة في شارع بورسعيد من ناحية كورنيش النيل، ثم أطلق المتهم الأول النيران على تجمع من الشباب على مقربة من مقر مطرانية الأقباط، وبعدها واصل القيادة وأطلق النار على تجمع آخر عند تقاطع شارع بورسعيد مع شارع 30 مارس والذي تقع في بدايته كنيسة السيدة العذراء، وبعدها توجهت السيارة إلى طريق مصر- أسوان الزراعي المتاخم للمدينة، حيث أوقف المتهمون سيارة أجرة على مقربة من دير الأنبا بضابا وتم إنزال السائق المسلم ثم أطلقت النيران على ركابها.
وأسفر الهجوم عن مقتل سبعة أشخاص من بينهم مساعد شرطة مسلم كان قد أنهى خدمته في ذلك اليوم ويدعى أيمن صادق هاشم (28 عاماً)، فضلاً عن ستة من الأقباط تتراوح أعمارهم بين 17 و29 عام وهم: رفيق رفعت وليم، وأبانوب كمال ناشد، وأيمن زكريا لوقا، وبولا عاطف يسى، وبشوي فريد لبيب، ومينا حلمي سعيد. كما نتج عن الهجوم إصابة تسعة من الأقباط هم: إبرام نبيل يوسف، وكيرلس وجيه مصري، ووجدي شنودة فتحي، ورامي رسمي عجيب، وأبانوب نشأت سريد، وجوزيف صموئيل باشا، وإسحاق عادل تادرس، ومايكل صلاح راسم، وشنودة منير شهدي.
شنودة منير شهدي (20 عاماً) أصيب برصاصتين في الكتف والذراع، تحدث إلى باحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من داخل مستشفى سوهاج عبر الهاتف:
"يوم العيد كنت واقف أمام شركة لوكاس وكان أمامي الشهيدين بولا وأبانوب، على بعد 10 أو 15 متر من المطرانية، وفجأة سمعت صوت الرصاص، بالكاد التفت فأصبت برصاصة في كتفي الأيمن خرجت من جسدي، وأصبت برصاصة أخرى اخترقت الجانب الأيمن من الذراع وخرجت أيضا بسبب قرب المسافة بيني وبين مصدر الطلقات الذي لم أتمكن من رؤيته. ولم يكن هناك أي تواجد أمني والحادث جرى في دقائق. وحتى الإسعاف لم تصل فحملني الأصدقاء إلى مستشفى نجع حمادي وهناك فوجئت بممرضة توقع الكشف عليّ بدلاً من الطبيب، لدرجة أنها أمرتني بالاستلقاء لتخييط الجروح لكني رفضت وطلبت طبيباً فلم أجد أحداً .. حتى نقلت إلى مستشفى سوهاج العام في سيارة إسعاف وقالت لي الممرضة "دي إمكانياتنا". وفي مستشفى سوهاج بدأ علاجي لكنني حتى الآن لا استطيع تحريك يدي اليمنى، والطبيب لم يخبرني بعد بموعد الخروج لكنه شدد على ضرورة مواصلة العلاج الطبيعي في البيت لفترة حتى أتمكن من استخدام يدي بصورة طبيعية بعدها. وأنا الآن أدفع نفقات الدواء والمسلتزمات التي يتطلبها علاجي من جيبي رغم وجودي في مستشفى عام."18
وذكرت والدة المصاب كيرلس وجيه مصري (16 عاماًً)، والطالب في المرحلة الثانوية، كيف أصيب ولدها بالرصاص أثناء وقوفه مع بعض الأصدقاء أمام مطرانية نجع حمادي عقب انتهاء مراسم العيد:
"عرفت من الأهالي أن ولدي أصيب بأعيرة نارية، وكانت هناك حالة من الهرج والفزع. أصدقاء كيرلس نقلوه لمستشفى نجع حمادي العام ومن هناك تم تحويله في سيارة إسعاف إلى مستشفى سوهاج العام. أصيب كيرلس برصاصة واحدة اخترقت الذراع الأيمن وخرجت من الجهة المقابلة بسبب قرب مصدر الرصاص. أما الذراع الأيسر فقد تسببت الرصاصتان في تهتك شديد بالجلد وكسور بعظام الذراع وإصابات مختلفة في الأعصاب . والأطباء قالوا إن علاج كيرلس سوف يستمر لفترة طويلة في المستشفى وأعطوني تقريرا طبيا لكي أسلمه للمدرسة .. ووجدت في التقرير كلاماً أثار قلقي خاصة أنني لم أكن أعلم بموضوع الإصابة في أعصاب الذراع الأيسر .. والمفترض أن يبدأ الأطباء علاج جلد الذراع أولا ثم تجبير العظام وبعدها قياس استجابة الأعصاب لمعرفة حجم الضرر بدقة أكبر .. وربنا يستر."19
ويعاني مصاب آخر هو أبانوب نشأت سريد من إصابة بالغة:
"كنت أمام المطرانية أستعد للذهاب إلى المنزل لحضور أول إفطار بعد الساعة الثانية عشرة، وفجأة سمعت صوت ضرب نار وأصبت برصاصة اخترقت ظهري ووصلت إلى الحجاب الحاجز واخترقته، فسقطت على وجهي ونقلتني سيارة إسعاف إلى مستشفى نجع حمادي العام أولاً ومنها إلى مستشفى سوهاج لسوء حالتي ووجود احتمالية لتضرر الطحال من الرصاصة، حيث أن النزيف لم يتوقف حتى وصلت مستشفى سوهاج. وهناك أجريت عملية جراحية عاجلة لإخراج الرصاصة من تجويف البطن. لكن الأطباء لم يحددوا مدة العلاج اللازمة داخل المستشفى."20
والتقت بعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعدد من أهالي الضحايا الذين قتلوا في الأحداث. وكان من بين هؤلاء سامح صلاح، الذي فقد صديقه وزوج شقيقته رفيق رفعت في الجريمة التي تركت آثاراً واضحة عليه. كان سامح في طريقه إلى كنيسة مار يوحنا في ليلة عيد الميلاد بصحبة رفيق. قبل باب الكنيسة افترقا لدقائق معدودة، حيث ذهب سامح ليحيي أصدقاءه بينما أصيب رفيق بست رصاصات أودت بحياته. لا يستخدم سامح إلا لفظ (الشهداء) في الإشارة إلى ضحايا جريمة ليلة الميلاد، مثل غيره من أقباط نجع حمادي:
"كلنا بنحسد الشهداء. خلصوا من الذل اللي احنا عايشينه، وكل نقطة دم نزلت ربنا عارف قدرها، والدم ده مارحش هدر. واللي ماتوا ربنا هو اللي اختارهم لانهم أولاده واحتضنهم قبل ما الرصاص يحضنهم .. الرب ريحهم من عيشة الذل اللي احنا عايشينها هنا .. خلص من البهدلة واستريح ... الرصاص اختار أحسن واحد فينا .. لأ مش الرصاص دا الرب نفسه اللي اختار رفيق .. حب يريحه من القرف اللي بنشوفه واحتضنه."21
أما كيرلس زكريا، الذي فقد شقيقه أيمن واثنين من أصدقائه ليلة عيد الميلاد، فيقول:
"يوم الحادثة أنا كنت في بهجورة، وعرفت أن سيدنا [الأنبا كيرلس] حذر من احتمال وقوع "شيء سيء" للأقباط أثناء العيد، وأنه أبلغ أجهزة الأمن التي طالبته بدورها بتوخي الحذر وإنهاء الطقوس سريعا. وانطلقت من بهجورة والتقيت شقيقي أيمن وذهبنا إلى الكنيسة في شارع 30 مارس، فدخل أيمن الكنيسة وأنا بقيت مع أصحابي بولا عاطف وأبانوب كمال أمام شركة لوكاس بالشارع العام. وبينما نتحدث فوجئت بحمام الكموني يقود سيارة ويقترب ناحيتنا وفجأة اطلق الكموني النار من سلاح آلي غريب الشكل باتجاهنا، فأصيب أبانوب وبولا واحتميت انا خلف إحدى السيارات المتوقفة. الكموني كان يقود السيارة منفردا بيد ويمسك السلاح باليد الأخرى. كان مش خايف من حاجة وبيتحرك براحته وبيضرب الرصاص على أي حد جنب أو قدام الكنيسة. بعد دقائق جاء روماني ميلاد صديق أخي ليخبرني أن أيمن أصيب في إطلاق نار أمام الكنيسة على بعد نحو 50 مترا من مكاني، فذهبت إلى هناك لأجد أخي فاقدا الوعي، وأخبرني الأصدقاء أنه أصيب في ذراعه فقط وفقد الوعي من الصدمة والنزيف، ولم أكن أعرف أن الرصاصة نفذت من ذراعه إلى صدره، فحملناه على موتوسيكل وانطلقنا إلى المستشفى وهناك شاهدت باقي الضحايا ينزفون حتى الموت، حيث لا توجد إمكانيات إطلاقا. ففي الاستقبال والطوارئ كان هناك ثمانية أطباء يتناوبون على سماعة طبية واحدة، ولم نجد جهاز صدمات كهربية لإنقاذ بعض الشهداء من الموت فضلاً عن عدم توافر أكياس الدم في المستشفى. وبعد قليل عرفت أن أخي قد مات، وقالوا لنا أن ننتظر الطبيب الشرعي الذي وصل إلى المستشفى قادماً من قنا في العاشرة والنصف من صباح اليوم التالي للحادث أي بعد أكثر من 13 ساعة رغم أن الطريق من قنا إلى نجع حمادي لا يتجاوز 45 دقيقة بالسيارة."22
وجاءت رواية شاهد آخر متطابقة:
"يوم الأربعاء كانت الأمور هادئة وعادية لكن لم تكن القوة الأمنية كافية في ليلة يفترض أنها عيد وفي ظل جو مشحون منذ أحداث فرشوط. حيث تواجد أربعة أو خمسة عساكر فقط وهو عدد غير كاف ويقل عن الأعداد التى كانت متواجدة فى الأعوام السابقة. لاحظ المصلون أن أغلبية القيادات التنفيذية والمسئولين غائبين عن الصلاة على غير العادة، حيث لم تحضر القيادات الأمنية والتنفيذية مراسم الصلاة واقتصر وجود بعض النواب على السلام على الأسقف فى دقائق ثم مغادرة الكنيسة. وانتهى القداس في كنيسة مار يوحنا الحبيب التي يصلي بها الأنبا كيرلس في تمام العاشرة والنصف، وفي وقت ما بين 11.15 و 11.30 مساء سمعنا ضرب نار فطلعنا على الشارع وجدنا على بعد 50 متر بيشوي فرحات ومعه اثنان من أصحابه في الأرض بجوار مقر المطرانية، ثم وجدنا قتيلاً آخر أمام محل الأحمدي بشارع 30 مارس. لم يكن هناك أمن فى الشارع وجاءت الاسعاف بعد حوالي ربع ساعة ثم جاءت مدرعة وقفت بالشارع."23
وتلقى باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية نفس الإفادة بشأن الوجود الأمني الضعيف من شاهد آخر شارك في قداس مار يوحنا:
"الأمن ليلة العيد كان أقل من الطبيعي. كانت قوات الآمن يتكثف وجودها أثناء قداس العيد وأول يوم لحماية المسيحيين، خاصة أن بعض الشباب ينتظر خارج الكنائس للتحرش بالخارجين من الصلاة أو معاكسة البنات. وسمعنا أن هناك حالة من الخوف لدى الأنبا كيرلس وأنه نبه على الآباء الكهنة بخروج الكنيسة في ساعة مبكرة لا تجاوز العاشرة مساء بخلاف الأعياد السابقة. لم تكن هناك سيارت أمنية بجوار الكنائس واقتصر الأمر على وجود عدد من أفراد الحراسة العادية."24
كان من الملفت في جميع شهادات شهود العيان الذين تواجدوا في مناطق إطلاق النار ليلة العيد كيف تكررت في إفاداتهم الإشارة إلى الوجود الأمني الهزيل أمام الكنائس في ليلة العيد، وفي منطقة تغلي على نيران توترات طائفية وتتواتر فيها التهديدات بالاعتداء على الأقباط. غير أن مساعد وزير الداخلية للأمن العام اللواء عدلي فايد رفض التسليم بوجود أي تقاعس أمني في تأمين الكنائس، خلال لقائه بوفد برلماني في نجع حمادي يوم 14 يناير 2010، مؤكداً "أنه جرى تأمين دور العبادة أثناء احتفال الأقباط بعيد الميلاد ليس في نجع حمادي وحدها بل في كل محافظات الجمهورية ومدنها، وهو النظام المتبع في تعزيز خدمات الحراسة على جميع دور العبادة أثناء الاحتفالات الإسلامية والقبطية."25 ودلل مساعد الوزير على شدة الحراسة الأمنية على الكنائس بالتذكير بأن الحادث وقع في الشارع وبعيداً عن دور العبادة.
غير أن جميع شهادات شهود العيان، والمعاينة التي أجراها باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لأماكن إطلاق النار تشير بوضوح إلى أن إطلاق النار في مواضعه الثلاثة تم على مقربة أمتار من كنيستين ودير قبطي. كما أن الوجود الأمني أمام هذه الكنائس في ليلة عيد الميلاد لم يعكس أبداً ذلك "التعزيز" الذي أشار إليه مساعد الوزير. وقد ذكرت باكينام عامر، الصحفية في الطبعة الإنجليزية لصحيفة (المصري اليوم)، والتي تواجدت في كنيسة مار يوحنا بنجع حمادي أثناء إقامة قداس عيد الميلاد أن الكنيسة لم يكن أمامها سوى سيارتان للشرطة، تحمل كل منهما خمسة أفراد، وأن السيارتين غادرتا الموقع بعد ساعة واحدة من بدء القداس في السادسة مساء. وأضاف تقرير الصحفية أن الكنيسة لم يكن بجوارها إلا رائد شرطة وثلاث عساكر وقت حدوث الهجمات.26
لذلك فإن الإجابة عن سؤال (هل كان من الممكن منع اعتداءات نجع حمادي؟) سترتبط بالطبع بالإجابة عن سؤال الفصل السابق: (هل كان من الممكن ـ أو من الواجب ـ التنبؤ باعتداءات نجع حمادي؟). وسيبقى السؤالان دون إجابة شافية حتى يتم فتح تحقيق مستقل وشامل في الظروف المؤدية إلى جريمة ليلة عيد الميلاد.
---
18- مقابلة هاتفية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شنودة منير شهدي، 17 يناير 2010.
19- مقابلة هاتفية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع والدة كيرلس وجيه، 17 يناير 2010.
20- مقابلة هاتفية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع أبانوب نشأت، 17 يناير 2010.
21- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع سامح صلاح، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.
22- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع كيرلس زكريا، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.
23- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.
24- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 12 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.
25- أمير الصراف وأشرف شنتير، "عدلي فايد في لقائه بأعضاء لجنتي الأمن القومي وحقوق الإنسان بنجع حمادي"، جريدة الوفد، 16 يناير 2010.
26- Pakinam Amer, “Bloody Xmas: The aftermath,” Al-Masry Al-Youm, 8 January 2010.