الفصل الثاني: الإشارات المبكرة..هل كان يمكن توقع اعتداءات نجع حمادي؟

في يوم 14 يناير 2010، وصل إلى نجع حمادي وفد من أعضاء مجلس الشعب لزيارة المدينة بعد الاعتداء على أقباطها وأداء واجب العزاء في ضحايا الاعتداءات. وقد عقد الوفد اجتماعاً مع اللواء عدلي فايد، مساعد وزير الداخلية للأمن العام وعدد من القيادات الأمنية وممثلي الإعلام في نادي شرطة نجع حمادي، أكد فيه مساعد الوزير أن الأجهزة الأمنية "لم تكن لديها معلومات عن وقوع حادث نجع حمادي، وأنها كانت كفيلة بمنعه من الأساس في حال توافر معلومات."9


إن المعلومات والشهادات والأدلة المتوافرة لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تدفعنا لاستنتاج أن هذا التصريح يخالف الحقيقة، وأن أجهزة الأمن المحلية بل والمركزية كان أمامها دلائل متواترة ومتطابقة تشير إلى أن المنطقة قد تشهد أحداث عنف في ليلة عيد الميلاد، وبالتالي فإن هذه الأجهزة فشلت في التنبؤ بوقوع جرائم سواء كانت تعلم أو كان ينبغي أن تعلم بأن وقوعها مرجح في ذات الوقت والمكان اللذين وقعت فيهما تلك الجرائم.


بعثة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التقت كاهناً قبطياً بمطرانية نجع حمادي ـ طلب عدم ذكر اسمه ـ أفاد بالتالي:


" الأنبا كيرلس عقد ‏اجتماعاً‏ ‏مع‏ ‏كهنة‏ ‏الإيبراشية‏ ‏يوم‏ 4 ‏يناير‏ 2010 ‏وطلب‏ ‏منهم‏ ‏أن‏ ‏يتم‏ ‏    إنهاء‏ ‏صلاة‏ ‏قداس‏ ‏العيد‏ ‏مبكرا‏ًًًً ‏لأنه يشعر بالقلق والخوف من حدوث اشتباكات أو    مشاحنات عقب خروج الكنيسة."10   

 
وقد ورد ذكر هذا الاجتماع الذي عقده الأنبا بالتحديد في عدد من الشهادات الأخرى التي جمعها باحثو المبادرة المصرية من مصادر مختلفة في كل من مدينة نجع حمادي، وبهجورة، وفرشوط، وغيرها من الكنائس التابعة للمطرانية. كما ذكر مواطن مسيحي آخر من قرية بهجورة لباحثي المبادرة المصرية أنه تلقى نفس التنبيهات من أحد الكهنة:


"الأنبا كيرلس أعطى تعليمات إلى الكهنة بإنهاء الصلوات مبكراً، وهم بدورهم نقلوا هذه التعليمات إلى شعب الكنيسة. وحتى في ليلة رأس السنة على سبيل المثال خرجت الكنيسة الساعة 10.30 مساء رغم أنها في المعتاد تنتهي من الصلوات بعد منتصف الليل. في ليلة العيد الكنيسة أيضاً خرجت بدري على أن يكون إفطار العيد بعد الساعة الثانية عشر كما هو مقرر طقسياً."11  

 

وهي نفس المعلومات التي أكدها شاهد آخر في إفادته لبعثة المبادرة المصرية:


"وصلت البلد قبل العيد بيومين وسمعت الشائعات، وعرفت أن بعض الأهالي قرروا الاحتفال بالعيد عند أقاربهم في قنا وسوهاج بعيداً عن المشاكل، لكن الغالبية ذهبت كالمعتاد إلى كنيسة مار يوحنا بمدينة نجع حمادي حيث يترأس الصلاة الأنبا كيرلس، ويأتي إليها كبار المسئولين المسلمين للتهنئة بالعيد. وفي الكنيسة كانت الشائعات أكثر، لكن الذي أكد لي أنها مجرد شائعات أنه رغم وقوع حادث فرشوط، ورغم انتشار شائعة أن "النصارى ستأتيهم هدية في عيد الميلاد" والتحذيرات الأمنية فإن الحياة كانت طبيعية جداً في نجع حمادي ولم يظهر أي عسكري أمام المطرانية أو الكنائس الموجودة في المدينة مما جعلني أعتقد أنها مجرد شائعات."12


ومنذ وقوع الاعتداءات مساء الأربعاء 6 يناير وحتى مساء يوم السبت 9 يناير، أجرى الأنبا كيرلس عشرات المقابلات مع وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، أكد فيها أنه تلقى تهديدات قبل العيد بأن أحداث عنف ستقع وأنها ستستهدفه شخصياً أو الأقباط بشكل عام. وقد حضر نادر شكري، الصحفي بجريدة (وطني)، لقاءً صحفياً عقده الأسقف في مقر المطرانية مع عدد من الصحفيين الذين وصلوا إلى نجع حمادي صباح يوم الجمعة 8 يناير لتغطية ردود الأفعال على الاغتيالات وأحداث العنف التالية لها. وقال نادر في إفادته للمبادرة المصرية:


"..وصلت نجع حمادي مساء الخميس. وفي صباح الجمعة بدأت وفود الصحفيين في الوصول وتحدث إليهم الأنبا كيرلس وأكد أنه كان يتوقع الأحداث، وأن الأمن قصر في توفير الحماية للكنيسة، ورفض ربط الاعتداءات بأحداث فرشوط لأن الصعايدة من عادتهم أخذ الثأر بأنفسهم وليس استئجار آخرين كما أن الكموني [المشتبه فيه وقتها] ليس متديناَ."13 


 ولعل أهم الشهادات على الإطلاق حول الأجواء التي سادت قبل وقوع الاعتداءات، وحول حقيقة كونها فاجأت أجهزة الأمن، هي شهادة باكينام عامر، الصحفية بجريدة (المصري اليوم – الطبعة الإنجليزية)، والتي وصلت إلى مدينة نجع حمادي قبل يوم من وقوع الاعتداءات، وحضرت قداس الميلاد في كنيسة مار يوحنا التي وقع إطلاق النار على مقربة منها. وقد قالت باكينام في مقابلة مع باحثي المبادرة المصرية:


"كانت نيتي أن أذهب إلى فرشوط لحضور القداس هناك والكتابة عن أجواء التوتر والخوف التي يعيش فيها الأقباط هناك بسبب أحداث العنف [في نوفمبر 2009]. ولكني عندما ذهبت لفرشوط قال لي القس أليشع، كاهن كنيسة الملاك بفرشوط، أن الأنبا كيرلس تلقى تهديدات عن أحداث عنف ليلة عيد الميلاد، وأنه إن كان سيحدث شيء فسيحدث في نجع حمادي وليس فرشوط. عندما ذهبت إلى نجع حمادي يوم 6 يناير التقيت بالأنبا كيرلس قبل القداس وأخبرني بأنه سيقدم موعد القداس لإنهائه مبكراً خوفاً من وقوع اعتداءات."14  


وقبل ساعات من وقوع الاعتداءات، أرسلت باكينام عامر من نجع حمادي إلى مكتب صحيفتها بالقاهرة موضوعاً بعنوان "ظلال العنف والتهجير تخيم على الأعياد المسيحية في صعيد مصر"، سجلت فيه مشاعر القلق والترقب التي عاشها سكان مدينة فرشوط قبل يوم من وقوع الاعتداءات في مدينة نجع حمادي المجاورة لها. وحسب تقرير باكينام فإن سيدة واحدة كانت تصلي بكنيسة فرشوط بخلاف الكاهن، وحين سألت الصحفية عن سر خلو أكبر كنيسة في فرشوط من المصلين رغم أن تعداد الأقباط في القرية يصل إلى 15 ألف نسمة، أجابها أحد سكان المدينة بأن

"المسيحيين خائفون بسبب الكلام عن [وقوع] عنف ضدهم..وأن هناك شائعات بأن المسيحيين تلقوا تهديدات من مسلمين متشددين."15   وفي نفس التقرير قال القس أليشع للصحفية "إن المسيحيين يشعرون بعدم الأمان في كل مكان الآن، ويتوقعون العنف في أي لحظة." وفي إضافة ذات دلالة حول متابعة أجهزة الأمن للتطورات، قال القس إن أجهزة الأمن تحدثت معه بشأن شائعات انتشرت بعد الاعتداءات على أملاك الأقباط بفرشوط حول كون المسيحيين يخططون لهجمات انتقامية، بما في ذلك حرق مسجد، ولكن القس نفاها.


وفي التقرير التالي لباكينام عامر ذكرت الصحفية أن بعض الأقباط الذين تحدثت إليهم في صباح يوم الأربعاء في مدينة نجع حمادي قالوا لها إنهم لن يذهبوا إلى القداس في الكنيسة "لأنهم يخشون على حياتهم"، وأضافت امرأة من فرشوط إنها ستكتفي بمشاهدة موعظة البابا شنودة على التلفزيون.16  كما ورد في التقرير أن الأنبا كيرلس قال للصحفية قبل القداس إنه قلق بشأن وقوع عنف في ليلة عيد الميلاد.


ولم يستطع باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن يتأكدوا مما إذا كان الأسقف قد أبلغ الأمن بشكل رسمي بالتهديدات التي تلقاها هو وغيره من أقباط نجع حمادي قبل وقوع الاعتداءات أم لا، خاصة وأن الأسقف تراجع منذ مساء السبت الموافق 9 يناير عن الكثير من تصريحاته التي كان قد أطلقها للإعلام، بشأن توقعه للحادث والتقصير الأمني بشأنه. وعندما سألته بعثة المبادرة المصرية عن هذه المسألة أثناء زيارة لمقر المطرانية رفض الإدلاء بتفاصيل واكتفى بالقول:


"أنا من واجبي تهدئة الأوضاع لتجنب حدوث خسائر أخرى لأن عندي شهداء ومصابين ومقبوض عليهم، وكلهم يأتون إلى الكنيسة ويطالبوني بالتدخل. اللي إيده في الميه مش زى اللي إيده في النار. نحن نطالب بالعدالة والقصاص من الجناة وأن يأخذوا العقوبة الرادعة لمنع تكرار مثل هذه الإحداث."17 


غير أن المؤكد هو أن الظروف التي أحاطت بمنطقة نجع حمادي وفرشوط في الأيام والأسابيع السابقة على وقوع جرائم ليلة عيد الميلاد كانت على درجة من الوضوح والتواتر كفيلة بلفت انتباه أجهزة الأمن على أقل تقدير. وهو ما يجعل التحقيق في عدم قدرة أجهزة الأمن على توقع تلك الجرائم والاستعداد لها واجباً ضرورياً.

---

9- حماده عاشور، "مساعد وزير الداخلية ينفي علم الأمن المسبق بوقوع مذبحة نجع حمادي..والغول يتهم الإعلام بتضخيم الحادث"، صحيفة الدستور، 16 يناير 2010.

10 -مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع كاهن بمطرانية نجع حمادي، طلب عدم ذكر اسمه، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

11- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.

12- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع شاهد عيان، طلب عدم ذكر اسمه، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا. 13- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع نادر شكري، 11 يناير 2010، القاهرة.

13- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع نادر شكري، 11 يناير 2010، القاهرة.

14- مقابلة تليفونية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع باكينام عامر، 19 يناير 2010. 

15- Pakinam Amer, “Shadow of violence, displacement looms over Christian holidays in Upper Egypt,” Al-Masry Al-Youm, 7 January, 2010.

16-  Pakinam Amer, “Copts in wrath following Egypt’s bloodiest Christmas,” Al-Masry Al-Youm, 7 January, 2010.

17- مقابلة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع الأنبا كيرلس، أسقف نجع حمادي وتوابعها، 13 يناير 2010، نجع حمادي، قنا.