مرت عملية صياغة تشريع حول زرع ونقل الأعضاء بمراحل عديدة، خاصة بعدما أصبح معروفاً ومؤكداً أن ثمة تجارة للأعضاء البشرية تمارس على نطاق واسع وبشكل غير شرعي في الكلى وغيرها من الأعضاء داخل مصر.
الخلافات الواسعة في مصر حول مشروع القانون الخاص بتنظيم نقل وزراعة الأعضاء بدأت في مجلس الشعب منذ أواخر القرن الماضي، لا سيما فيما يتعلق بنقل الأعضاء من الموتى إلى الأحياء وما تبعه من جدل أوسع حول تعريف الوفاة وتحديد معايير تشخيصها. وقد مرت رحلة صياغة تشريع حول نقل و زرع الأعضاء بمراحل عديدة كان لكل منها ظروفها وأوضاعها الخاصة، والآن أصبح إنهاء الجدل والوصول إلى نص قانوني محكم لتنظيم عملية نقل و زرع المواد البشرية أمراً حتمياً.
وفي آخر محاولة لتبني مشروع قانون ينظم عمليات النقل والتبرع بالأعضاء، تقدمت وزارة الصحة بمسودة لمشروع القانون إلى مجلس الوزراء في شهر مارس 2009 ليتبناه مجلس الشعب في دورته التي تنتهي في شهر يونيو 2009. واستبق تقديم المسودة جدل آخر عن تعريف الموت على خلفية المؤتمر الثالث عشر لمجمع البحوث الإسلامية والذي عقد من 10 – 11 مارس 2009. وقد أكد الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر أثناء المؤتمر موقفه المؤيد لعمليات التبرع من الحي ومن الميت ولكن بشرط أن يكون ذلك دون مقابل مادي، وترك تحديد الموت للأطباء المختصين، قائلا إن "الذي يعطل مشروع القانون حتى الآن هو اختلاف الأطباء على تعريف الموت."36 وقد شهد الاجتماع اعتراض الدكتور يوسف القرضاوي الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين على رفض البعض الاعتراف بموت المخ، قائلا: "الموت الحقيقي كما أجمع أطباء العالم هو موت الدماغ وليس هنالك ما يشير شرعا ولا علما لكونه موت القلب."37 وهو الرأي الذي أيده الدكتور عصام العريان أثناء ورشة عمل نظمها مركز التعليم المدني بالتعاون مع حزب الإصلاح والتنمية (تحت التأسيس) في نفس اليوم، والذي حضره كممثل عن نقابة الأطباء.38
وبرغم من أن لجنتي الصحة في مجلسي الشعب والشورى بدأتا بالفعل مناقشة مسودة القانون قبل انتهاء الدورة البرلمانية الماضية، إلا أنهم لم يستكملوا المناقشات وتم إرجاء مشروع القانون إلى الدورة البرلمانية الجارية. وقد أعلن الرئيس حسني مبارك في خطابه في افتتاح الدورة البرلمانية في نوفمبر 2009 أن قانون زرع ونقل الأعضاء من ضمن أولويات الأجندة التشريعية. وفي شهر نوفمبر 2009 شكلت لجنة مشتركة من لجنتي الصحة والتشريعية بمجلس الشعب لمناقشة مشروع القانون وقد اتسمت هذه المناقشات – على غير العادة – بالتوافق الشديد من حيث أهمية إصدار هذا القانون، والرغبة في التغلب على الخلافات السابقة التي كانت تعرقل صدوره. ووافقت اللجنة المشتركة في جلسة انعقدت يوم 5 ديسمبر 2009 برئاسة الدكتور فتحي سرور – رئيس مجلس الشعب – وحضور الدكتور حاتم الجبلي – وزير الصحة - على مشروع القانون بصورة نهائية.39
ويعد المشروع الذي تقدمت به وزارة الصحة في عام 2009 خطوة هامه في مسار السعي للحصول على إطار تشريعي حيوي يلبي هذه الأهداف ويمنع الاتجار في الأعضاء والأنسجة البشرية وينظم عمليات النقل والزرع، ويحمي من انتهاك حقوق الإنسان خاصة الحق في الحياة والحق في الرعاية الصحية.
والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية من جانبها تدعم إقرار مثل هذا التشريع الذي يتسق في مجمله مع مبادئ حقوق الإنسان وكرامته، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بعدد من الخطوات الأساسية لتفعيله.
ويتكون النص المقترح من 22 مادة - حسب المسودة التي تبنتها اللجنة المشتركة بمجلس الشعب - تشكل بنية للإطار التشريعي يحيط بجملة المبادئ العامة الإرشادية التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية في هذا المجال وغيرها من الوثائق الرئيسية وفقاً للمعايير الدولية المعترف بها.
ويضع النص شروطاً لنقل الأعضاء من الأحياء كاملي الأهلية برضاهم التام المكتوب حصريأَ والذي يمكن الرجوع فيه قبل العملية مباشرة. وتعد تلك المادة نموذجاً للاتساق التام مع المبادئ الإرشادية الدولية التي رصدناه أعلاه، والتي تعتبر الرضاء التام من كامل الأهلية من الشروط الضرورية لنقل الأعضاء من حي إلى حي. ويوصى النص بأن يكون المتوفي قد أكد بشكل واضح في الوصية على رغبته في التبرع بأعضائه.
وحسم النص الخلاف على تعريف الموت، وتقرر أن تحديد الموت يترك إلى لجنة ثلاثية من أطباء متخصصين وحسب المعايير التي تنص عليها اللائحة التنفيذية للقانون وهي مادة تتسم بالحكمة للخروج من المأزق المزمن حول تعريف الموت ومن التجارب السابقة حول ذات القضية.
كما حدد النص العقوبات التي ستصبح سارية وموضع تنفيذ لكل مخالفة لهذا القانون، ويتسم بالجدية وتقنين العقاب لردع المخالفين فيما يخص الاتجار في الأعضاء البشرية على وجه التحديد.
كما يتعرض النص إلى حزمة من الالتزامات والشروط الحيوية لتنظيم عمليات النقل والزرع ومنع الاتجار. فعلى سبيل المثال، قواعد الترخيص للمراكز المنوط بها النقل والزرع، وأسس رعاية مرضى الفشل العضوي بما يتضمن عمل تقييم نفسي واجتماعي لهم قبل وضعهم على قائمة انتظار زراعة الأعضاء وضمان متابعة المرضى الذين خضعوا لنقل الأعضاء ومتابعة علاجهم. وضمان العدل وعدم التفرقة في توزيع الأعضاء بعد الحصول عليها من المتبرع المتوفى حديثاً وتوافق معايير اختيار المتبرع الحي مع المبادئ العامة للأخلاق المهنية الطبية وأن يتم توثيق إقرار المتبرع بالعلم بكل تفاصيل عملية التبرع أثناء وبعد الجراحة - ما يشكل في مجمله حزمة من الضمانات والالتزامات المتسقة مع المعايير الدولية.
---
36- علاء مصطفى، "الإمام الأكبر: تعطل التشريع مسئولية الأطباء"، جريدة الأهرام، ص 19، 11 مارس 2009.
37- علاء مصطفى، "الإمام الأكبر: تعطل التشريع مسئولية الأطباء."
38- تامر أبو عرب، "أطباء ورجال دين: قانون نقل الأعضاء تأخر كثيرا"، جريدة الدستور، ص 4 ، 11 مارس 2009.
39- نور علي، "الشعب يوافق على قانون نقل وزراعة الأعضاء"، موقع اليوم السابع الإلكتروني، 5 ديسمبر 2009. وأيضا: عماد فؤاد ومحمد عبد القادر، "لجنة الصحة بمجلس الشعب توافق نهائيا على قانون زرع الأعضاء"، جريدة المصري اليوم، ص 1، 6 ديسمبر 2009.