في ظل غياب تشريع وطني يجرم الاتجار في الأعضاء ويبيح وينظم نقل الأعضاء تبرعاً من الموتى، يبقى الاعتماد الكلي في مصر على التبرع من الأحياء ودون رقابة صارمة. وهذا الوضع يؤدي بشكل عام إلى محدودية العمليات لقلة توافر الأعضاء بالإضافة إلى أن هذا الوضع يرفع عن الدولة التزامها بتوفير مثل هذه العمليات على نطاق واسع، وتدبير الموارد المالية الأساسية لدعم هذه العمليات، وذلك تحت تغطية مظلة تأمينية شاملة. لذلك تبقى مشكلة عدد كبير من المحتاجين لهذه العمليات دون حل، وفي الوقت نفسه يبدو المجال مفتوحا أمام تجارة الأعضاء دون نصوص قانونية رادعة.
وعلى سبيل المثال، فقانون نقل وزراعة الأعضاء سيحدث تأثيراّ إيجابيا كبيرا في حياة مرضى الكبد في مصر، لتفردها بمعدل عالي لانتشار فيروس الالتهاب الكبدي "سي" في العالم. وتشير أحدث الدراسات التي يجرى فيها لأول مرة مسح وطني شامل للمواطنين ما بين سن 15 إلى 59 أن نسبة الإصابة في مصر بفيروس سي هي 9.8 %.18 وتترابط الإصابة المزمنة بالفيروسات الكبدية بشكل قوي مع ازدياد الفرصة للإصابة بمضاعفات جسيمة على رأسها التشمع الكبدي الذي يؤدى إلى الفشل الكبدي وسرطان الكبد، ولا علاج – حتى الآن– لمثل هذه الحالات إلا بزرع كبد سليم أو جزء منه، بالطبع لمن تصلح حالته لإجراء عملية الزراعة.19
ومنذ عام 2002 وحتى عام 2007 تشير التقارير الرسمية إلى أن نحو 430 عملية زرع كبد قد تمت في مصر.20 و في 20 مارس 2007 أعلن د. حاتم الجبلي وزير الصحة والسكان عن نجاح أول عملية زرع فص كبد من متبرع حي في مستشفى حكومي هي مستشفى الساحل التعليمي بشبرا، تحسنت بعدها حالة المريض وعاد لممارسة حياته مجدداً.21
وبينما تتكلف عملية نقل جزء من الكبد ما يقرب من 600 ألف جنيه في المستشفيات الخاصة، فإن مثل هذه التكلفة التي لا يستطيع غالبية المرضى المصريين تحملها، تنخفض إلى ما دون النصف في مستشفى الساحل الحكومية، حيث تتكلف العملية حوالي 250 ألف جنيه فقط. وعن مصادر التمويل بالنسبة لغير القادرين فتتراوح نسبة الدعم المقدم لهم ما بين 50.000 إلى 200.000 جنيه تأتى من وزارة الصحة مباشرة أو من خلال برنامج "مصر بخير" الذي يستهدف غير القادرين بالتعاون بين الوزارة ودار الإفتاء لدعم المرضى الأكثر احتياجاً من أموال الزكاة. كما أن مستشفى الساحل التعليمي لديها تمويلها الخاص لاستكمال نفقات مثل هذه العمليات.22
ويبقى الاعتماد على التبرع بالأساس لتمويل هذه العمليات في مستشفى الساحل، ولذلك يظل محدودا لدرجة كبيرة. 23 وهذا الأمر يحتاج لبرامج قومية وإرادة سياسية تتمثل في إصدار مشروع القانون وضمان التمويل المناسب للتأكد من إستمراريته.
وتجدر الإشارة أيضا إلى العواقب الصحية التي تنتج عن زرع عضو في جسد المريض الذي سيحتاج إلى الاستمرار على العلاج لمدى الحياة – يكون بالطبع من الصعب على الفقراء تحمل نفقات هذا العلاج.24 فتكاليف زرع الأعضاء لا تقتصر على مصاريف العملية فقط، هنالك أيضا تكاليف العلاج والمتابعة بعد إجراء العملية وخصوصا الأدوية التي يجب على المريض استخدامها لمدة طويلة، وقد تتكلف تقريبا 2000 جنيه في الشهر الواحد.25 وقد تحدث مضاعفات للمتبرع ولذلك فبعض الدول تستبعد إجراء هذه العمليات من متبرع حي وتعتمد على متبرعين من المتوفين.26 ولا توجد أعداد دقيقة عن نسبة نجاح عمليات الزرع التي أقامتها مستشفى الساحل، برغم وجود شائعات عن موت عدد منهم ( 7 من 19 مريض).27
ومن ناحية أخرى، تظل مصر من الدول التي تتفشى فيها تجارة وسياحة الأعضاء، ودون أرقام ومعلومات واضحة عن مدى انتشارها، وأعداد المنتفعين بها وكيفية القضاء عليها، وهذا كله باعتراف من المسئولين في وزارة الصحة بوجود هذه التجارة والمافيا، بالمشاركة من أعضاء من طواقم الأطباء ومؤسسات علاجية.28 ويقدر الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء ورئيس لجنة الشؤون الصحية والبيئية بمجلس الشعب أن ثلث عمليات نقل الكبد تجري في مصر بطرق غير شرعية. 29 وقد كثفت وزارة الصحة عمليات التفتيش على المنشآت التي تقوم بعمليات زرع الأعضاء في الأشهر الأخيرة، وذلك بعد حملة إعلامية كثيفة كشفت عن تفشي الظاهرة، وعن أن مصر من الدول التي تنتشر فيها تجارة الأعضاء، حسب تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية.30 وقد أشار هذا التقرير أن 78 % من الذين أجريت عليهم هذه العمليات من المتبرعين قد عانوا من تدهور في حالتهم الصحية، كنتيجة لعدة عوامل تشمل عدم الكشف الطبي الشامل على المتبرعين قبل إجراء هذه العمليات للتأكد من سلامتهم الصحية واستعدادهم لهذه العملية.31 ويضيف تقرير آخر صادر عن منظمة دولية تعمل في مجال رصد ومتابعة عمليات الاتجار في الأعضاء – Coalition for Organ Failures Solutions (التحالف من أجل إيجاد حلول لفشل الأعضاء البشرية)، أن الذين يقبلون على هذه العمليات يدفعهم إلى ذلك الفقر، ولكن للأسف فإن 78 % من هؤلاء ينفقون الأموال الذين يتلقونها في مقابل هذه العمليات في أول خمسة أشهر بعد إجراء العملية، لتسديد ديونهم وليس لتحسين حالتهم الصحية.32 وأخيرا، يشير التقرير أيضا إلى أن 94 % من هؤلاء نادمون على إجراء هذه العمليات.33
الأطر القانونية التي تنظم التبرع في ظل غياب التشريع الوطني
في ظل الغياب التشريعي غير المبرر، فإن الإطار الوحيد المنظم لزراعة الأعضاء في مصر كان لائحة آداب المهنة 34 حتى العام الماضي. وتخلو اللائحة من عقوبات رادعة لمن يخالف حتى آداب ممارسة المهنة دون التطرق – بالطبع – للمسائلة الجنائية والحق المدني نظراً لطبيعتها بالأساس التي لا تعدو عن كونها مجموعة أخلاقيات لما ينبغي أن تكون عليه عمليات نقل وزرع الأعضاء من وجهة نظر النقابة.
وتنص لائحة آداب المهنة على أن تحاط نقابة الأطباء علماً بأي عملية نقل أعضاء معترفة بهدف إجراء تحريات لضمان نزاهة عملية التبرع والزرع، طبقاً لأخلاقيات المهنة المنصوص عليها في لوائح النقابة. كما لا يمكن أن تتم عملية النقل إلا بعد أن تصدر لجنة خاصة قرارها بالموافقة على إجراء العملية حيث تنص المواد 49، 50، 51، من لائحة آداب المهنة الصادرة بقرار وزير الصحة رقم 238 لسنة 2003 بتاريخ 05/09/2003 على الآتي :-
مادة (49)
تخضع عمليات نقل الأعضاء والأنسجة البشرية للمعايير الأخلاقية والضوابط المنصوص عليها في التشريعات واللوائح المنظمة لذلك.
مادة (50)
على الطبيب قبل إجراء عمليات نقل الأعضاء وفقاً للتشريعات المنظمة لذلك أن يبصر المتبرع بالعواقب الطبية والأخطار التي قد يتعرض لها نتيجة لعملية النقل وأخذ الإقرارات اللازمة التي تفيد علمه بكافة العواقب في هذا الشأن قبل إجراء العملية.
مادة (51)
يحظر الإتجار في الأعضاء والأنسجة والخلايا البشرية والجينات البشرية ولا يجوز بأي حال من الأحوال للطبيب المشاركة في هذه العمليات وإلا تعرض للمساءلة التأديبية.
وكما يتضح من المواد السابقة فإن عبارة "التشريعات المنظمة" قد وردت في مادتين من مواد اللائحة دون وجود فعلي لمثل هذه التشريعات حيث لا يوجد إلى الآن قانون مصري واحد ينص على عقوبة الاتجار بالأعضاء، ويبيح أو ينظم التبرع من الموتى.
وحتى إصدار القانون، أعلن وزير الصحة عن قرار بعدم إجراء عمليات زرع الأعضاء إلا بقرار من الوزير ونقابة الأطباء. ولغرض تنظيم هذه العمليات، أنشأ القرار الوزاري رقم 70 لسنة 2009، والذي صدر في 22 فبراير، سجل خاص بعمليات زرع الأعضاء بالإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص. ويشترط القرار أيضا على المنشآت الطبية التي ستقوم بمثل هذه العمليات تقديم عدة مستندات خاصة بالمريض والمتبرع وأيضا اشتراطات عامة تشمل إقرار يمضى من قبل المتبرع بالموافقة على التبرع، على أن يقوم المتبرع بالتوقيع على الإقرار أمام لجنة مختصة تنشئ بموجب القرار ذاته للموافقة على العمليات. وتضم اللجنة عدد غير محدد من ذوي الخبرة في المجال الفني والقانوني. وبموجب القرار أيضا، تغلق أية منشأة غلقاّ إداريا لمدة عام إذا قامت بمخالفة أحكامه، ويوقف الفريق الطبي الذي أجرى العملية لنفس المدة عن مزاولة المهنة، ويتم أيضا "إبلاغ جميع المستشفيات الخاصة والعامة بعدم التعامل معه خلال هذه الفترة، بالإضافة إلى الإعلان في الصحف بعدم التعامل مع أي من أعضاء هذا الفريق، وفي حالة تكرار المخالفة سواء من المنشأة أو الفريق الطبي يلغى ترخيص المنشأة وترخيص مزاولة المهنة للفريق الطبي المشارك في الجراحة."35
وهناك أهداف محددة من وجود تشريع ينظم عمليات زرع الأعضاء وتجريم الاتجار فيها، وهذه الأهداف هي: أولاً الحد من انتشار ظاهرة الاتجار في الأعضاء البشرية والقضاء على بذورها التي وجدت في مصر أرضاً خصبة لازدهارها، بسبب انتشار الفقر والبطالة والفساد والأمية وغياب التشريع. ثانياً، وضع الإطار الذي يضمن شفافية ونزاهة عملية الحصول على الأعضاء ممن قرروا - في حياتهم أو بعد موتهمً - اقتسام المشاركة في هبة الحياة والصحة. وأخيرا، إصلاح وتكامل النظام الصحي المصري بما يكفل للإنسان حقوقه الأساسية في الحياة والرعاية الصحية المتعلقة بزرع ونقل الأعضاء وبما يضمن إتاحة وجودة وعدالة الخدمة الصحية وتوزيعها دون تمييز، بما لا يخل بقدرة المواطن على الحصول على هذه الخدمة.
---
18- El Zanaty and Associates "Egypt Health and Demographic Survey (EDHS) 2008" Ministry of Health and Population
19- أحمد شاهين. "زراعة الأعضاء بين الطب و القانون و الدين". القاهرة: مؤسسة أخبار اليوم، سبتمبر 2007، صفحات: 37-38 ، 60.
20- فاروق عبد المجيد،"عملية زرع 'كبد' جديدة بمستشفى الساحل خلال أيام"، جريدة الأهرام، ص 8، 11 إبريل 2007.
21- Egypt State Information Service "Minister of Health: Liver Transplant Operations to be Performed at Sahel Hospital" 23 April 20007: (http://www.sis.gov.eg/En/EgyptOnline/Miscellaneous/000002/02070000000000...)
22- "Life is not a Luxury" Egypt Today February 2008 Volume # 29 Issue 02
23- فاروق عبد المجيد، "مركز جديد لجراحة الكبد بمستشفى الساحل"، جريدة الأهرام، 24 يونيو 2008، ص 9.
24- هبة فرفلي، "مرضى زراعة الكبد في خطر"، جريدة روز اليوسف، 17 أغسطس 2008، ص 2.
25- أمل إبراهيم، "زراعة الكبد وحصاد (الهشيم)"، جريدة الأهرام، 15 نوفمبر 2007، ص27.
26- أمل إبراهيم، "زراعة الكبد وحصاد (الهشيم)".
27- محمد حمدي، "إجابات من مستشفى الساحل"، جريدة روز اليوسف، 20 يونيو 2008، ، ص 9.
28- انظر على سبيل المثال: حفني وافي،"سعد المغربي وكيل وزارة الصحة: هنالك مافيا منظمة لتجارة الأعضاء البشرية في مصر" جريدة البديل، 24 أغسطس 2008، ص 13.
29- موقع منظمة
Coalition for Organ-Failure Solutions (COFS): http://www.cofs.org/Where_Egypt.htm
30- Yosuke Shimazono "The State of the International Organ Trade: A Provisional Picture Based on Integration of Available Information" Bulletin of the World Health Organization Volume 85 Number 12 December 2007 pp 901-980 Available at: http://www.who.int/bulletin/volumes/85/12/06-039370/en
31- D. A. Budiani-Saberi and F.L. Delmonico "Organ Trafficking and Transplant Tourism:
A Commentary on the Global Realities" American Journal of Transplantation 2008 pp925 929
32- Yosuke Shimazono 2007 "The State of the International Organ Trade"
33- D. A. Budiani-Saberi and F.L. Delmonico 2008 "Organ Trafficking and Transplant Tourism
34- لائحة أدأب المهنة متاحة على موقع النقابة العامة لأطباء مصر على الرابط التالي: http://www.ems.org.eg/2_4/2_4_4/2_4_4.htm .
35- قرار وزير الصحة رقم 70 لسنة 2009، الوقائع المصرية – العدد 56 في 8 مارس سنة 2009.