ثالثا- نقل وزرع الأعضاء والأنسجة وأنظمة الحصول عليها

اقتصرت عمليات نقل الأعضاء في بداية الأمر على القلب والكبد والكلي، إلا إنه مع تقدم الطب والجراحة أتيحت الفرصة لاحقاً لنقل مزيد من الأعضاء الحيوية الأخرى كالبنكرياس والرئة، هذا بالإضافة لزراعة العديد من الأنسجة الحيوية الأخرى كقرنية العين وصمامات القلب والجلد والعظام والتي تقدر بنحو 3 إلى 5 ملايين عملية سنويا على مستوى العالم.13

وتحتل زراعة الكلى مكانة خاصة بين زراعة الأعضاء بشكل عام. فبالرغم من أن أمراض الكلى يمكن علاجها عن طريق علاجات تعويضية أخرى كالغسيل الكلوي مثلاً، فإن هناك اتفاقا على تقبل زراعة الكلية كأفضل علاج للفشل الكلوي سواء من حيث معدلات البقاء على قيد الحياة وتحسين نوعية الحياة أو من حيث فعالية التكلفة. ويتساوى في ذلك البلدان ذات الدخل المرتفع والمنخفض على حدٍ سواء، وتعد عملية زرع الكلى هي أكثر عمليات زراعة الأعضاء انتشارا في العالم (50.000 عملية من مجموع 70.000 عملية زراعة أعضاء تجرى سنوياً).14

ويتطلب نقل الأعضاء المتبرع بها من المتوفين تركيباً مؤسسياً محكماً، أولا لتحديد أولئك الذين تتوافر لديهم النية في التبرع والحصول على موافقتهم أو موافقة ذويهم، ثم الحصول على العضو المتبرع به وأخيرا توصيله سليما صالحا للزرع إلى الفريق القائم بعملية الزرع.
وبالرغم من الاعتماد بشكل رئيسي عالميا على أعضاء المتوفين إلا أن اللجوء للحصول عليها من المتبرعيين الأحياء أصبح أمرا حتميا في محاولة لإنقاذ آلاف المنتظرين على القوائم. لذا نجد أن التبرع من الأحياء قد يمارس ولكنه يحتاج لشروط خاصة يجب وضعها في الاعتبار بما لا يضر بصحة المتبرع وفي حدود الضرورة القصوى لذلك.15

والمشكلة التي تواجه العالم الآن هي أن زراعة الأعضاء في حاجة دائمة ومتزايدة لمصدر مغذي للأعضاء البديلة، وحتى وقتنا الحاضر وإلى أن يتوصل العلم لسبل التغلب على العقبات التي تواجه زرع الأعضاء من مصادر أخرى غير الإنسان، فإن البشر– خاصةً الموتى منهم– سيظلون المصدر الوحيد للأعضاء القابلة للزرع. و لذلك كانت حساسية وصعوبة مهمة طب نقل وزرع الأعضاء كما يراها ويواجهها العاملون به. فهو التخصص الوحيد منذ نشأة الطب الذي يكون فيه موت أحد المرضى شرطاً مسبقاً لإنقاذ حياة مريض آخر. ومن هنا جاءت مشكلة ربط تعريف الموت بزراعة الأعضاء.

كيفية تحديد الوفاة

إن الحد من ظاهرة الاتجار في الأعضاء مرتبط إلى حد كبير بتشجيع التبرع بالأعضاء من الموتى إلى الأحياء وتشجيع ثقافة المشاركة في هبة الحياة من الموتى إلى الأحياء. ومن أبرز المعوقات التي واجهت إصدار القانون في مصر هو الجدل حول تعريف الموت: هل يعتبر الشخص الذي مات جذع مخه ميتا؟ أم أن الوفاة تعني توقف كافة أعضاء الجسم عن العمل وخروج الحياة منها تماماً؟ 

ومن اللافت للنظر أن الوثائق والتقارير الرسمية والمطبوعات الصادرة عن المنظمات والجهات الطبية العالمية كمنظمة الصحة العالمية والجمعية الطبية العالمية قد خلت أو بشكل أكثر دقة تعمدت تحاشي الخوض في وضع تعريف موحد للموت على مستوى العالم. وبدلاً من ذلك ُترك تحديد هذه المعايير لكل بلد على حدة اعتمادا على ما تراه كل دولة مناسباً ومتوافقاُ مع تفكير ومعتقدات وعقائد شعوب هذه الدول.

والحقيقة أن الخلاف القائم حالياً يكاد يكون طبياً خالصاً. فالدين قد حسم الأمر منذ زمن، وأفتى العديد من علماء الدين الإسلامي ومن خبراء التشريع وأصدرت الهيئات الفقهية والتشريعية جميعها تقريباً بيانات تعلن فيها القبول بفكرة نقل الأعضاء و ُتجيز النقل من المتبرع الحي بشرط انتفاء الضرر المحقق عاجله وآجله عن المتبرع واستبعاد تلقي مقابل مادي عن العضو المتبرَع به. أما عن التبرع من الميت فقد أكدت على مبدأ التبرع دون مقابل من أجل المنفعة للحي، تاركين تحديد باقي القواعد المنظمة لعملية النقل والزرع وعلى رأسها تعريف الموت للأطباء. ويؤكد الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية هذا الرأي حيث قال إن "الجدل حول موت جذع المخ شأن طبي وليس ديني، وأن الشرع يرى أن الموت هو مفارقة الروح للجسد وما يتبعه من توقف الحياة في الجسد، أما ما يتعلق بموت جذع المخ فلا يفتي فيه عالم دين وإنما يقوم بذلك الأطباء."16  كما وضع الشيخ عاشور عبء تعريف الموت على مجموعة من الأطباء، مضيفا أنهم السبب الحقيقي وراء تأخير القانون نظرا لعدم الاتفاق فيما بينهم على تعريف محدد للموت.17 

وقد تجاوزت بلدان كثيرة المناقشات العقيمة التي دارت حول تحديد لحظة الوفاة وما هو الموت. وتلك المناقشات التي شملت العالم كله المعني بالأمر نجحت في إصدار تشريعات تتسق والمعايير الدولية في حسم وإرجاع قضية تعريف الوفاة إلى لجان متخصصة من الأطباء في كل الأحوال.

---

13-Rüdiger von Versen "Ethics access and safety in tissue and organ transplantation: Issues of global concern" WHO document: WHO/HTP/EHT/T-2003.1


-14
  World Health Organization "Human organ and tissue transplantation: Report by the Secretariat" WHO document: WHO. 2003; EB112/5 available at: http://www.who.int/ethics/topics/human_transplant_report/en/index.html


15- World Health Organization "Human organ and tissue transplantation: Report by the Secretariat" 2003


16-  منى أبو النصر، " الجدل حول تعريف "الموت" يعرقل قانون زراعة الأعضاء بمصر"، BBC Arabic ، 24 فبراير 2008:
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/world_news/newsid_7261000/7261958.stm.

17- منى أبو النصر، "الجدل حول تعريف "الموت" يعرقل قانون زراعة الأعضاء بمصر"، BBC Arabic.