أكدت المواثيق الدولية الحق في الصحة كحق أصيل من حقوق الإنسان، وشددت على ضرورة أن تحترمه الدول وتصونه وتفي به. ولا يقتصر الحق في الصحة على تقديم وتوفير الخدمات العلاجية والوقائية فقط، بل يعد التزاماً من الدول الأطراف الموقعة على المواثيق والعهود الدولية بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسدية والعقلية يمكن بلوغه.3
وفي هذا السياق يضيف التعليق العام رقم 14 عن الحق في الصحة4 الصادر من لجنة الأمم المتحدة المعنية بمتابعة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أنه من الممكن "السعي إلى تطبيق الحق في الصحة عن طريق مناهج عديدة ومتكاملة مثل وضع سياسات صحية أو تنفيذ برامج الصحة التي تضعها منظمة الصحة العالمية، أو اعتماد صكوك قانونية محددة"5 يمكن تطبيقها لتفعيل هذا الحق.
ويضم الحق في الصحة ثلاث مكونات،6 أولها التوافر. وبموجب هذا المبدأ، يجب على الدولة توفير الخدمات والبرامج الصحية بالقدر الكافي. والمكون الثاني هو إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية دون تمييز، ويجب أيضا أن تتأكد الدولة من أن الفئات المختلفة من المجتمع تستطيع أن تتحمل نفقات العلاج، وألا يكون ثمنها فوق مقدرتهم. أما المكون الأخير فهو أن تكون الخدمات الصحية ذات جودة وتتمتع بالقبول لدى المواطنين. ومن هنا يأتي أهمية سن تشريع يبيح التبرع بالأعضاء لمن يحتاج، كأحد الطرق يضمن بها الإنسان حقه في الصحة، كما أن التشريع يوفر للفئات الفقيرة إمكانية الحصول على أعضاء منقولة عند احتياجهم دون تمييز ضدهم بسبب ضعف قدرتهم المالية، ويكفل لهم فرص أكبر للشفاء في حالة احتياجهم لزراعة الأعضاء.
وعندما يتم تطبيق المحتوى المعياري للمادة 12 على التزامات الدول الأطراف يسهل أيضاَ تحديد انتهاكات الحق في الصحة. "وتشمل الانتهاكات الإلغاء أو التعليق الرسمي لتشريع ضروري لمواصلة التمتع بالحق في الصحة"7 وعدم ضمان المساواة في الحصول على الخدمات الصحية. ويمكن أن يكون انتهاك الحق في الصحة عبر إجراء مباشر تقوم به الدول (مثال الامتناع عن إصدار قانون تنظيم نقل وزرع ومنع الاتجار في الأعضاء البشرية)، أو من خلال جهات أخرى تمارس نشاطها دون مراقبة من الدولة (مثل مافيا تجارة الأعضاء). ففي المثال الأخير الدولة لم توفر الحماية للفئات الفقيرة والأكثر عرضة، لكونهم الضحية الأولى لتجارة الأعضاء التي تنمو باستغلال احتياجاتهم المادية وعدم معرفتهم بالأضرار التي قد تترتب على هذه العمليات. ولم تتخذ كل التدابير اللازمة (التي من ضمنها سن التشاريع اللازمة) لحماية الأشخاص الخاضعين لولايتها من انتهاك حقهم في الصحة من جانب طرف ثالث.
أما عن الحق في الحياة، وهو الحق الذي لا يجب على أي دولة الخروج عنه حتى في أوقات الحروب أو الطوارئ العامة، فهو لا يقتصر على الامتناع عن اتخاذ إجراءات من شأنها حرمان شخص بشكل تعسفي من حياته. فحماية حق الإنسان في الحياة تقتضي أكثر من ذالك، كما يشير التعليق العام رقم 6 عن الحق في الحياة الصادر عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان حيث يقول التعليق : "لاحظت اللجنة أن الحق في الحياة تم تفسيره في حالات كثيرة بمعناه الضيق. فعبارة "الحق الطبيعي في الحياة" لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً بطريقة تقليدية وتتطلب حماية هذا الحق اعتماد الدول تدابير إيجابية. وفي هذا الصدد، ترى اللجنة أن من الأولى أن تتخذ الدول الأطراف كل التدابير الممكنة...لزيادة المتوسط العمري المتوقع.."8 ولذلك يكون من الضروري سن تشريع هام كقانون نقل وزرع الأعضاء ليوفر للمواطنين فرصة لحياة أطول وصحة أفضل، ويقلل من مخاطر تعرض الفئات الأكثر عرضة لفقدان حياتهم كنتيجة لعمليات الاستغلال التي تقوم بها مافيا تجارة الأعضاء.
وقد تطرق تقرير مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بقضية بيع وبغاء واستغلال الأطفال في المواد الإباحية الذي قدمه إلى مجلس حقوق الإنسان في مارس 2006، إلى موضوع بيع وتجارة أعضاء الأطفال، باعتبارهم من الفئات الأكثر عرضة للاستغلال. وأشار المقرر الخاص إلى أن الدول الموقعة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل المتعلق ببيع وبغاء واستغلال الأطفال وأيضا بروتوكول منع الاتجار بالأشخاص المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية – وهما وثيقتان وقعت مصر عليهما – يجب عليها تجريم التجارة في الأعضاء.9 ويوصي المقرر الخاص الدول بسن التشريعات لتنظيم عمليات النقل والتبرع و لتجريم وعقاب الذين يتاجرون في هذه العمليات، وفقا للمعايير التي وضعتها منظمة الصحة العالمية لمنع "نمو سياحة زرع الأعضاء التي تنشأ في إطارها مؤسسات طبية، تستفيد بين وضع المتبرع والمتلقي، وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر كبيرة يتعرض لها كلا الشخصين المعنيين بعملية زرع الأعضاء." 10 وهو الوضع الذي بالفعل قائم في مصر الآن.
---
3- المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، 1966. وقد أكدت عدة مواثيق دولية وإقليمية الحق في الصحة، مثال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) المادة 25، و من العهد الدولي الخاص بالقضاء على جميع أنواع التمييز ضد المرأة (1979) مادة 11 ومادة 12، واتفاقية حقوق الطفل (1989) المادة 24، وأخيرا الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لعام ١٩٨١ (المادة 16.
4- التعليقات العامة هي وثائق تصدرها لجنة الأمم المتحدة المعنية بمتابعة العهود الدولية لتفسير مواد العهد من التزامات ومبادئ يجب على الدول الأطراف في المعاهدة الاسترشاد بها عند تطبيق الاتفاقية.
5- التعليق العام رقم 14 (2000)، لجنة الأمم المتحدة المعنية بمتابعة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فقرة 1.
6- التعليق العام رقم 14، 2000.
7- التعليق العام رقم 14، 2000، فقرة 49.
8- التعليق العام رقم 6 (1982)، لجنة الأمم المتحدة المعنية بمتابعة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية، والسياسية، فقرة 5.
9- تقرير المقرر الخاص المعني بمسألة بيع الأطفال وبغاء الأطفال واستغلال الأطفال في المواد الإباحية المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان، وثيقة الأمم المتحدة رقم A/HRC/4/31، الصادرة بتاريخ 26 ديسمبر 2006. للإطلاع على التقرير: http://www2.ohchr.org/english/bodies/hrcouncil/4session/reports.htm.
10- تقرير المقرر الخاص، 2006، الفقرة رقم 80.