أولاً: الأحكام القضائية والمحاكمات

1- أصدرت محكمة القضاء الإداري برئاسة المستشار محمد عطية، في يوم 7 إبريل  2009، حكماً في الدعوى رقم 21751 لسنة 61 ق بإلغاء ترخيص مجلة "إبداع" الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب، والتي كان قد أقامها أحد المحامين ضد كل من رئيس تحرير المجلة أحمد عبد المعطي حجازي، والهيئة العامة للكتاب، ووزير الثقافة، ورئيس مجلس الشورى، وشيخ الأزهر، والنائب العام. وقد طالب المحامي الذي أقام الدعوى بإلغاء ترخيص المجلة وغلق مقرها لنشرها قصيدة "شرفة ليلى مراد" للشاعر حلمي سالم استناداً إلى أن القصيدة تضمنت إهانة للذات الإلهية على حد زعمه، مما يستوجب سحب ترخيص المجلة "حفاظاً على مشاعر المسلمين ودرءاً للفتنة التي تثيرها هذه المجلة."

واستندت المحكمة في حكمها ـ الذي حصلت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على نسخة منه ـ إلى أن قصيدة "شرفة ليلى مراد" والتي نشرتها المجلة في عام 2007 قد حوت ألفاظاً تمثل إساءة للذات الإلهية ورسمت "صورة مهينة للمولى جل في علاه"، وقالت إن "ما أتته هذه المجلة بنشر هذه الألفاظ يباعد بينها وبين رسالة الصحافة التي نص عليها الدستور المصري وقانون الصحافة، بحيث يصبح انتساب هذه المجلة إلى الصحافة المصرية بتاريخها العريق ضرباً من ضروب الامتهان ... كما أن نشرها هذه الألفاظ يباعد بينها وبين الهدف المنشود من ترخيصها بنشر الإبداع الذي تجود به قرائح الشعراء المبدعين حقاً"، ثم أضافت المحكمة أنها "لا تتوانى عن أخذ المجلة بسوء فعلها وخبث نواياها، وبالمأخذ الذي يستحقه كل من أراد العبث بمقومات المجتمع المصري، وحتى تختفي هذه المجلة من الوجود، ومن ثم تحول المحكمة بينها وبين ما تنفثه من سموم، وما تعبث به من أخلاقيات وقيم."

وعلى الرغم من إشارة المحكمة إلى مدى أهمية حرية الرأي والتعبير وإلى أن الصحافة حرة كل الحرية إلا أنها رهنت ذلك بعدم الإفتئات على المقومات الأساسية للمجتمع والتي تتضمن الأسرة والدين والأخلاق والوطنية والأمومة وقالت المحكمة "فإذا ما تنكبت الصحافة الطريق القويم في أداء الرسالة المناطة بها، وأصبحت مكمن خطر بدلاً من أن تكون شعاع أمل بات من اللازم لزوماً لا فكاك منه أن تؤخذ بيد القضاء العادلة حتى ترد إلى صوابها وتعود إلى رشدها داخل منظومة المجتمع وبين نسيج الأمة بكافة فئاتها."

وفي تبرير المحكمة لإلغاء تصريح المجلة بسبب نشر قصيدة واحدة قالت المحكمة "إن المجلة هي الأداة التي ارتكبت بها هذه الجريمة في حق الله وفي حق معتقدات ومقدسات أبناء هذا الوطن أيا ما يكون مرتكبها وهي الوسيلة التي ارتكبت بها هذه الجريمة النكراء؛ ثم إن هذا الابتذال في حق بارئ الكون واضح جلي في معنى الإساءة إلى الله بما لا يخفى على أحد، ومن غير المتصور عقلاً أن هذا العمل نُشر عبثاً دون أن يمر على القائمين على تقييم مثل هذه الأعمال لتقرير نشرها، الأمر الذي يؤكد أن بعضاً من أولئك لديهم القناعة والاستعداد لنشر مثل هذا الإسفاف المتطاول على رب العزة والجلال." وفي ردها على دفع الجهة الإدارية بأن مصادرة الصحف والمجلات أو وقف ترخيصها محظور، فرقت المحكمة بين إلغاء الترخيص على يد جهة الإدارة وبين الفعل نفسه إن صدر بناء على حكم قضائي: "الحظر الدستوري- المستحسن تجسيداً لحرية الرأي- مقصور على المصادرة والإلغاء بالطريق الإداري، وليس قرار الترخيص بإصدار الصحيفة أو المجلة حصينا من الإلغاء القضائي."

وقد طعنت الهيئة المصرية العامة للكتاب في الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا طالبة وقف تنفيذ الحكم بشكل مستعجل ثم إلغائه. وفي يوم 15 يونيو 2009 أمرت المحكمة برئاسة المستشار إبراهيم الصغير بوقف تنفيذ الحكم، وقالت المحكمة إنها "لا يفوتها أن تؤكد على رفضها القاطع لكل كلمة بل ولكل حرف من حروف القصيدة الدنسة ... كما تؤكد المحكمة على ضرورة اتخاذ الإجراءات الجنائية والتأديبية الرادعة ضد كل من شارك في هذا العمل المزري." غير أن المحكمة انتهت إلى أن التشريعات المصرية لا تجيز لأي سلطة بما فيها السلطة القضائية إلغاء ترخيص أي صحيفة، بل تسمح فقط بمساءلة الصحفي "عند إساءة استعمال حرية الصحافة وحرية التعبير... فضلاً عن التدابير التي يمكن اتخاذها ضد الصحيفة التي أساءت استعمال هذه الحرية." وقد بررت المحكمة وقف تنفيذ قرار إلغاء الترخيص بشكل عاجل بأن من شأن إغلاق المجلة "المساس بحرية الصحافة والتعبير والرأي، وهو حق دستوري يتوافر به دوماً ـ على ما جرى به قضاء هذه المحكمة ـ ركن الاستعجال ... فضلاً عن تشريد العاملين بالمجلة ووحرمانهم من مورد رزقهم." وأحالت المحكمة الطعن إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير بالرأي القانوني قبل الفصل في طلب إلغاء الحكم.

يذكر أن محكمة القضاء الإداري برئاسة المستشار محمد الحسيني كانت قد حكمت في 1 إبريل 2008 بوقف تنفيذ قرار منح الشاعر حلمي سالم جائزة الدولة للتفوق في الآداب عن مجمل أعماله، وسحب الجائزة منه بسبب نشره قصيدة (شرفة ليلى مراد) في مجلة إبداع، واستندت المحكمة في حكمها إلى ذات الأسباب التي ألغي بسببها ترخيص المجلة (انظر الفقرة 1 من تقرير إبريل ـ يونيو 2008).

2- في يوم 14 إبريل 2009 قضت محكمة القضاء الإداري، برئاسة المستشار محمد عطية، بعدم قبول الدعوى رقم 27658 لسنة 62 ق، المقامة من السيدات شاهيناز كامل وكامليا لطفي وغادة أيوب ضد كل من وزير الداخلية ورئيس مصلحة الأحوال المدنية، والتي تظلمت فيها المدعيات من قيام الدولة بتغيير بيان الديانة الخاص بأبنائهن في الأوراق الرسمية من المسيحية إلى الإسلام وذلك بعد تحول آباء الأطفال إلى الإسلام (انظر الفقرة 5 من تقرير إبريل ـ يونيو 2008). وقد استند حكم المحكمة ـ الذي اطلعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عليه ـ إلى أن "المتفق عليه في قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين ولغير المسلمين أن الولاية تكون للأب.. وبالتالي فإن ما قام به الأب من تغيير في البيانات المشار إليها يكون تطبيقاً لنص القانون وإعمالاً لسلطات الولي ومن ثم لا يجوز للجهة الإدارية أن تقوم بتغيير هذه البيانات التي أدلى بها من له صفة في ذلك دون سند من القانون."

يذكر أن المدعية الثالثة لم تحضر أمام المحكمة فقضت المحكمة بعدم قبول دعواها، وكذلك قضت المحكمة بإثبات ترك المدعية الثانية الخصومة، أي انسحابها من الدعوى، وصدر الحكم في حق المدعية الأولى فقط.

3- ذكرت صحيفة الأهرام اليومية المملوكة للدولة، في عدد 19 إبريل 2009، أن مجلس الدولة ألغى "قرار وزير التربية والتعليم بنقل المدرسات المنتقبات بعيداً عن مجال التدريس وإلحاقهن بوظائف مناظرة بالإدارات والمناطق التابعة لها بوظائف إدارية، وذلك لمخالفة القرار لمبادئ الحرية العقيدية والثقافية والشخصية التي كفلها الدستور، وأن القرار ابتعد عن الصالح العام." وأشار الخبر إلى أن المحكمة أكدت في حكمها "أنه لا يجوز حرمان من ترتدي النقاب من دخول المدرسة أو من القيام بمباشرة مهام وظيفتها في التدريس."

وأشارت تقارير صحفية إلى أن إحدى المدرسات المنتقبات بمدرسة ابتدائية في الإسماعيلية كانت قد أقامت دعوى ضد وزير التعليم ومحافظ الإسماعيلية ضد قرار نقلها من وظيفتها وإلحاقها بالإدارة التعليمية. ولم تتمكن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من الاطلاع على نص قرار المحكمة.

4- في يوم 19 إبريل 2009 قضت محكمة القضاء الإداري، برئاسة المستشار محمد إبراهيم قشطة، بعدم قبول طلب شيخ الطريقة العزمية الصوفية بعدم الاعتراف بعبد الهادي أحمد عبد الهادي القصبي كشيخ مشايخ الطرق الصوفية لحين البت في سلامة الانتخابات التي أتت به للمجلس الأعلى للطرق الصوفية (انظر الفقرة 31 من تقرير يناير-مارس 2009). وقد قضت المحكمة في الدعوى رقم 9589 لسنة 63 ق بعدم قبول الطعن شكلاً وذلك لعدم وجود قرار من رئيس الجمهورية في هذا الصدد، ولأن قانون نظام الطرق الصوفية لا يلزم رئيس الجمهورية بتعيين شيخ مشايخ الطرق الصوفية خلال مدة معينة.

يذكر أن الدعوى تضمنت مطالب أخرى للمدعي من بينها إلغاء آخر انتخابات للمجلس الأعلى للطرق الصوفية وحل المجلس الحالي، وإلزام وزيري الداخلية والأوقاف والمحافظين بغلق مقار إحدى عشرة طريقة صوفية زعم المدعي عدم وجود أساس قانوني للاعتراف بها. وقد أمرت المحكمة بإحالة باقي طلبات المدعي إلى هيئة مفوضي الدولة لتحضيرها وإعداد تقرير بالرأي القانوني بها.

5- رفضت محكمة القضاء الإداري في يوم 21 إبريل 2009، برئاسة المستشار محمد عطية، طلب أحد المواطنين المسيحيين الالتحاق بقسم الدراسات العليا بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر. وكان المدعي قد أقام الدعوى رقم 3807 لسنة 63 ق ضد كل من رئيس الوزراء ورئيس جامعة الأزهر وطالب فيها بوقف تنفيذ القرار السلبي بالامتناع عن قبوله وباقي والطلاب المسيحيين بالدراسات العليا بالجامعة.

وقد استندت المحكمة في حكمها ـ الذي اطلعت عليه المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ـ إلى أن المدعي لا تتوافر في حقه شروط القيد للحصول على درجة التخصص (الماجستير) بقسم الدراسات العليا بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وذلك لأن القانون اشترط لقيد الطالب للحصول عليها "أن يكون حاصلاً على درجة الإجازة العالية من الكلية أو ما يعادلها بتقدير جيد على الأقل وأن يتقدم بطلب للقيد قبل افتتاح الدراسة في كل عام" وهو ما لم ينطبق على المدعي.

6- في يوم 28 إبريل 2009 حكمت محكمة القضاء الإداري، برئاسة المستشار محمد عطية، بعدم قبول سبع دعاوى أقامها مواطنون مسيحيون ضد البابا شنودة الثالث بصفته رئيس المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس، طالبوا فيها بوقف تنفيذ وإلغاء التعديلات التي أدخلها المجلس الملي على لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس الصادرة في سنة 1938. وكان المجلس الملي العام قد أصدر في 20 مايو 2008 قراراً أدخل تعديلات جوهرية على لائحة الأحوال الشخصية، والتي تستند إليها محاكم الأسرة فيما يتعلق بالنزاعات الناشئة بين الأقباط الأرثوذكس، واستهدفت التعديلات فرض مزيد من القيود على حق الأقباط في الحصول على الطلاق أو على تصريح بالزواج بعد الطلاق (انظر الفقرة رقم 29 من تقرير إبريل- يونيو 2008).

وقد استندت المحكمة في عدم قبول الدعوى رقم 47339 لسنة 62 ق وستة دعاوى أخرى إلى انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة للمدعين في طلب إلغاء التعديل، حيث قالت في حكمها ـ الذي اطلعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عليه ـ إن "الدعوى لا تكون مقبولة لرفعها من أي شخص لمجرد انه مواطن بحجة أنه يهمه إنفاذ حكم القانون حماية للصالح العام أو أنه أحد أفراد جماعة من الناس تعنيه مصلحتها"، بل يجب أن يقترن برافع الدعوى بوصفه العام كمواطن عنصر آخر يصبغه بصبغة المصلحة الشخصية المباشرة بحسب الظروف والأحوال.

7- قضت محكمة القضاء الإداري، في يوم 28 إبريل 2009، برئاسة المستشار محمد عطية برفض الشق المستعجل في الدعوى رقم 1610 لسنة 63 ق المقامة من سيدة مسيحية ضد وزير الداخلية وأحد المسلمين، والتي طالبت فيها بوقف تنفيذ ثم إلغاء قرار قبول اعتناق ابنتها للإسلام بدعوى أنها تزوجت المدعي عليه الثاني وتحولت إلى الإسلام وهي قاصر ومصابة بخلل نفسي واضطراب ذهني يحول دون توافر إرادة الدخول في الدين الجديد ويبطل كافة الإجراءات المترتبة عليه.

واستندت المحكمة في حيثيات حكمها ـ الذي اطلعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على نسخه منه ـ إلى أنه "طبقا لنص المادة 46 من الدستور تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية، ويتفق ذلك مع ما ورد بالمادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من أن لكل شخص حق في حرية الدين، وأن هذا الحق يشمل حرية الفرد في تغير ديانته وفي إقامة الشعائر الدينية." وأضافت المحكمة أنها خلصت من أوراق الدعوى إلى أن "ابنة المدعية قد دخلت الإسلام بمحض إرادتها وتزوجت أيضاً بمحض إرادتها دون ضغط أو إكراه، كما أن ادعاء الأم بأن ابنتها مصابة بخلل نفسي واضطراب ذهني هو مجرد قول مرسل بغير دليل وأن الهدف الحقيقي للأم هو عودة ابنتها للديانة المسيحية وهو أمر لا يجوز إجبارها عليه."

8- في يوم 13 يونيو 2009 رفضت محكمة القضاء الإداري، برئاسة المستشار حمدي ياسين عكاشة، الدعويين رقمي 53717 لسنة 62 ق و22566 لسنة 63 ق المقامتين من ماهر أحمد المعتصم بالله ضد رئيس الجمهورية وآخرين، واللتين طالب فيهما المدعي بإلغاء القرار السلبي برفض تغيير بيان الديانة في بطاقة الرقم القومي الخاصة به من مسلم إلى مسيحي بعد أن تحول إلى المسيحية من الإسلام.

وقد أسست المحكمة حكمها – الذي حصلت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على نسخة منه - على العديد من النقاط التي كان أبرزها أن "حرية العقيدة ضمن المنظور الدستوري يتعين فهمها في ضوء أمرين أولهما أن جمهورية مصر العربية ليست دولة مدنية تماماً وإنما هي دولة مدنية ديمقراطية والإسلام فيها دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وثانيهما مبدأ المواطنة ... بما يعنيه من العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع لجميع المواطنين الذين يعيشون فوق تراب الوطن في الحقوق والواجبات دون أدنى تمييز قائم على معايير تحكمية مثل الدين أو الجنس أو... ومن ثم فإن تغيير الديانة ضمن نطاق حرية العقيدة، ولئن كان لا يثير مشكلة في الدول ذات الطابع المدني الكامل، فإن الأمر جد مغاير في مصر لما يترتب على تغيير الديانة من آثار قانونية مهمة في مسائل الأسرة كالزواج والطلاق والميراث وهى آثار تختلف حسب الديانة أو الملة."

وقد تطرقت المحكمة إلى الاتفاقيات الدولية المنظمة للحقوق والحريات، فذكرت أن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (الذي أقرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1966 وصدقت عليه مصر عام 1982) "حين أتاحت المادة 18 منه لكل فرد الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، وحريته في الانتماء إلى أحد الأديان أو العقائد باختياره وحريته في إظهار دينه ... قد اعترفت في البند الثالث من المادة ذاتها بعدم جواز إخضاع حرية الإنسان فى إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية"، وذكرت المحكمة أن الحكومة المصرية قد تحفظت على العهد عند التصديق واشترطت أن تلتزم به بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.

وأسهبت المحكمة في عرض تصورها عن الموقف الإسلامي من حرية العقيدة حيث قالت إن "حرية الفكر هي الطريق إلى الحق، ومن ثم استبعد الإسلام صور القيود المختلفة عن حرية الفكر... كما افترض وجود الحرية كجزء لا يتجزأ من بنية المجتمع، ليس فحسب لأن الإيمان بالعقيدة لا يمكن أن يتم إلا في بيئة حرة، وبعد اقتناع كامل، ولكن أيضاً لأن الإسلام يبني الحياة الإنسانية بصفة عامة على أساس أنها (اختبار) و(اختيار) بين الخير والشر، وهذا بدوره يفترض ويتطلب وجود قوى الشر والغواية، وحرية الإنسان في (الانسياق) أو (المقاومة) .... ومن جهة أخرى فإن كفالة حرية العقيدة في الشريعة الإسلامية قد سبقت الدساتير جميعها منذ أربعة عشر قرناً ونيف." ودللت المحكمة على ذلك بالعديد من الآيات القرآنية، وأكدت أن "الإيمان هداية والاختلاف قضاء وأن جميعه من عند الله، لذلك فقد أمر الله تعالى نبيه بأن "يُعرض" عن المشركين والجاهلين لأنه لا إكراه في الدين، فمن آمن فلنفسه ومن ضل فعليها، وأن الله تعالى وحده هو الذي سيحكم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون".

غير أن المحكمة عادت لتؤكد أن حرية العقيدة في الإسلام غير مطلقة، حيث قالت: "إلا أنه ومن وجهة أخرى فإن القرآن الكريم لا يقبل أن يكون الدين ألعوبة يدخل فيها اليوم من يريد الدخول، ثم يخرج منه غداً من يريد على طريقة بعض اليهود الذين قالوا: "آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون" صدق الله العظيم، آل عمران 72."

ورغم تسليم المحكمة بأن المادة 47 من قانون الأحوال المدنية "قد وردت متضمنة حق تغيير بيانات خانة الديانة مطلقاً دون تحديد من المشرع"، فإنها قدمت تفسيراً جديداً لنص المادة بأن رأت "أن المشرع استوجب مجموعة من الإجراءات والشروط والضوابط والمستندات التي يتعين توافرها حتى تتخذ جهة الإدارة إجراءات إصدار قرار بتغيير الديانة والاسم بشهادة الميلاد وبطاقة تحقيق الشخصية، وهى شروط لا تتعلق بإثبات العقيدة والتي تظل مطلقة بين العبد وربه لا تحتاج لإثبات، ولكنها شروط تتعلق بمقتضيات التنظيم القانوني لإثبات البيانات المحددة بالأوراق الثبوتية للمواطن لترتيب الآثار القانونية للتعامل مع الغير في العلاقات المتعلقة بمسائل الأسرة كالزواج والطلاق والميراث وهى آثار تختلف حسب الديانة أو الملة."

ثم ذكرت المحكمة تلك الشروط وهي: تقديم طلب إلى المصلحة مرفق به المستندات المؤيدة لطلب تغيير الديانة والتي تحددت قانوناً بأحد مستندين، إما حكم بتغيير الديانة من المحكمة المختصة، أو وثيقة تغيير ديانة صادرة من جهة الاختصاص. وقالت المحكمة إن الواقع التشريعي لا يعرف محكمة  مختصة بتغيير الديانة ولم ينظم إجراءات لحصول هذا التغيير، وفي نفس الوقت فإن المشرع لم يحدد جهة مختصة بإصدار وثيقة بتغيير الديانة من الإسلام إلى المسيحية. ونفت المحكمة اختصاص الكنيسة بإصدار وثيقة بتغيير الديانة من الإسلام إلى المسيحية وقالت "ولئن كان للبطريركية [الخاصة بالأقباط الأرثوذكس] سلطة الاعتراف الكنسي لمن يمارسون الطقوس الدينية، إلا أنه لا سلطة لها في تغيير الديانة بإخراج معتنق لعقيدة ما من دينه وفق ديانة غير مسئولة عنها، ولو وفقاً لرغبته، وإدخاله في ديانة أخرى هي مسئولة عنها ما لم يوسد لها القانون هذا الاختصاص." وبذلك فإن المحكمة انتهت إلى أن المادة 47 من قانون الأحوال المدنية وإن كان نصها جاء مطلقاً في السماح بتغيير الديانة إلا أن الواقع القانوني لا يسمح تغيير الديانة من الإسلام إلى إي دين أخر.    

ورفضت المحكمة الاعتراف بشهادة عماد صادرة للمدعي من إحدى الكنائس بقبرص بتاريخ 20 سبتمبر 2005 وشهادة انضمام للكنيسة القبطية الأرثوذكسية بتاريخ 8 إبريل 2009، وقالت "متى كانت الشهادتان المشار إليهما قد وردتا فاقدتين لكل قيمة قانونية بما لا يجعل لأي منهما ثمة أثر أو قيمة في إثبات تغيير الديانة وفقاً للتنظيم القانوني القائم، فإنه وترتيباً على ما تقدم، يكون قرار الجهة الإدارية برفض الاعتداد بتغيير ديانة المدعي من الإسلام إلى المسيحية، قد صدر صحيحاً قائماً على سنده من أحكام القانون، لتخلف الشروط الشكلية والإجرائية والضوابط الموضوعية التي استلزامها القانون لإثبات تغيير الديانة."

وقد خاطبت المحكمة المشرع للتدخل لتنظيم مسألة تغيير الديانة، حيث قالت إن "الحاجة ماسة إلى تشريع يحمي الأديان من الازدراء أو السخرية ليكون أساسا لحرية العقيدة وحرية الانتقال من دين إلى دين بمراعاة عدم التعارض مع مقتضيات النظام العام، ويبين الجهة القانونية التي يتم بها إشهار الدين الجديد وشروط هذا الانتقال من ناحية السن والحالة العقلية واتحاد الأبوين في الدين أو اختلافهما، وما إذا كانت هناك ضغوط تمثل الإكراه، أو إغراءات تمثل الزيف، على أن تقرر عقوبة تحول دون هذا العبث، وأن تشدد العقوبة على كل من يسعى إلى الاستقواء بالأجنبي أو الحصول على منفعة من مال أو عمل أو زواج أو طلاق أو مواريث عن طريق الاتجار أو التلاعب بالأديان، وأن تراعي ظروف من أصابتهم الحيرة من اختلاف الأبوين في الدين وأن تكون العقوبة في كل حالة من الأحوال المتقدمة منفصلة عن الحق في تغيير الدين وألا تقع بسبب عودته إلى دينه الأول بل على دخوله عابثا مستهتراً في دين غير مؤمن به، وذلك درءاً لفتنة لا تفتأ أن تطل برأسها علينا من حين لآخر."

9- قضت محكمة النقض، في يوم 15 يونيو 2009، بنقض (أي إلغاء) الحكم الصادر من محكمة استئناف الإسكندرية لشئون الأسرة في سبتمبر 2008 والذي كان قد قضى بنزع حضانة كاميليا لطفي لولديها التوأم (أندرو وماريو) وألزمها بتسليمهما إلى والدهما مدحت رمسيس بعد أن تحول إلى الإسلام. وقد أصدرت محكمة النقض حكمها في الطعن رقم 15277 لسنة 78 ق والذي كان قد تقدم به النائب العام في 25 نوفمبر 2008 (انظر الفقرة 3 من تقرير يناير- مارس 2009).

وأكدت محكمة النقض في حكمها - الذي حصل باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على نسخة منه "أن أولى الناس بحضانة الصغير أمه بالإجماع ولو كانت غير مسلمة، لأنها أشفق وأقدر على الحضانة ... والشفقة لا تختلف باختلاف الدين". وأعادت المحكمة التأكيد على أحكامها السابقة بأن "الولد يتبع أحد أبويه في الإسلام باعتباره خير الدينات حتى يصير مكلفاً، ولا تنقطع هذه التبعية ويتحقق هذه التكليف إلا بالعقل والبلوغ ... والأصل في البلوغ أن يظهر بأمارته المعهودة وإلا بتجاوز الخمسة عشر سنة هجرية". واستنتجت المحكمة من ذلك أن الأم الكتابية تتساوى مع الأم المسلمة في حضانة الولد المسلم "لاستوائهما فيما يوجب هذا الحق وهو الشفقة على الصغير، التي مردها فطرة النفس البشرية، أياً كان دين صاحبها". ثم تطرقت المحكمة إلى مسقطات الحضانة واشترطت أمرين لإسقاط حضانة الطفل المسلم عن الأم الكتابية، وهما قدرة الطفل على التمييز بين الأديان من ناحية، وقيام الأم بأفعال قد تؤثر على تمسكه بالإسلام من ناحية أخرى: "أن تكون لدى الولد المحضون القدرة على إعمال العقل، في التمييز بين الأديان المختلفة ولو لو تكن له القدرة على اختيار إحداها، وقد يكون ذلك ببلوغ الصغير سناً معينة كالسابعة أو قبلها أو بعدها إذ المعوّل عليه في تحديد ذلك هو مدى إدراك الصغير لما يعد ألفا لغير دين الإسلام"، و"أن يصدر عن الحاضنة الكتابية أقوال أو أفعال مع الصغير ينجم عنها أنه يألف غير دين الإسلام"، ثم أضافت المحكمة حالة أخرى وهي حالة التخوف على المحضون من حاضنته الكتابية فساداً "كأن تغذيه بلحم الخنزير أو تسقيه خمراً"، وفي هذه الحالة تضم الحضانة إلى مسلمين إلى جانب الأم "ليكونوا رقباء عليها" دون أن ينزع منها الطفل.

وقد استخلصت المحكمة من ذلك ومن أوراق الدعوى أن السيدة كامليا لطفي هي صاحبة الحق في الحضانة، وأن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون حين قضى بضم التوأم إلى والدهما دون أن يستظهر مبررات إسقاط الحضانة عن والدتهما، حيث قالت " إذ خلت الأوراق مما يفيد أنه ثبت لمحكمة الموضوع بدرجتيها أن لديهما ]التوأم اندرو وماريو] القدرة على إعمال العقل في التمييز بين الأديان المختلفة، كما لم يثبت أنه صدر عن ]والدتهما[ من الأقوال أو الأفعال ما ينجم عنها أن يألف هذان الصغيرين غير دين الإسلام، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر... فإنه يكون معيباً بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه طبقا لنص المادة 250 من قانون المرافعات بما يوجب نقضه لهذا السبب." 
وكان النائب العام قد دفع في مذكرة طعنه بأنه كان على محكمة استئناف الإسكندرية لشئون الأسرة أن تطرح الاختيار على الصغيرين ـ طالما تجاوزا سن السابعة ـ "ليقوما بممارسة دورهما الذي تكفلت بالزود عنه الشريعة الإسلامية بين البقاء على عقيدتهما [المسيحية] التي تنشئا عليها وتربيا في محرابها، أو قبولهما طواعية الانتقال إلى دين الإسلام." غير أن محكمة النقض لم تقبل هذا الدفع، وأصرت في حكمها على التمسك بأحكامها السابقة التي قضت فيها بأن إشهار أحد الوالدين لإسلامه يجب أن يتبعه تغيير ديانة الأبناء إلى الإسلام باعتباره "خير الديانات"، حتى يصلوا سن البلوغ وهو الخامسة عشرة. واكتفت محكمة النقض بإعادة الطفلين إلى حضانة والدتهما على أن يبقيا مسلمين في الأوراق الرسمية تبعاً لتحول والدهما إلى الإسلام.