ثانياً: أحداث التوتر أوالعنف ذي الطابع الطائفي

13. شهدت قرية (نزلة رومان) التابعة لمركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا اشتباكات بين مسيحيين ومسلمين على خلفية نزاعات ثأرية في مساء يوم 16 فبراير 2009. حيث وقع اشتباك بالعصي والحجارة بين أفراد من عائلة صفوت أسعد المسيحية وعائلة نادي صديق المسلمة في القرية ذات الأغلبية المسيحية، أصيب على أثرها حوالي سبعة أشخاص من الطرفين. وقامت الشرطة عقب الاشتباكات بإلقاء القبض على حوالي عشرين شخصاً من المسلمين والأقباط. وتشير شهادات شهود العيان أن الاشتباكات بدأت عندما تحرش أحد المسلمين لفظياً بفتاة مسيحية أثناء سيرها مع شقيقها في القرية، ثم توسعت بعد تدخل أبناء عائلتي الطرفين. غير أن المصادر أجمعت أن القرية تعيش منذ ثلاثة أعوام حالة من الاحتقان بين مسلميها ومسيحييها على خلفية نزاع ثأري أدى إلى مصرع شاب قبطي على يد أحد مسلمي القرية في عام 2006، ولكن القضية تم حفظها لاحقاً لعدم كفاية الأدلة.
 
وتشير المعلومات التي حصل عليها باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن جميع المحتجزين تم إطلاق سراحهم باستثناء اثنين من الأقباط لا يزالان معتقلين بموجب قانون الطوارئ في سجن برج العرب القريب من مدينة الإسكندرية، وكذلك أحد المسلمين والمعتقل في سجن أبو زعبل بالقاهرة.

14. في يوم 26 فبراير 2009 تجمهر عدد من الأقباط ـ قدرت بعض التقارير عددهم بحوالي 500 شخص ـ أمام مطرانية الأقباط الأرثوذكس بمدينة ملوي في محافظة المنيا، احتجاجاً على غياب فتاة مسيحية تبلغ من العمر 17 عاماً وانتشار شائعات حول هروبها مع أحد مسلمي المدينة. وفي تصريحات لباحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قال مصدر كنسي إن: "الفتاة لم تختطف وإنما تم إغراؤها من قبل أحد المسلمين لتترك المدرسة وتهرب معه فذهبت إلى منزله ورفضت أن ترجع. وبسبب التجمهر تدخل جهاز مباحث أمن الدولة بعد اتصال من أحد الآباء الكهنة خوفاً من تطور الموقف. وأخذت قوات الأمن الفتاة من منزل الشاب إلى مركز شرطة نجع حمادي، وانتقل تجمهر المسيحيين من المطرانية إلى هناك انتظاراً لرجوع الفتاة لأسرتها، وقد سلمت قوات الأمن الفتاة إلى أهلها في حوالي منتصف الليل من نفس اليوم، والتي انتقلت بها للإقامة خارج مركز ملوي." ولم يتمكن باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من الحصول على معلومات مستقلة بشأن الحالة أو تحديد مكان إقامة الفتاة أو أسرتها.    

15. في يوم 28  فبراير 2009 شهدت قرية دماص بمركز ميت غمر التابع لمحافظة الدقهلية اشتباكات على خلفية شائعة بوجود علاقة عاطفية بين شاب مسيحي وفتاة مسلمة من أهل القرية. فقد قام أحد مسلمي القرية بسكب الكيروسين وإشعال النيران في شاب مسيحي يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً لاشتباه الجاني في وجود علاقة بين شقيقته وبين المجني عليه. وقد استطاع الشاب المسيحي القفز في إحدى الترع لإطفاء النيران المشتعلة فيه، غير أن أهالي القرية تجمعوا ووقعت اشتباكات بين أفراد العائلتين باستخدام السلاح الأبيض أسفرت عن مقتل والد الشاب المسيحي وإصابة شقيقه بجرح غائر في الرأس. وقد قامت قوات الأمن بالقبض على الجاني (24 عاماً) وإحالته إلى النيابة. ولم تتم إحالة القضية للمحاكمة حتى وقت كتابة هذا التقرير.

16. ظهرت على شبكة الإنترنت منذ يوم 6 مارس 2009 دعوات لمقاطعة الأنشطة التجارية للأقباط في مصر. وقد تم نشر وتداول الرسالة التي تحمل عنوان (حملة مقاطعة نصارى مصر) على عدد من مواقع الإنترنت وإرسالها عبر البريد الإلكتروني، مصحوبة بقائمة من الشركات التي زعم القائمون على الحملة ـ وهويتهم غير معلومة ـ أنها مملوكة لمسيحيين مصريين. وقال القائمون على الحملة إن الدافع وراء إطلاقها هو قيام الحكومة المصرية بما أسموه "تسليم المسلمات إلى سجون الكنيسة القبطية"، في إشارة إلى حالات لنساء مسيحيات أشهرن إسلامهن قبل أن تقوم أجهزة الأمن بإعادتهم إلى أسرهن أو إلى الكنيسة استجابة لمطالبات الأقباط بذلك. وقد أثارت الحملة الإلكترونية عدداً من ردود الأفعال الغاضبة والانتقادات من كتاب مسلمين ومسيحيين.

17. نشبت مشاجرة بين عائلتين مسلمة ومسيحية في مساء يوم 24 مارس 2009، بقرية تدعى (هريف الشيخ تمي)، وتتبع مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا. وقد تعرضت كنيسة الملاك ميخائيل بالقرية للقذف بالحجارة أثناء المشاجرة، مما أدى إلى تحطم بعض نوافذها. ووفقاً للمعلومات التي حصل عليها باحثو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من سكان القرية، فقد بدأت المشاجرة بين عائلة شرقاوي المسلمة وعائلة برسوم المسيحية عندما دخلت كرة قدم كان أطفال مسلمون يلعبون بها إلى أرض زراعية تملكها العائلة المسيحية. وأشارت المعلومات أيضاً إلى أن العائلتين كان بينهما خلاف من قبل حول مكان تركيب إحدى مضخات المياه. وتشير المصادر إلى أن أفراد العائلتين اشتبكوا مستخدمين العصي والحجارة، مما أدى إلى إصابة أربعة منهم بجراح. وقد قامت الشرطة بالقبض على قرابة عشرة أشخاص من الطرفين والتحقيق معهم، قبل أن يتم الإفراج عنهم جميعاً في يوم 29 مارس 2009 بعدما قرروا التصالح.

18. شهدت محافظة سوهاج في أواخر شهر مارس اعتداءات طائفية غير مسبوقة على مواطنين بهائيين. ففي مساء يوم 28 مارس 2009 تجمهر عشرات من سكان قرية الشورانية، التابعة لمركز المراغة بسوهاج، خارج منازل تقيم بها أسر بهائية في القرية، عقب إذاعة حلقة من برنامج تلفزيوني ظهر فيها أحد سكان القرية من معتنقي البهائية. وقام المتجمهرون بترديد هتافات من بينها (لا إله إلا الله، البهائيين أعداء الله)، ثم بدأوا في قذف هذه المنازل بالحجارة وتحطيم نوافذها ومحاولة اقتحامها. ووفقاً لشهادات الضحايا لباحثي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن قوات الشرطة التي وصلت إلى القرية بعد تلقي بلاغات من ضحايا الاعتداءات اكتفت بصرف المتجمهرين مع إلقاء القبض على ستة منهم إلا أنه سرعان ما اطلق سراحهم بعد إجبار أحد المجني عليهم على التصالح بعد وعود من الأمن والمقبوض عليهم بعدم تكرار ما حدث. وقد تكررت اعتداءات مشابهة بدرجة أقل على مدى يومي 29 و 30 مارس.

وفي يوم 31 مارس قرابة الساعة السابعة مساء تصاعدت الاعتداءات حين قام بعض سكان القرية ـ والمعروفون لدى الضحايا ـ بقذف كرات نارية وزجاجات حارقة على منازل الأسر البهائية الخمسة المقيمة في القرية، مما أدى إلى إحراقها جزئياً. وقال سكان هذه المنازل إن المعتدين قاموا بتحطيم أو تعطيل مواسير المياه المتصلة بمنازلهم لمنعهم من إطفاء النيران المشتعلة في ممتلكاتهم. كما قام المعتدون ـ وفقاً لأقوال الضحايا ـ بإتلاف محتويات المنازل التي قاموا باقتحامها وسرقة بعض الأجهزة الكهربائية والمواشي. ولم تنجم عن الاعتداءات إصابات أو خسائر في الأرواح. ودفعت هذه الاعتداءات بعض أسر البهائيين إلى الهرب من منازلهم والاختباء وسط الزراعات حتى حلول الصباح. وقد وصلت قوات الشرطة أثناء الاعتداءات وقامت بوقفها وصرف المعتدين، دون ورود أي معلومات بشأن إلقاء القبض على أي منهم.  وفي صباح يوم 1 إبريل أمرت الشرطة من تبقى من البهائيين من أهل القرية بمغادرتها فوراً دون السماح لهم بالعودة لمنازلهم لاصطحاب الملابس أو الأدوية أو الكتب الدراسية أو الأموال أو غيرها من المستلزمات الضرورية. وتشير المعلومات أن القرية لم يبقَ بها بهائي واحد مع حلول مساء 1 إبريل.

يذكر أن الاعتداءات على البهائيين في الشورانية قد بدأت عقب عرض حلقة مسجلة من برنامج الحقيقة على قناة دريم 2 مساء السبت 28 مارس 2009 تناولت احتفالات البهائيين بعيد النيروز في 21 مارس من نفس العام، وظهر فيها أحد البهائيين من سكان القرية، فضلاً عن الناشطة البهائية وأستاذة طب الأسنان الدكتورة باسمة جمال موسى. وقد شارك في الحلقة جمال عبد الرحيم، الصحفي بجريدة الجمهورية المملوكة للدولة وعضو مجلس نقابة الصحفيين، والذي توجه بالحديث أثناء الحلقة المذاعة إلى الدكتورة باسمة قائلاً بالنص: "دي واحدة يجب قتلها". وفي يوم 31 مارس ـ قبل ساعات من إشعال النيران بمنازل البهائيين ـ نشرت جريدة الجمهورية مقالة للصحفي جمال عبد الرحيم أشاد فيها بإقدام سكان قرية الشورانية على قذف منازل أحد البهائيين بالحجارة على مدى الأيام السابقة، معتبراً هذه الجرائم دليلاً على أن سكان الشورانية "من الغيورين على دينهم وعقيدتهم".

وقد تقدمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مع خمس منظمات حقوقية أخرى، في يوم 2 إبريل، ببلاغ للنائب العام بخصوص أحداث الشورانية لمطالبته بفتح تحقيق فوري لتحديد المسئولين عن الاعتداءات التي ارتكبت بحق البهائيين في حادث الشورانية تمهيداً لإحالة المسئولين عنها إلى المحاكمة الجنائية. كما طالبت المنظمات بأن يشمل التحقيق تحديد المسئولين عن التحريض المباشر على ارتكاب هذه الجرائم لمساءلتهم جنائياً. وقد أمر النائب العام بالفعل بفتح تحقيق في اعتداءات الشورانية بدأ يوم السبت 4 إبريل. كما بدأت نيابة الجيزة تحقيقاً مستقلاً بشأن الاتهام الذي وجهته المنظمات الحقوقية إلى الصحفي جمال عبد الرحيم بتهمة التحريض على القتل في البرنامج التلفزيوني بحق الدكتورة باسمة. ولم تتم إحالة أي من القضيتين إلى المحاكمة حتى وقت صدور هذا التقرير.

وفي يوم 5 إبريل أصدر المجلس القومي لحقوق الإنسان بياناً صحفياً بخصوص الحادث، مؤكداً على أن ما تعرض له البهائيين هو "شاهد مؤسف على غياب الحد الأدنى من الثقافة الحقوقية فضلاً عن غياب الفهم الصحيح لعقيدة الإسلام وشريعته ومنهجه في معاملة المخالفين وهو غياب ينذر بتداعيات سلبية تنال من جوهر الديموقراطية وسيادة القانون وهما من أركان نظامنا الدستوري والسياسي فضلاً عن تعبيرهما الصحيح عن ثقافتنا العربية والإسلامية واعتبارهما من الأسس الكبرى لمبدأ المواطنة الذي أكدته نص المادة الأولى من الدستور بعد تعديله." ودعا المجلس "الدعاة وأهل الفكر أن يكون خطابهم للجماهير صادراً عن روح التسامح والإيمان بحرية الفكر والاعتقاد وقبول الآخر وفقاً لما يحدده القانون اتفاقاً والنظام العام والآداب ولما تقوم به سلطات الدولة في هذا الشأن، وهو ما يجب أن تركز عليه كافة وسائل الإعلام."