في نهاية الحوار اختتم المتحدثان الجلسة بمداخلتين جاء فيهما:
الدكتور علاء غنام:
لقد كان حواراً مثمراً سوف نستفيد منه في المرحلة المقبلة. والواقع أن دراسات العبء المرضي هي دراسات هامة وأساسية في عمليات التخطيط الاستراتيجي للرعاية الصحية وبدونها سيكون مجهودنا كله حرثا في البحر.
فتوزيع الموارد المحدودة أو ما يسمى بكفاءة استخدام الموارد المتاحة allocative efficiency ترتبط بدراسات العبء المرضي التي تعطينا فرصة لتحديد احتياجات المجتمع الحقيقية من الخدمات الصحية. ومخرجات الحالة الصحية في المجتمع بشكل عام هي مقياس علمي أساسي لتحديد ما نحتاجه بالفعل لزيادة الإنفاق الحكومي العام على الرعاية الصحية وتحديد كيفية إدارة هذا الإنفاق بكفاءة وبناء على أولويات صحيحة توافق احتياجات المجتمع.
الأستاذ عبد الفتاح الجبالي:
إنني سعيد بكل التعليقات التي قيلت رغم اختلافي مع كثير منها وهذا لا ينفي استفادتي وتعلمي مما قيل. وأعتقد كما قال أ. حسام أن الهدف من المناقشة بالأساس كان فتح نقاط للحوار حول الموضوع. والواقع أن مناقشة الموازنة في الحكومة ليست معقدة كما قال صديقي د/ محمد نور الدين ولكنها مرتبطة فقط بأهمية الوعي بها وبمعطياتها وأخذها بالجدية اللازمة. ولذلك فمن أهم أسس عمل الموازنة الحكومية هي الشفافية، بمعنى نشرها بكافة وقائعها وبياناتها وأن نشرك المجتمع المدني بمؤسساته في مناقشتها.
والشفافية تعد من المؤشرات الدولية التي يحددها البنك الدولي في معايير تقييمه لموازنات الدول، وبالتالي مناقشة الموازنة أصبحت قضية مجتمع.
يبدو كذلك أنني لم أكن واضحا بالقدر الكافي، لكن بالفعل الموازنة تعتبر وثيقة سياسية للدول وثمة ضرورة لتفعيل دور السلطة التشريعية في مناقشة الموازنة وتفنيد بنودها لأنها جزء أصيل مع المجتمع المدني في بناء القوى (power structure) وهو أمر مهم جدا لأجل إحداث التوازن في المجتمع كما أكد الدكتور سامر سليمان. وإن كنت أختلف مع د. سامر في قضية تركيزه على الأطباء رغم أنهم ليسوا هم بالأساس "متلقي الخدمة" بينما المواطنون هم المتلقي الأساسي للخدمة الصحية. وكما قال د. محمد حسن خليل لابد أن يصبح المجتمع كله مهتما بقضيتي التعليم والصحة بشكل أو بآخر.
هنا يبرز دور المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عندما تناقش قضية مثل الموازنة في مجال الصحة أو التعليم بشكل علمي وفني كما قال د. علاء غنام، وليس فقط بخطاب سياسي يُغَيِّب الكثير من الحقائق الهامة.
والواقع أن الموازنة دائماً بها جانب تقديري يحتمل التفسير والاختلاف ولكن الحسابات الختامية للدولة وأيضاً البيانات النقدية الصادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات لا يأتيها الباطل أو ما أسماه البعض (اللعب في الأرقام) ولكن المهم دائما هو كيف نقرأ هذه البيانات.
وفي معرض اختلافي مع د. خليل حول فهم تقسيم الموازنة: هناك تقسيم وظيفي وهناك حيازة للأصول المالية وهناك سداد القروض وهناك العجز الكلي. وحسب التقسيم الوظيفي وهو ما لا يقرأه الكثيرون: هناك تصنيف البنك الدولي المنقسم إلى عشرة تقسيمات وتحتها عدة تقسيمات أخرى فرعية وداخل هذا التقسيم الوظيفي سوف تجد تفاصيل الإنفاق. مثلاً، في مستشفى كالرمد هناك مخصصات للإنفاق على الدواء والبحث العلمي والأجور وخلافه.
ومن هنا فالاختلاف حول القضية واضح. فإذا بحثنا عن التأمين الصحي سوف نجده في تصنيف ما داخل الموازنة وهكذا. وبالنسبة لتقديرنا في مجال الشفافية لمصر فيما يتعلق بالموازنة العامة فتقديرنا تقريباً 54 من أصل 59.
هناك حقيقة أخرى اسمها وحدة الموازنة أو مبدأ وحدة الموازنة، وهو ما يعني أنه لا يجوز تخصيص مورد لنفقة ما، بمعنى أنني لا أستطيع أن أفرض ضريبة مبيعات للإنفاق على الصحة أو ضريبة عامة للإنفاق على الصحة. ولكن بداية يمكن جمع موارد الدولة في وعاء واحد يدخل الخزانة العامة ويخرج من الخزانة العامة وفقاً لترتيب أولويات الإنفاق العام التي يحددها المجتمع ومنها بطبيعة الحال الخدمة الصحية.
ولذلك كتبت مقالا في الأهرام حول الموضوع في معرض مناقشة الدعم. وكان البعض يتحدث حول تمويل الدعم، وحذرت من خطورة النظرة الأحادية لأنها تضرب مبدأ وحدة الموازنة.
إذن هناك مبادئ أساسية للموازنة: أولا، الشمولية وثانيا، وحدة الموازنة كما شرحت (لا يجوز تخصيص مورد لنفقة). وفي هذا السياق كان ثمة اختلاف مع بعض السادة الوزراء الذين كانوا يقولون "إننا بعنا كذا لكي نمول كذا" لأن الصحيح أن كل الموارد تدخل الخزينة العامة ثم تخرج على إنفاق عام مرتب حسب الأهمية.
ويتم صنع الموازنة العامة داخل البرلمان بتركيبته السياسية ومن خلال أدوات الضغط المختلفة لتلك القوى ومن خلال اللجان ولجنة الموازنة والخطة. والواقع أن هذا الدور لا يحدث بدقة في غياب جماعات الضغط وخاصة من مؤسسات المجتمع المدني وجماعات حقوق الإنسان. وبالتالي يتم تعديلها فقط وفقاً لاجتهادات بعض الخبراء بزيادة سنوية للإنفاق العام بمعدل 3 أو 4 مليارات وكفى المؤمنين شر القتال. وهذه النقطة تحديدا ودور المجتمع المدني في التأثير في عملية صناعة الموازنة العامة هو تحديدا ما أتيت من أجله لمائدة الحوار هذه.
وبمناسبة تعليق د. محمود خيال بالفعل هناك اتجاه لتعديل أسس عمل الموازنة من خلال موازنة البرامج وتقييم الأداء، ولكن مرت أربع سنوات على ذلك ولم نبدأ بعد في عمل موازنة أداء وبرامج. ويمكن بما هو موجود الآن تقييم فاعلية الإنفاق، بمعنى أننا "إذا أنفقنا كم جنيها، فسنصلح كم مستشفى، ولكن ما مدى تأثير ذلك على تحسين مخرجات الحالة الصحية". نحتاج بالطبع أن نعرف.
والواقع أن موازنة البرامج والأداء معقدة جدا وتحتاج لنظام كفء لإدارتها وقد بدأنا في ذلك بالفعل ولكن توقفنا لأسباب ما. ولأن موازنة البرامج والأداء سوف تحقق فعالية الإنفاق وهو ما أظن أنه تحدٍّ هام ومستقبلي يمكن أن يحقق ما قلتموه في مداخلاتكم.
هذه بعض القضايا الجوهرية وهناك قضية أخرى كبيرة جدا وأقصد بها قضية الأجور وهي قضية متعددة الأبعاد. أولا هي مشكلة معقدة. أيضا الإنفاق على الأجور مرتفع جدا وقد بلغ في السنة الحالية 76 مليار جنيه أجور من إجمالي 343 مليار جنيه وهو ما يزال رقما ضخما. كما أن الأجور لا تزال منخفضة رغم زيادتها في الموازنة. كذلك لدينا 6 مليون ونصف موظف حكومي، إضافة إلى أن لدينا تضخم. هي مشكلة لابد من متابعة أبعادها والمقارنة تعتمد على الأسعار الجارية أو بالأسعار الثابتة وعلى مقياس معدل النمو والواقع أنه يجب مقارنة أسعار جارية بأسعار جارية أو أسعار ثابتة بأسعار ثابتة.
بمناسبة توزيع الإنفاق العام، وزارة الداخلية تحصل على 9 مليارات فقط حسب التقسيم الوظيفي للموازنة، في الوقت الذي يحصل فيه الدعم على 126 مليار ويتم تخصيص 35 مليارا للتعليم.
بالنسبة للتفاوت بين أقل أجر وأعلى أجر فمرجعه أموال من جهات أخرى غير الموازنة مثل الصناديق الخاصة وصرف حوافز وأرباح وكلها بقوانين وهذه هي بوابة تفاوت نسب الأجور وليست أموال الموازنة العامة. لذلك فإن أفضل ما تم أخيراً هو نظام الخزانة الموحد، وحساب الخزانة الموحد يتسم بالرقابة المالية على كل الموارد المتوقعة وتحت رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات. لأن الجهاز المركزي نفسه لم يكن يعرف عدد الصناديق والحسابات الخاصة. وهذا النظام الجديد له ميزتان:
1. تحقيق ما يسمى بالأموال السائلة للدولة flat money
2. وثانياً وضع كل الموارد في الصناديق الخاصة في البنك المركزي مما يسمح لي بالاقتراض منها للمصاريف الجارية كالأجور مما يقلل الاقتراض ويحقق بعض المكاسب المالية للدولة.
وبالمناسبة ما قاله أستاذنا محمد حسنين هيكل عن الإنفاق العام وتم نقله على لسان آخرين في الصحافة والإعلام من حيث أن الإنفاق على الداخلية أكثر من الإنفاق على القوات المسلحة فهو غير صحيح. فالداخلية تأخذ 9 مليارات والدفاع حوالي 21 مليارا وهذا ما كتبته في الأهرام منذ فترة. المهم هو تدقيق المعلومة قبل نقلها وإذاعتها ومهم قراءتها وهذا ما كنت أقوله للأستاذ حسام والدكتور علاء من أن المهم بناء التحليل على معلومات صحيحة، والقدرة على التحليل، وبالطبع ليست هذه هي نهاية الحوار.