يعد الإنفاق الكلي على الصحة في مصر بمثابة وجه العملة الآخر لما عرضه الأستاذ عبد الفتاح الجبالي في سياق حديثه عن الإنفاق العام على القطاع الصحي. ويشمل الإنفاق الكلي بالتأكيد الجزء الأكبر الذي تدور حوله كل الصراعات الحالية فيما يتعلق بسياسات تمويل الرعاية الصحية في المجتمع المصري في الوقت الحالي.
كان لدى وزارة الصحة منذ فترة طويلة إدارة للتخطيط، ولكن إدارة التخطيط هذه كانت تعمل على الخطة الاستثمارية بمعنى كيفية "تقسيم الكعكة". وكان المعتاد أن تخصص ميزانية ما هي نفسها ميزانية العام السابق مضافا إليها 5% أو 10% للإنفاق الاستثماري. وفي الأغلب كانت تنفق هذه الميزانية على مشروعات مفتوحة من سنوات سابقة. أما التخطيط الاستراتيجي – وهو الأهم - فلم يكن في تقديري مطروحا على الإطلاق على أجندة وزارة الصحة منذ تأسيسها.
وعلى هذا النسق بدأ برنامج الإصلاح الصحي الذي كانت بدايته عام 1997 في صورة دراسات مبدئية ثم ما لبثت أن تحولت إلي تجربة استرشادية مع بداية سنة 1999. وبدأ البرنامج يطور أداتين في غاية الأهمية - من وجهة نظري - للتمهيد لما يسمى بالتخطيط الاستراتيجي في القطاع الصحي في مصر. الأداة الأولى هي الحسابات القومية للصحة في مصر، والثانية هي آلية مسح البيانات الخاصة بالإنفاق الأسري واستخدام الخدمة الصحية. وجدير بالذكر أن هاتين الأداتين بدأ استخدامهما منذ مطلع التسعينات ولكن تم تطويرهما والاستفادة منهما بعد إطلاق برنامج الإصلاح الصحي. ومن حسن الحظ أن مصر كانت من الدول القليلة في المنطقة التي طورت ثلاث دورات فعلية لما يسمى بالحسابات القومية للصحة(National Health Accounts) . الدورة الأولى كانت في بداية التسعينات، والدورة الثانية كانت عامي 1994 و1995 والدورة الثالثة في عامي 2001 و2002 ونشرت في 2005.
كان ذلك كله يتم من خلال وزارة الصحة مع أحد بيوت الخبرة الدولية الذي ضم عددا من الخبراء الدوليين المتخصصين في مجال الإصلاح الصحي. وكانت المنهجية المستخدمة في هذا المسح الذي يعتبر أداة للتخطيط الاستراتيجي هي الوصف الشامل لمسار تمويل الرعاية الصحية، والجهات التي تقوم بالإنفاق، والوظائف التي يتم عليها هذا الإنفاق.
وقد طرحت الحسابات القومية للصحة عدة تساؤلات هامة، من ضمنها: هل تنفق مصر المبلغ الملائم على صحة مواطنيها؟ وهل مبلغ الإنفاق الكلى هذا يتم التصرف فيه بكفاءة وفاعلية وكفاية؟ وهل هذا المبلغ يوزع بعدالة اجتماعية بين شرائح المجتمع؟ وهل هذا المبلغ يوزع بشكل ملائم ما بين الجانب الوقائي والجانب العلاجي والصحة العامة بطريقة تضمن فاعلية ذلك الإنفاق؟ وغيرها من التساؤلات التي طرحها هذا التقرير الصادر بعنوان الحسابات القومية للصحة.
ويجب أن نشير هنا إلى أن بعض الخبراء في الحقيقة يشككون في المنهجية التي تستخدم في هذه التقارير باعتبارها منهجية وصفية، وأحيانا يكون فيها بعض الانحيازات. والتقرير المشار إليه متاح للجميع وقد أعددنا له تلخيصا مترجمأ كنوع من إعادة القراءة الموجزة لمحتواه، وإن كنا نوصي كل المهتمين بقضية الإنفاق على القطاع الصحي في مصر بدراسة التقرير الأصلي.
وبشكل موجز يكشف تقرير الحسابات القومية للصحة لعامي 2001 و2002 والذي نشر في 2005 أن الإنفاق الكلي على قطاع الصحة في مصر (مشتملا على كل من الإنفاق العام والإنفاق الخاص) يبلغ نحو 6% من إجمالي الناتج المحلي. كانت النسبة في عامي 1994 و1995 تبلغ نحو3.7% بمعنى أن ثمة زيادة في الإنفاق الكلي علي الصحة تصل إلى قرابة 200%. توجد زيادة بالفعل، والتقرير يرجع هذه الزيادة إلى عاملين رئيسيين: أولا، ارتفاع تكلفة الخدمة، وثانياَ، زيادة الطلب على الخدمة، خاصة في القطاع الخاص.
مسارات التمويل لدينا تشمل التأمين الصحي بكل مشتملاته، وكذلك لدينا أنظمة متعددة (للرعاية الصحية) مثل الخدمات الصحية المقدمة من وزارتي الدفاع والداخلية، ولدينا خدمات وزارة الصحة والسكان التي من المفترض – نظريا على الأقل – أنها تغطي كل المواطنين في المجتمع – بموجب أحكام الدستور – في إطار ما يسمى بالرعاية الصحية بغض النظر عن مستوى دخل فئات المجتمع المختلفة. لدينا أيضا أنظمة رعاية صحية خاصة في النقابات والوزارات الأخرى، والتي من بينها المستشفيات الجامعية التي تتبع وزارة التعليم العالي، وكذلك قطاع التأمين الخاص. ثم يأتي بعد ذلك أهم بند من بنود الإنفاق على الصحة الآن وهو الإنفاق المباشر من جيب المواطن على الخدمة الصحية.
يجب أيضاً ملاحظة أن البيانات المتاحة هنا هي عن عامي 2001 و2002 والتي نشرت في 2005 وهو ما يعني أننا منذ عام 2005 وإلى الآن ليس لدينا أي تحديث للبيانات. ولكن بكل أسف لم يتم الاستفادة من تلك التقارير الهامة التي يوجد منها ثلاثة تقارير صدرت في عقد واحد من الزمن، في الفترة التي شهدت التمهيد لبداية ما يسمى بالإصلاح الصحي في مصر.
نلاحظ في التقرير أن جملة الإنفاق الاجتماعي أو الإنفاق الكلي على الصحة بلغ نحو 23 مليارا، في حين أنه في عامي 1994 و1995 كان نحو 7 مليارات فقط. بحيث بلغت نسبة الزيادة نحو 200% تقريبا، في حين أن نسبة إنفاق وزارة الصحة بالنسبة إلى الموازنة الحكومية هي 4.4% كما أشار الأستاذ عبد الفتاح.
يبلغ حجم الإنفاق على الدواء ومستلزماته – من جملة الإنفاق الكلي على الصحة البالغ 23 مليارا – حوالي 8.5 مليارا تقريبا وهو ما يمثل نسبة ضخمة جدا من الإنفاق على الصحة - حوالي 37.2% - وهذه هي الصورة الكلية. الإنفاق الكلي من حيث المنهج بالطبع فيه قدر من "التقديرية" estimation، إذ أن الآلية التي تستخدم فيه تعتمد على ما يسمى بجمع البيانات المتاحة ثم بعدها عملية أخرى لمسح البيانات الخاصة بالإنفاق الأسري واستخدام الخدمة الصحية (Household Survey) وهو ما يقوم به ذوو الخبرة المتخصصون في هذه المجال على نحو دوري. ولكن على الرغم من أنه أحيانا تكون "التقديرات" مبالغاً فيها بالزيادة أو النقصان - بما يؤدي إلى قدر من الخطأ في العينة التي نبني عليها تصوراتنا العامة – إلا أنه في النهاية يعطي مؤشرا قويا لحجم الإنفاق الخاص كما يظهر في مصادر تمويل الرعاية الصحية في مصر من 2001 - 2002 مقارنة بـ 1994 - 1995.
وفي هذه المقارنة نجد أن مصادر الإنفاق العامة في 1994 - 1995 كانت تبلغ 46% (من إجمالي الإنفاق الكلي على الصحة) في حين أنها أصبحت في 2001 - 2002 فقط 31% وهو ما يعني أن الإنفاق العام يحدث له نوع من التقليص أو الخفض. في حين أن المصادر الخاصة كانت 51% وأصبحت في 2001 - 2002 تبلغ 68%. وبالإضافة إلى ذلك توجد جهات مانحة يبلغ تمويلها 3% في موازنة 1994-1995 انخفضت إلى 1% في 2001 -2002.
تأتي الموارد من المصادر التالية: من الخزانة العامة بنسبة 29%، ومن أرباب الأسر بنسبة 61%، ومن شركات عامة 3%، وتشكيلات خاصة 6%.
جهات إدارة التمويل (financing agents) تتكون من الآتي: وزارة الصحة، التي تقوم بالإنفاق وإدارة هذه الموارد، بنسبة 21%، والتأمين الصحي بنسبة 10%. أما الإنفاق المباشر من جيب المواطنين فيبلغ نسبة 60% وهو ما يعني أن كلا من المواطنين ووزارة الصحة والتأمين الصحي مجتمعين يقومون بإدارة 90% من هذه الموارد. الوزارات الأخرى تدير نسبة 7% من الموارد، والشركات العامة 1%، والمؤسسات التعليمية 1%، والمؤسسة العلاجية (وهي هيئة تضم عددا من المستشفيات ذات الطبيعة الخاصة التي تدار ذاتيا وتقدم الخدمات العلاجية وتخضع لإشراف وزارة الصحة) بنسبة أقل من 1%، والنقابات بنسبة أقل من 1%، والمؤسسات الأهلية بنسبة أقل من 1%.
ولكن كيف تستخدم موارد الرعاية الصحية في مصر؟ على مرافق وزارة الصحة بنسبة 25% (أي أن ربع الإنفاق الكلي على الصحة يتم إنفاقه على مرافق وزارة الصحة)، وعلى مرافق التأمين الصحي 5%، والمستشفيات الخاصة 6%، والعيادات الخاصة 25%، والصيدليات الخاصة 23%.
توزيع الإنفاق من الجيب حسب نوع مقدمي الخدمة:
-المستشفيات الخاصة والعيادات الخاصة وحدها تحصل على نحو 50% من الإنفاق من الجيب (العيادات الخاصة 41.9% والمستشفيات الخاصة 9%)
- مستشفيات وزارة الصحة 3.5%
- المستشفيات الجامعية 3.1%
- المستشفيات العامة الأخرى 0.9%
- مستشفيات التأمين الصحي 0.8%
- مراكز وزارة الصحة 3.2%
- الدواء 33%
-أخرى 4 %
وفي التقرير إشارة هامة إلى دور العيادات والصيدليات الخاصة فيما يتعلق بالإنفاق على الدواء. فالإنفاق الإجمالي على الدواء يمثل حوالي 37% من جملة الإنفاق الكلي على الصحة (8.5 مليار جنيه من إجمالي 23 مليار جنيه). في حين أن الإنفاق على الدواء من الجيب يصل إلى نحو 4.6 مليار جنيه مصري وهو يمثل 58% من إجمالي الإنفاق الكلي على الدواء. وهي بالطبع نسبة مرتفعة جدا ومقلقة للغاية خاصة في غياب أي تنظيم أو رقابة حقيقية على صرف الدواء من الصيدليات الخاصة.
البنية التحتية للرعاية الصحية تتكون من: 1250 مستشفى عام بقوة 116 ألف سرير تقريبا، بينما المستشفيات الخاصة عددها نحو 1200 وبها 23 ألف سرير.
نلاحظ أيضا من تلك الوثيقة / التقرير أن معدلات الزيارة للعيادات تمثل 3.7 زيارة سنوياً، في حين أن معدل الدخول للمستشفيات كان أقل من زيارة واحدة في السنة (تحديداً 0.89 زيارة سنوية). ومن المهم أن نلاحظ أن 84% من الزيارات الداخلية للمستشفيات تتم في المرافق العامة في وزارة الصحة والتأمين الصحي والمستشفيات التعليمية (أي المرافق العامة الحكومية)، في حين أنه 55% من زيارات العيادات تتم في العيادات الخاصة.
باختصار شديد، يمكن تلخيص إشكاليات الإنفاق على القطاع الصحي من واقع تقرير الحسابات القومية للصحة في الآتي:
1. مصر تنفق أقل من المتوسط على الرعاية الصحية مقارنة بالدول المماثلة في الشريحة الاجتماعية والاقتصادية.
2. التقرير الحالي والتقارير السابقة تظهر ارتفاع نسبة الإنفاق من جيوب أرباب الأسر على الرعاية الصحية، وخاصة في قطاع الدواء.
3. تمويل الرعاية الصحية في مصر مازال مبعثرا وغير موحد مما يؤدي إلى عدم كفاءة ونقص فاعلية استخدامه.
4. ثمة خلل في توزيع الإنفاق الصحي وإتاحة الخدمات الصحية خاصة في الريف مقارنة بالحضر، والجنوب مقارنة بالشمال.
الشيء المؤسف هو أن الوثيقة توصي في النهاية بمجرد إعادة تنظيم وهيكلة الإنفاق على الصحة من الجيب ـ والذي يتجاوز 60% من جملة الإنفاق ـ في إطار تأميني (لتحمل مخاطر المرض) وتحقيق العدالة والشمول في التغطية، وكذا إعادة توجيه الإنفاق العام والخاص على الصحة إلى وعاء مالي تأميني قومي موحد قد يسمى الصندوق القومي للتأمين الصحي.
في الختام يوجد لدي ست ملاحظات أخيرة على هذه الوثيقة:
1. علينا أن نتساءل لماذا هذه الزيادة المستمرة في حجم الإنفاق من الجيب وبالذات في قطاع الدواء وفي العيادات الخاصة؟
2. نلاحظ من الدراسة تدني نسبة العلاج الوقائي مقارنة بالعلاجي. لماذا؟
3. نلاحظ نقص الإنفاق الكلي منسوبا للناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالمعايير الدولية. فبعض البلدان تنفق ما بين 9% و14% ، وتعهد أبوجا لعام 2001 التزم بموجبه أعضاء الاتحاد الإفريقي ـ ومن بينهم مصر ـ بالعمل نحو تخصيص 15% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الصحي.
4. للأسف ترجع الوثيقة الزيادة في الإنفاق الكلي إلى ارتفاع تكلفة الخدمة والى زيادة الطلب على الخدمة في القطاع الخاص، وهو موضوع يحتاج مناقشة لأسبابه المحتملة. هل التضخم أحد الأسباب؟ هل حركة السوق لدينا منفلتة؟ هل هناك ما يسمي بخلق طلب مزيف على احتياجات مزيفة فيما يتعلق بالرعاية الصحية في مصر؟ هل هناك شبهة تربح في أنظمة وسيطة عديدة تدخل ضمن هذا النظام متعدد الأجنحة sub-systems ؟ مجرد تساؤلات تحتاج إلى مناقشة.
5. عندما ترصد الوثيقة أن 84% من الدخول إلى المستشفيات يتم في المستشفيات العامة، إذن فإن أي مساس بهذه المستشفيات العامة يكون بمثابة جريمة في حق الشعب المصري.
6. أشارت الوثيقة إلى أهمية إعادة هيكلة الإنفاق من الجيب وحسب، بينما لم تذكر أهمية زيادة الإنفاق العام باعتباره من أهم أولويات الدولة كأحد ركائز التنمية الحقيقية والاستثمار في الصحة في مصر كما أشار الأستاذ عبد الفتاح الجبالي في عرضه.