كلمة الأستاذ عبد الفتاح الجبالي - رئيس وحدة البحوث الاقتصادية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

أود أولاً أن أشكر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والأستاذ حسام بهجت والدكتور علاء غنام على الدعوة الكريمة للمشاركة. أعتقد أن قضايا الصحة والتعليم في مصر هي من أهم الموضوعات الآن التي يجب أن نوليها أهمية قصوى فيما يتعلق بمتابعة التطورات الحادثة فيهما، وبالذات فيما يتعلق بتطور دور الدولة في هذين المجالين على وجه الخصوص، إذ يعتبران من أهم دعائم التنمية البشرية والتنمية بشكل عام. فالقضايا المتعلقة بالحالة الصحية للأفراد تؤثر مباشرة في كفاءة العملية الإنتاجية في المجتمع. ومن ثم فمسألة تحسين نوعية الحياة وغيرها من قضايا التنمية البشرية، ترتبط جميعها ارتباطاً وثيقاً بموضوع الإنفاق على الصحة.

وفي واقع الأمر يحقق الإنفاق على الصحة مجموعة من الأهداف التنموية الأساسية من خلال إيصال الخدمات الصحية لقرى ونجوع المجتمع المصري، مما يعود بالنفع بشكل عام على قطاعات أكبر من السكان. ويمكننا أن ندرك أن الإنفاق العام على الصحة بما ينعكس على برامج التطعيمات الوقائية ومعالجة انتشار الأوبئة والأمراض المستوطنة وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالبرامج الصحية المختلفة، جنباً إلى جنب مع تعزيز قدرة الأسرة المصرية على التصدي لمسألة العلاج، كلها أمور تظهر كيف أن الإنفاق على الصحة من الأمور التي تلعب دوراً مهماً جداً في الإنفاق التنموي بشكل عام.

ولقد دار الجدل في المجتمع المصري في الفترة الأخيرة، فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، حول أيهما الأفضل والأقدر على تقديم الخدمة الصحية، هل الحكومة أم القطاع الخاص؟ وكان ثمة وجهة نظر ترى أن القطاع الخاص هو الأقدر على تقديم الخدمة الصحية بشكل أو بآخر. ويدللون على ذلك بأنه إذا أرجعنا الأمر إلى معدل التنمية، فإذا ارتفع معدل النمو فهذا في حد ذاته سيحدث نوعا من الآثار الإيجابية على مستوى المجتمع، ومن ثم يكون له تأثير إيجابي على قضية الصحة العامة بشكل عام.

وجهة النظرهذه نراها غير دقيقة أو ليست صحيحة على إطلاقها. فزيادة النمو في حد ذاتها لا تنعكس على جميع أفراد المجتمع بشكل عادل من حيث عدالة توزيع الدخل، وبالتالي تختلف آثار النمو بين شرائح المجتمع المختلفة. بمعنى أننا يمكن أن نحقق معدلات نمو مرتفعة ولكن دون حصول قطاع عريض من المواطنين على عائد وبالتالي لا ينعكس على قدرتهم على تحمل تكاليف العلاج. القضية الثانية فيما يتعلق بهذا الأمر أن زيادة معدل النمو لا تضمن بالضرورة التأثير الإيجابي على مستويات الصحة في المجتمع بشكل عام لأن هذا بدوره رهن لمجموعة السياسات الصحية بشكل عام.

من أجل ذلك ففي المالية العامة يطلقون علي الخدمات الصحية أنها من "السلع العامة." و"السلع العامة" هي ببساطة شديدة تلك التي لابد أن يكون للحكومات والدولة دور أساسي في إدارتها، خاصة وأن كل برامج التنمية أثبتت أن الاعتماد على آليات السوق في حد ذاتها في هذا المجال يؤدي إلى آثار سلبية أكثر من أية آثار إيجابية محتملة. ومن ثم ففكرة أن تتخلى الدولة بشكل أو بآخر عن دورها في الإنفاق العام على الصحة، أو أن تقلله، هو أمر مردود عليه للأسباب التي سبق ذكرها. وبالتالي يتحتم أن يكون تحسين الحالة الصحية ووصول الخدمات الصحية لكافة المواطنين في المجتمع هدفا أساسيا لأي حكومة في أي مجتمع من المجتمعات، بغض النظر عن طبيعة النظام الاقتصادي القائم بهذا المجتمع.

من هنا حاولت تتبع الإنفاق العام في مجتمعنا، ومن ثم سأتكلم عن الإنفاق العام فقط، لن أتكلم عن الإنفاق المجتمعي بشكل عام على الصحة، وسأترك الفرصة للدكتور علاء غنام ليتحدث عنه. ما أقصده بالإنفاق العام هو الإنفاق في الموازنة العامة في الحسابات الختامية للدولة. وهذا تحديدا هو ما يعبر بشكل أو بآخر عن السياسة الصحية للدولة وأهدافها التنموية. وفيما يتعلق بالإنفاق العام على الصحة فثمة هدفان رئيسيان يجب تناولهما إذا كنا بصدد تقييم الإنفاق العام على الصحة في مصر: أولا، كيف نسهل الحصول على الحزمة الأساسية من الخدمات الصحية للمواطنين وفقا للحالة الصحية للمواطن، وثانيا، كيف نضمن الحماية الصحية للفقراء، وننشر الخدمات الصحية في كافة أرجاء المجتمع بما فيها القرى والنجوع وأقاصي البلاد.

من هنا في الحقيقة نجد أن الحجم الأمثل للإنفاق العام على الصحة مرتبط بمستوى التطور الاجتماعي في المجتمع، ومن ثم لا ينبغي مناقشته من منظور عجز الموازنة والعلاقة بينه وبين عجز الموازنة، ولكن من منظور العلاقة بينه وبين طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة في المجتمع. موضوع عجز الموازنة له مجالات أخرى يمكن تناولها، ولكن في موضوع الإنفاق على مجال الصحة بالذات فالمسألة مرتبطة بمدى ملائمة مستوى الإنفاق لطبيعة المشكلات الصحية الموجودة وهيكل الإنفاق العام على الصحة ذاته. فقد يكون الإنفاق على الصحة مرتفعا ولكن هيكل الإنفاق لا يؤدي إلى تحسين ما نسميه "فاعلية الإنفاق العام على الصحة".

ونجد هنا عدة أسئلة يمكن طرحها للبحث في مجال الصحة: فما هي المبادئ والمعايير التي يتم الاسترشاد بها عندما نتحدث عن مستوى الإنفاق العام الذي تزمع الحكومة تطبيقه فيما يتعلق بالمجالات الصحية؟ ثم كيف يمكن تمويل هذا الإنفاق؟ وما هي الآثار التي تنجم عن برامج الاستثمار الحكومي في مجال الصحة؟ وأي فئات المجتمع ستستفيد من برامج الإنفاق الحكومي في مجال الصحة؟ وأخيرا كيف يمكن تحسين تخصيص الإنفاق العام على مجالات الصحة بشكل عام؟

ليست القضية أنه كلما زاد حجم الإنفاق العام على الصحة كلما كان المجتمع على مستوى صحي أفضل. لأنه على مستوى الواقع يمكن أن تكون الخدمات المقدمة أقل كفاءة وجودة بينما يوجد إهدار للموارد في الإنفاق بشكل كبير. العبرة هنا بهيكل وتطور الإنفاق وطبيعته.


في هذا السياق عندما ننظر للتطور فيما يخص الإنفاق العام على الصحة في مصر نجد أنه في آخر موازنة عامة والتي نطبقها حاليا بلغ الإنفاق العام على الصحة حوالي 12.1 مليار جنيه من إجمالي "المصروفات العامة". وعندما نتناول الإنفاق على الصحة فإننا سنتحدث عن المصروفات العامة لأجل الدقة. إجمالي الإنفاق على الصحة كنسبة من المصروفات العامة في الموازنة العامة للدولة لا يتجاوز 3.6% فقط من الإنفاق كنسبة من الموازنة العامة في عام  2008 - 2009، في حين أنها كانت 1.2% من الموازنة العامة في عام 2001 - 2002.

وعندما ننظر إلى هذا الرقم الذي نشر - 12.1 مليار جنيه - وهو حجم الإنفاق العام على قطاع الصحة، نجد أن معظمه يذهب إلى الأجور. فالأجور تأخذ النسبة الغالبة من مصروفات الصحة بنسبة تبلغ حوالي 50% من إجمالي الإنفاق في الصحة. المشكلة في هذا الجانب فيما يتعلق في موضوع زيادة الإنفاق على الأجور، أنه قد يبدو من هذه النسبة أن مستويات الأجور للعاملين في القطاع الصحي مرتفعة، وهي في الحقيقة ليست كذلك. فثمة مشكلتان في هذا السياق في واقع الأمر: أولا، ارتفاع مستوى الإنفاق على الأجور كمكون داخل الإنفاق العام على الصحة من جانب، وثانيا، عدم كفاية هذا المستوى من الأجر لضمان حياه كريمة للعاملين في هذا المجال بما يؤثر بالسلب على مستوى الأداء الحكومي.

في قطاع الصحة نرى نسبة التغيب عن العمل في الوحدات الصحية خاصة في المناطق الريفية والنائية مرتفعة. كما نرى الجمع بين أكثر من وظيفة لتحقيق دخل ملائم. ونرى مشاكل كثيرة خاصة في الوحدات الصحية الريفية، كل هذا - في وجهة نظري - يرجع في معظمه إلى ضعف مستويات الدخل في هذا القطاع.

القضية الثانية تتمثل في حقيقة أنه بالرغم من أن الأجور تستحوذ على الجانب الأكبر من الإنفاق العام على قطاع الصحة إلا أن هذا البند أصلا لا يكفي لاحتياجات العاملين في هذا القطاع، وفي الوقت ذاته نجد أن نسبة الإنفاق العام المخصص لشراء السلع والخدمات هو ما ينفق على كافة المستلزمات. فمثلا المواد الخام لم تتجاوز تكلفتها في الإجمالي 1.6 مليار جنيه، والأدوية فقط 600 مليون جنيه في الإجمالي. وكذلك أغذية المرضى 200 مليون، بالإضافة إلى نسب ضئيلة للأمصال والطعوم. هذه المبالغ زهيدة ولا تتناسب بأي حال من الأحوال مع احتياجات هذه المؤسسات من الأدوية أو من الأمصال الضرورية للوحدات الصحية. وبالتالي نرى المريض عندما يذهب إلى المستشفى يطلب منه شراء "السرنجات" أو غيرها من الأساسيات. كل هذا مرتبط أيضا ليس فقط بضعف البند المخصص لشراء الخامات والمستلزمات في الموازنة، ولكن الأكثر من هذا هو طريقة الشراء نفسها التي تؤدي إلى المغالاة في سعر شراء الخامات بشكل كبير، وأحيانا تبديل الخامات بغيرها بسعر أقل (على حساب الجودة) في المناقصات الحكومية. وهذه النقطة من الممكن أن نعمل عليها بشكل كبير.

ثم نأتي إلى بند الاستثمارات العامة وهو ما يتناقص سنويا نتيجة لعدة أمور مرتبطة بالتزام الحكومة بسداد مستحقاتها لقطاع المقاولين والشركات. وبالتالي نجد أن معظم الشركات تحجم عن الدخول في مناقصات وزارة الصحة أو تزيد من أسعارها بصورة كبيرة لكي تضمن تعويض الفرق بين عائد تأخير سداد المستحق على وزارة الصحة وحصولها على الأموال اللازمة، وهو بالتالي ما يزيد من تكلفة الحصول على الخدمة في النهاية.


أيضا فيما يتعلق بتفاصيل الإنفاق العام نلاحظ تفاوت الإنفاق العام على الصحة بين الريف والحضر في مصر، رغم أننا نقول مثلا أن صعيد مصر فيه أكثر حالات الفقر الصحي في المجتمع، إلا أنه لا يحصل على النسبة الغالبة من الإنفاق العام على الصحة، بل بالعكس تذهب النسبة الغالبة إلى حضر المجتمع المصري. والفارق بين الحضر والريف في الإنفاق العام على الصحة واضح حيث يقترب من 67%. كما لا تحصل الشريحة الدنيا من الدخل إلا علي 16% من الإنفاق على الصحة بينما الشريحة الأعلى من مستوى الدخل في مصر تحصل على 24% من الإنفاق العام على الصحة. ولو أضفنا لهذه الشريحة (العليا) الإنفاق الخاص الموجه لها نكتشف أنها تحصل على معظم الإنفاق. ومن ثم فإن معظم الإنفاق العام في واقع الأمر يذهب إلى الإنفاق على الأجور، وبالتالي تصبح الخدمات العلاجية والطبية الوقائية وغيرها من الأمور التي تصنع السياسة الصحية غير قادرة على تحقيق الأهداف الخاصة بالسياسة الصحية وفقا للإنفاق العام للمجتمع ووفقا لتحليل الموازنة مثلما أوضحنا.

القضية الأساسية هنا تتلخص في نقطتين، أولهما كيف يمكن تحقيق ما يسمى "فاعلية الإنفاق العام"؟ بمعنى أنه كيف يعود مبلغ الـ 12 أو 13 مليارا هذا بالنفع على أكبر شريحة ممكنة في المجتمع؟ هذه هي النقطة الأولى، فالإنفاق العام لابد له وأن يذهب إلى حيثما تم تخصيصه له من أهداف.

النقطة الثانية هي كيف يمكن لمبلغ الإنفاق العام على الصحة أن يزيد في الموازنة العامة للدولة بحيث يصبح موضوع الإنفاق على الصحة واحدا من أولويات المجتمع، وذلك بالطبع مرتبط بقضية عامة هي كيفية صنع الموازنة العامة في المجتمع، وتأثير المجتمع المدني بشكل عام والجمعيات الأهلية - مثل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية - في عملية صنع الموازنة العامة للدولة.

لدينا ميزة نتجت مؤخرا عن التعديلات الدستورية الأخيرة التي أصبح بمقتضاها من حق السلطة التشريعية - الممثلة في مجلس الشعب - أن تعدل الموازنة العامة بالكامل دون الرجوع إلى الحكومة. وبالتالي تعد هذه أداةً مهمة جدا للمجتمع المدني والمنظمات الأهلية بحيث تصبح قادرة وواعية بكيفية التعامل مع الموازنة وتعرف تحديدا ما تريد تعديله في الموازنة العامة للدولة. وبالتالي، فحين تتم مناقشة الموازنة العامة للدولة، يمكن أن يمارس نوع من الضغط على السلطة التشريعية، من خلال مخاطبة البرلمان، أو من خلال لجان استماع داخل البرلمان، أو من خلال أمور كثيرة يمكن فعلها. وبالتالي يتمكن المجتمع المدني من أن يعيد هيكلة الإنفاق، بحيث يطالب بتعديلات محددة لبعض البنود وهيكلة الإنفاق العام بما يحقق الأهداف التي يراها المجتمع المدني ضرورية. ومن ثم يتم الضغط بشكل أو بآخر في هذا المجال.