دستورياً تعتبر وزارة الصحة والسكان مسئولة عن صحة جميع المواطنين المصريين، بمعنى العمل على تحسين الحالة الصحية لهم جميعاً بلا تمييز ولا تفرقة، وخاصة الاتجاه لخفض معدل وفيات الأطفال والأمهات والحوامل والحد من آثار الزيادة السكانية غير الرشيدة وكذا الحد من مخاطر عبء المرض على المجتمع وإنتاجيته وتطوره.
وفي بداية عام 1996 قامت وزارة الصحة والسكان بإعادة تقييم للقطاع الصحي، اتضح من خلالها مدى الاحتياج لإصلاح صحي شامل. وخلال نفس العام جرت مناقشات واسعة بهذا الخصوص آخذة في الاعتبار مدى قدرة الحكومة على توفير رعاية صحية شاملة (وقائية وأولية وعلاجية لجميع المواطنين). وفي نوفمبر من عام 1996 قام وزير الصحة والسكان في ذلك الوقت بتشكيل لجنة عليا لقيادة الإصلاح الصحي وللتنسيق مع كافة الجهات المعنية لمناقشة كيفية البدء في عمليات الإصلاح الصحي.
وقدمت هذه اللجنة الوثيقة الأساسية المعتمدة لبرنامج الإصلاح الصحي والتي حددت الاستراتيجيات الآتية:
· تغطية السكان بالكامل تدريجياً بخدمات التأمين الصحي من خلال إنشاء صندوق قومي للتأمين الصحي.
· تنظيم تقديم الخدمة الصحية من خلال القطاعين العام والخاص بنظام يرتكز على نموذج صحة الأسرة.
· اللامركزية في تقديم الخدمات الصحية باستخدام منهجية التخطيط والإدارة على مستوى الإدارات الصحية في المحافظات.
· تقديم الخدمات الصحية الوقائية والأولية والعلاجية من خلال وحدات ومراكز صحة الأسرة والمستشفيات المركزية.
· التكامل في تقديم الخدمة الصحية على مستوى وحدات الرعاية الصحية الأولية من خلال طبيب الأسرة الذي يعمل كحارس لبوابة النظام الصحي.
· إمكانية الاختيار والمنافسة بين مقدمي الخدمة الصحية بالقطاعين العام والخاص.
· تطوير الهياكل والنظم الإدارية والتنظيمية الضرورية لتنفيذ عملية الإصلاح.
· التأكيد على توفير الأدوية الأساسية لكل المصريين بأسعار مقبولة.[4]
ولتوفير ما سبق ـ أو البدء في تنفيذه ـ كان من الضروري اضطلاع الوزارة بإجراء يتيح لها تنفيذ عملية التخطيط الإستراتيجي بناءً على معطيات واقعية لما ينفق على الرعاية الصحية. ومن ثم فقد طورت الوزارة ما يسمى بتقرير الحسابات القومية للصحة (NHA).[5] والحسابات القومية للصحة، إضافة لكونها أداة للتخطيط الاستراتيجي، فإنها تضع وصفاً شاملاً لمصادر الإنفاق (العام والخاص) ومساراته داخل النظام، وجهات إدارته، والأدوار الوسيطة فيه؛ لذا فهي تشمل تحليلاً للإنفاق الكلي على الرعاية الصحية، والذي يتكون من كل من الإنفاق العام (الحكومي)، والإنفاق الخاص، والإنفاق التأميني.
ويتكون الإنفاق الخاص من:
1. الإنفاق الذاتي المباشر من الجيب أو ما يسمى (OOP) out of pocket spending
2. جزء من الاشتراكات التأمينية الخاصة والعامة premiums
3. المدفوعات الإضافية في التأمين co-payments
4. رسوم الخدمة الصحية العامة والخاصة user fees
5. الإنفاق من الجيب على الدواء
أما الإنفاق العام (الحكومي) فهو يمثل ما تخصصه الخزانة العامة للخدمات والرعاية الصحية، ولذلك فهو يمثل نسبة من الموازنة العامة سنوياً.
بينما يشمل الإنفاق التأميني على الرعاية الصحية جزءاً يدفعه المواطنون (مما يعد إنفاقاً خاصاً) وهو الأغلب، وجزءاً تدفعه الخزانة العامة بنسب حددتها القوانين التأمينية المطبقة حتى الآن. وخير مثال لتفسير ما سبق هو قانون 99 لسنة 1992 للتأمين على طلاب المدارس، حيث يمثل اشتراك الطالب السنوي قيمة 4 جنيه مصري سنوياً (يمثل إنفاقاً خاصاً)، فضلاً عن دفع إضافي يمثل ثلث ثمن الدواء (إنفاق خاص أيضاً)، واشتراك حكومي بقيمة 12 جنيهاً لكل طالب سنوياً (إنفاق عام من الخزانة العامة).
وللانتهاء من وصف وتحليل الحسابات القومية، تستخدم الوزارة حزمة من بيانات الخزانة العامة ووزارة المالية المخصصة للرعاية الصحية عبر وزارة الصحة والوزارات الأخرى التي تقوم بتقديم خدمات صحية، كوزارتي التعليم العالي والدفاع. وتستند أيضا إلى مسح الإنفاق الأسري على الرعاية الصحية Household Survey (وهو يمثل الإنفاق الخاص من خلال عينات مقننة) في تقدير حجم ونوعية الإنفاق الخاص، ومكونات الإنفاق الذاتي من الجيب.
ويقدم تقرير الحسابات القومية للصحة في نهايته التوصيات العامة التالية لصانع القرار والمخطط الاستراتيجي في قطاع الرعاية الصحية:
· ضرورة إصلاح القطاع الصحي
· أهمية إعادة هيكلة القطاع لتحقيق الاندماج والتكامل
· أهمية إعادة تنظيم الإنفاق الصحي وهياكله في إطار تأميني شامل
· إعادة توجيه الإنفاق العام والخاص على الرعاية الصحية في صندوق قومي موحد لتحمل مخاطر المرض
والجدير بالملاحظة أيضا أن التقرير لم يشر إلى العناصر الأهم والتي تعد جوهر التحديات القائمة، ومنها أن ما ينفق على الرعاية الصحية من الموازنة العامة أقل من المتوسط المناسب مقارنة بالدول المثيلة في نفس الشريحة الاجتماعية والاقتصادية (المتوسط المناسب من 8% إلى 10% حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية). وأن ما ينفق على الرعاية الصحية من مصادر الإنفاق الذاتي OOP يتصاعد بوتيرة مستمرة ليتجاوز المعدلات العالمية المقبولة، خاصة في خدمات العيادات الخاصة والصيدليات، مما يعكس ضعف كفاءة النظام الصحي وعشوائية السوق الطبي وانفلاته بما لا يحقق أهداف الإنصاف والإتاحة، ويؤدي إلى انتهاك الحق في الرعاية الصحية. فضلاً عن تباعد الفجوة في إتاحة الخدمة الصحية بين الريف والحضر وبين الشمال والجنوب.
في سياق ما سبق، فإن الحوار الذي تنشره المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حول الإنفاق الصحي يطرح عدة تساؤلات في مواجهة الإجراءات والسياسات التي تتخذها وزارة الصحة ممثلة للحكومة فيما يتعلق بحق المواطن المصري في رعاية صحية تتوافر بها عناصر الجودة والكفاءة والإنصاف والإتاحة. كما يطرح تساؤلات إضافية حول مدى استفادة المخطط الاستراتيجي وصاحب القرار من نتائج الحسابات القومية الصحية المشار إليها. فمن الواضح أن نتائج تلك الدراسات يجري تجاهلها عند رسم مجمل السياسات التي تتخذ أو التي يتم تنفيذها بعد ما يزيد عن عشر سنوات من بداية تنفيذ برنامج إصلاح القطاع الصحي (1997) وبما يخل وينتهك الحق في الرعاية الصحية من منظور الإنصاف والإتاحة والشمول والتوافر.
وفيما يلي ملخص للحوار الذي دار بمقر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والذي أعده برنامج الصحة وحقوق الإنسان يوم الثلاثاء 26 أغسطس 2008 بعنوان "واقع وإشكاليات الإنفاق على الصحة في مصر"، وبمشاركة عدد من الخبراء في الصحة والاقتصاد بالإضافة إلى فريق العمل في المبادرة المصرية.