"لقد كشفت الأدلة عن أن المواطنين عندما يتاح لهم الحصول على المعلومات والمشاركة في عملية صنع الموازنة فإنهم يتمكنون من تحسين نوعية القرارات التي تتخذ حول مجالات إنفاق الأموال العامة، والنوعية والكيفية التي يتم بهما إنفاق الأموال فعلياً، ويعني ذلك بدوره أن يصبح تخصيص الموارد العامة أكثر فعالية وتوازناً."[1]
في أغسطس من عام 2008 نظمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في إطار أنشطة برنامج الصحة وحقوق الإنسان مائدة مستديرة للحوار وتبادل الرؤى بين مجموعة من الخبراء في مجالات السياسات والنظم الصحية حول إشكالية الإنفاق الصحي العام والكلي من حيث تأثيره على النظم الصحية وعلى صحة المواطن، واستشراف الرؤية المستقبلية لتحسين الحالة الصحية، وكفالة حق المواطن في رعاية وحماية صحية متكاملة وإنسانية.
وتتبنى المبادرة المصرية وبرنامج الصحة بها – بطبيعة الحال – مقاربة حقوقية تنطلق مما أكدته المواثيق الدولية بشأن الحق في الحياة، والحق في الصحة، كحقين أصيلين من حقوق الإنسان، يجب على الدول أن تحترمهما وتصونهما وتفي بهما. ولا يشمل الحق في الصحة فقط تقديم الخدمات العلاجية والوقائية، بل يمتد إلى كفالة حق كل شخص في مستوى من المعيشة يكفي لضمان الصحة والرفاه له ولأسرته. كما أنه التزام من الدول الأطراف الموقعة على تلك المواثيق والعهود بإطار من الاحترام والحماية والأداء لحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسدية والعقلية يمكن بلوغه.
وقد شهدت العقود الأخيرة جهود العديد من الحكومات في العالم من أجل إصلاح وإعادة تنظيم أنظمتها الصحية، فقامت بتطوير أنظمة جديدة للتأمين الصحي وطرق تقديم خدمات الرعاية الصحية الأساسية، وفككت مركزية نظم إدارة تقديم الخدمات الصحية الحكومية، من أجل تحقيق أداء أفضل، وإنصاف أفضل. إلا أن العديد من هذه الجهود أفضى إلى نتائج مخيبة للآمال،[2] فمازال المرضى يشكون من سوء الخدمة المقدمة إليهم، ومازال الأطباء يشكون من ضعف الرواتب، ومازال القائمون على وضع الموازنات يشكون من نقص الموارد وارتفاع التكاليف في القطاع الصحي.
كما دخلت بعض البلدان ومنها مصر في جولات متتالية من محاولات الإصلاح بإصدار التشريعات، بينما كان البعض الآخر يصارع من أجل تنفيذ خطط على الأرض، والبعض الثالث يراوح في مكانه محتاراً بشأن الخطوة التالية.
وكان ما يشغل برنامج الصحة وحقوق الإنسان بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية - إضافة لدوره في تحليل ومتابعة السياسات الصحية المنفذة، والإجراءات التي تتخذ على الأرض (وبشكل متصاعد في العامين الماضيين في اتجاه ينحو إلى تخلي الدولة عن دورها الأساسي في إتاحة وتقديم وتمويل الرعاية الصحية التأمينية لكل المواطنين بإنصاف وعدالة) – هو قياس تأثير تلك السياسات على صحة المواطنين من منظور حقوقهم في الرعاية والحماية التأمينية المتكاملة.
لذلك كان لإشكالية الإنفاق على الرعاية الصحية في محورها العام (الحكومي) وفي محورها الكلي الاجتماعي، أهميتها الاستثنائية في مسار تقييم النظام الصحي والسياسات ـ الكبرى منها والصغرى ـ التي تعكس توجهات النظام بشكل عام. وتستلزم عملية مراجعة الإنفاق الحكومي العام على القطاعات المختلفة بما فيها الرعاية الصحية توفر قدرا معقولا من الشفافية في المعلومات والبيانات. وكما هو معلوم فإن "الموازنة تعتبر خطة حكومية تحدد فيها الكيفية التي تستخدم بها الموارد العامة للارتقاء بحاجات المواطنين، كما تعني الشفافية أن تتوافر لكل سكان البلد المعني إمكانية الوصول إلى المعلومات المتعلقة بحجم المبالغ التي يجري تخصيصها لكافة أشكال الإنفاق المختلفة، وأي عوائد يتم جمعها، والكيفية التي يتم بها صرفها، واستخدام الإيرادات العامة الأخرى."[3]
في هذا السياق نظمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية المائدة المستديرة لمناقشة آليات الإنفاق الصحي العام والكلي ومصادره ومساراته ونتائجه، حيث نسعى لصياغة وبلورة اتجاه عام يصلح لأن يُطرح كبديل متكامل لما يحدث على أرض الواقع من انتهاكات لحق الإنسان المصري في الصحة، ويساعدنا على النظر إلى النظام الصحي بوصفه وسيلة من أجل تحقيق غاية، وأن نحاكم نظامنا الصحي على أساس النتائج المترتبة على سياساته، وتحديد المشاكل من خلال مفردات القصور في مؤشرات الإنصاف والإتاحة وكفاءة الأداء - وكلها مؤشرات كمية وكيفية للحق في الرعاية الصحية. فنحن نهدف بالحوار إلى فهم السياق السياسي للنظام الصحي لإصلاحه، ونفهم أن البدائل سوف تتضمن - لا محالة – اختيارات وتحديات حقوقية وأخلاقية.
ونظرا لما سبق، فقد شملت المائدة مداخلتين رئيستين: إحداهما عن الإنفاق العام على الرعاية الصحية قدمها أ. عبد الفتاح الجبالي، رئيس وحدة البحوث الاقتصادية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ومستشار وزير المالية السابق؛ والثانية عن الإنفاق الكلي على الرعاية الصحية من واقع الحسابات القومية للصحة (National Health Accounts) قدمها د. علاء غنام مدير برنامج الصحة وحقوق الإنسان بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والذي سبق له العمل كمدير عام للسياسات والاستراتيجيات ببرنامج إصلاح القطاع الصحي في وزارة الصحة.
وبهدف تيسير متابعة المداخلتين والحوار ـ ووضعهم في سياقهم الأوسع ـ فقد رأينا إضافة مدخل يقدم مجموعة من المعطيات المعرفية والإحصائية حول مفاهيم الإنفاق الصحي.