![]() |
| - الحق في الخصوصية || الصحة وحقوق الإنسان || العنف والسلامة الجسدية | English |
|
الحق في الحصول على الدواء فى ظل النظام الحالي للملكية الفكرية * حلمي الراوي[1] يثير تنظيم موضوع الملكية الفكرية في إطار اتفاقيات التجارة العالمية عدة إشكاليات أهمها قدرة الدول النامية – ومن بينها مصر - على الوفاء بالتزاماتها تجاه إعمال حق الأفراد في التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه - وعلى وجه الخصوص حق الأفراد في الحصول على الأدوية - كما هو منصوص عليه في المعايير الدولية لحقوق الإنسان. فالواقع العملي يؤكد أن الكثير من الأدوية التي يتم تداولها في الدول النامية أدوية جنيسة generic (مثيلة أو بديلة) ولا تخضع – غالباً – لنظام الحماية عن طريق براءة الاختراع، ويجرى تصنيعها في بلدان مثل البرازيل والهند بعملية هندسة عكسية، وهى عملية تحليل للمنتج الدوائي لمعرفة مكوناته ثم تقليده.وعملية الهندسة العكسية لم تكن محل انتهاك للاتفاقيات السابقة على التريبس حيث كانت هذه الاتفاقيات تحمى العملية الإنتاجية فقط، في حين أن التريبس تحمى كل من العملية الإنتاجية والمنتج النهائي[2]، وبينما تحمى اتفاقية التريبس براءات اختراع الأدوية لمدة عشرين عاما، فإن الدول النامية سوف تحرم من فوائد التقدم العلمي فى مجال الأدوية الجديدة المعتمدة على اكتشاف الخريطة الجينية نظراً لارتفاع أسعارها تحت دعاوى الشركات متعددة الجنسيات من ارتفاع تكلفتها بسبب التقنيات المتطورة المستخدمة فى إنتاجها، مما سيؤدى إلى تعزيز احتكارات هذه الشركات على سوق الدواء العالمي والتحكم فى أسعاره وفقاً لقانون العرض والطلب. أما الأدوية التي كانت متداولة فى السوق المصرية قبيل نفاذ الاتفاقية والتي تعتمد فى إنتاجها على استيراد ما يقرب من نسبة 80% من موادها الخام، كما يعتمد إنتاجها أيضاً على عقود تصنيع مع المنتج الأصلي للدواء يحصل من خلالها على عوائد حقوق ملكيته الفكرية، فإن هناك احتمالات لزيادة مقابل الترخيص بالتصنيع، أو سعر المادة الخام المستوردة مما سيؤدى فى نهاية الأمر إلى زيادة أسعارها، فضلاً عن ندرة الأنواع المستوردة تامة الصنع لخضوع أسواقها (الهند، والبرازيل) بدورها لقواعد الحماية الواردة فى الاتفاقية. ما هي هذه الاتفاقية التي تحمل كل هذه التهديدات، وكيف يمكنها أن تفعل ذلك؟ وما السبيل للحد من هذه التهديدات؟ هذه الأسئلة هي ما يحاول هذا المقال الإجابة عنها.
ما هي اتفاقية تريبس؟ في 15 أبريل 1994، وقع وزراء التجارة للحكومات الأعضاء فى لجنة المفاوضات التجارية لجولة أوروجواي – فى إطار أمانة اتفاقية الجات 1947 – بصفة مبدئية على الوثيقة الختامية المتضمنة نتائج تلك الجولة، والتي تمخضت عن "اتفاقية مراكش بإنشاء منظمة التجارة العالمية" - التي حلت محل أمانة اتفاقية الجات 1947،[3] بما تضمنته من ملاحق متممة لأحكامها وجزء لا يتجزأ منها، حيث تضمنت هذه الملاحق الملحق (1 )- جيم المخصص لاتفاقية جوانب التجارة المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية (تريبس)، والتي تعد بمثابة الإطار القانوني الدولي الذي يتضمن قواعد الحماية لمجموعات سبع من حقوق الملكية الفكرية، تغطى أربع مجالات يهمنا منها – فى هذا الصدد – اثنان هما: براءات الاختراع، والمعلومات غير المفصح عنها، وهذه المجالات الأربع هي؛ 1– الملكية الأدبية والفنية وتشمل حق المؤلف والحقوق المتصلة به. 2 – الملكية الصناعية وتشمل العلامات التجارية، المؤشرات الجغرافية، التصميمات الصناعية، وبراءات الاختراع. 3 – الأسرار التجارية وتشمل المعلومات غير المفصح عنها. 4 – حالة خاصة للملكية الفكرية تتعلق بالتصميمات التخطيطية الأصلية للدوائر المتكاملة، وأخرى تتعلق بالتنويعات النباتية الجديدة. وتحيل الاتفاقية [التريبس] إلى اتفاقيات حقوق الملكية السابقة عليها باعتبارها مكملة لأحكامها، حيث أشارت الفقرة الأولى من المادة الثانية إلى أن الأعضاء ملتزمين بتطبيق المواد من 1 إلى 12 والمادة 19 من اتفاقية باريس لحماية حقوق الملكية الصناعية 1883 المعدلة فى استوكهلم 1967، وذلك فيما يتعلق بإتاحة حقوق الملكية الفكرية، ونطاقها، واستخدامها، وإنفاذها، واكتسابها، واستمرارها، وما يتصل بذلك من إجراءات. كما تبنت المادة الثالثة مبدأ المعاملة الوطنية التفضيلية لسائر مواطني البلدان الأعضاء [ فى الاتفاقية] فيما يتعلق بحماية الملكية الفكرية، وذلك بمراعاة الاستثناءات المنصوص عليها فى كل من: اتفاقية برن لحماية الأعمال الأدبية والفنية 1886 بما فيها تعديل باريس 1971، اتفاقية روما لحماية المؤدين والمنتجين للفونوجرامات وهيئات الإذاعة 1961، اتفاقية واشنطن لحماية حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالدوائر المتكاملة 1989. براءات الاختراع - نبذة تاريخية:
" ارتبطت فكرة براءات الاختراع بمفهوم الامتيازات الذي ظهر فى نطاق الممالك
والإمارات الأوروبية في القرون الأخيرة من لعصور الوسطي، وبالذات مع بداية القرن
الخامس عشر. وبمقتضى هذا المفهوم، يقوم الملك أو الأمير بمنح حق معين لشخص بذاته.
ومن هنا كانت كلمة " امتياز" التي تدل على تفرد ذلك
الشخص بالتمتع بهذا الحق. ومن هنا - أيضا - كان الارتباط الذي لا ينفصل ما بين
مفهوم الامتياز ومفهوم الاحتكار. وكانت جمهورية فينيسيا هي أولى البلاد التي وضعت لائحة تطبق بمقتضاها عملاً هذا المفهوم للامتيازات وهى Parte Veneziana فى عام 1474، إلا أن انجلترا كانت قد سبقت بالتطبيق العملي لهذا المفهوم - كما هي العادة - عندما كان الملك يمنح امتيازات خاصة للأفراد تكفل لهم الحماية عند إقامة وجوه جديدة للنشاط الصناعي. صدرت فى انجلترا فى عام 1628 لائحة الاحتكارات the Statute of Monopolies التي أعلنت بطلان كافة الاحتكارات والإعفاءات والمنح إلا أى خطاب مفتوح أو منحٍ لامتياز لمدة 14 عاما أو اقل يتم بعد هذا التاريخ بقصد تشجيع إقامة نشاطات صناعية جديدة فى المملكة. وكانت الثورة الصناعية فى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، هي الحدث الكبير والمناسبة التاريخية التي وفرت الفرصة الذهبية أو العهد الحقيقي لظهور براءات الاختراع اسما ومضمونا، وذلك باعتبار هذه الثورة احد عاملين تكاتفا معا لإقامة المشروع الصناعي الذي يستخدم الآلية كأساس للفن الانتاجى باعتبارها الوحدة الأساسية فى المجتمعات الصناعية.وفى الولايات المتحدة عام 1790،وفى فرنسا عام 1791 صدرت قوانين براءات الاختراع تتيح منح هذه البراءات لكافة المخترعين، ومع العقود الأولى للقرن التاسع عشر، بدأ انتشار نظم براءات الاختراع فى بلاد أوروبا، بالذات نتيجة لتطبيق القانون الفرنسي فى البلاد التي غزاها نابليون بجيوشه فى السنوات الأولى من ذلك القرن وأقام فيها حكومات تطبق القوانين الأساسية الفرنسية.وبانتشار الثورة الصناعية فى خارج انجلترا مع بدايات القرن التاسع عشر، شهدت البلاد الأوروبية تزايدا فى عدد البراءات التي كانت تمنح سنويا. لكن مابين عامي 1815 و 1820 كانت الدول الثلاث: انجلترا، الولايات المتحدة وفرنسا، هي التي زاد عدد البراءات الجديدة الصادرة فيها عن 100 براءة اختراع سنويا" [4]ً حماية براءات الاختراع فى إطار منظمة التجارة العالمية كانت حماية حقوق الملكية الفكرية من أكثر الموضوعات الخلافية بين الدول خلال جولة اورجواى للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف. فقد تزعمت الولايات المتحدة معسكر الدول المتقدمة وأعربت عن عدم رضاها من الحالة التي كانت توجد عليها حماية حقوق براءات الاختراع فى إطار المنظمة العالمية للملكية الفكرية، فى حين رأت الدول النامية أن المكان الطبيعي لمناقشة مثل هذه الأمور هو فى إطار المنظمة العالمية للملكية الفكرية. ورغم ذلك انتهت (المفاوضات) إلى إقرار نظام مفصل وصارم لحماية حقوق الملكية الفكرية من خلال نظام براءات الاختراع الذي أسبغ الحماية على أية اختراعات - سواء كانت خاصة بمنتجات أو بطرق الصنع - فى كافة ميادين التكنولوجيا – بما فيها تكنولوجيا صناعة الأدوية - بشرط أن تكون هذه الاختراعات جديدة، وتتضمن خطوة إبداعية" غير واضحة أو جلية من تلقاء نفسها"، وقابلة للتطبيق الصناعي"مفيد"[5]. ويجوز للبلدان الأعضاء أن تستثنى من القابلية للحصول على براءة اختراع؛ الاختراعات التي يكون منع استغلالها تجاريا فى أراضيها ضروريا لحماية النظام العام أو المثل الأخلاقية بما فيه حماية حياة أو صحة الإنسان أو الحيوان أو النبات، أو تجنب الإخلال الخطير بالبيئة. وقد أعطت م/28 من الاتفاقية لمالك البراءة حقوقا استئثارية فى منع الغير من صنع أو استخدام أو عرض للبيع أو بيع أو استيراد المنتج موضوع براءة الاختراع، محل ملكيته. أما إذا تحدثنا عن طرق الصنع فإن البراءة تخول صاحبها الحق فى منع الغير من القيام باستخدام هذه الطريقة، ومن استخدام المنتج الذي يحصل عليه مباشرة نتيجة استخدام تلك الطريقة، أو عرضه للبيع أو بيعه أو استيراده. كما أوضحت المادة 33 أن هذه الحقوق الاسئثارية لصاحب البراءة يتمتع بها لمدة عشرين عاما من تاريخ إيداع الطلب للحصول عليها. الاستثناءات من الحقوق الاستئثارية الممنوحة لصاحب البراءة( الترخيص الاجبارى): لعل أهم ما جاءت به الاتفاقية للموازنة بين حقوق صاحب البراءة وبين المصلحة الاجتماعية فى استغلال موضوعها دون إجازة منه، ما نصت عليه الاتفاقية فى المادة 31 التي نظمت شروط سماح الدولة العضو للغير أو لحكومته نفسها باستخدام موضوع البراءة دون إذن من صاحبها، وهو ما يعرف بالترخيص الاجبارى بالإنتاج وفقاً لضوابط محددة أهمها حالات الطوارئ القومية، والاستخدام غير التجاري العام، وأن يكون هذا الاستخدام غير استئثاري، فضلا عن دفع تعويض مناسب لصاحب الحق وفقا لظروف كل حالة والقيمة الاقتصادية. هذا وقد أعيد التأكيد على آلية الترخيص الاجبارى من خلال المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية المنعقد فى الدوحة خلال الفترة من 9 – 14 نوفمبر 2001 الذي اقر حق الأعضاء فى منح تراخيص إجبارية مع حرية تقدير الأسس التي يتم بمقتضاها منح ذلك الحق فضلا عن حرية تحديد ما يمكن أن يشكل طوارئ قومية أو أزمات صحة عامة، كما يعزز من إعمال ذلك المبدأ ما نصت عليه الاتفاقية فى م/8 من جواز استخدام الأعضاء - طبقاً لقوانينها - تدابير تعد ضرورية لحماية الصحة العامة أو الأمن الغذائي أو لمنع إساءة استخدام حقوق الملكية الفكرية. الاستيراد الموازى: إزاء سكوت الاتفاقية عن التوصل إلى حل فيما يتعلق باستنفاد حقوق الملكية الفكرية، بمعنى حصول صاحب الحق فيها عليها وعدم جواز مطالبته به، فقد شجر هذا المبدأ الخلاف بين الدول، فقد تمسكت الدول النامية بأن الاستنفاد يكون وطنياً بمعنى أن صاحب البراءة قد استنفد حقه بالحصول عليها ومنع مزاحمة الغير له فى إنتاج المنتج موضوعها فى البلد الحاصل فيها على تلك البراءة، وهو ما يفتح الباب أمام تلك الدول لاستيراد المنتج من دولة أخرى يقل ثمنه فيها، وهو ما يعرف بالاستيراد الموازى أى الموازى للمنتجات الحاصلة على البراءة، إلا أن الدول المتقدمة تمسكت بأن يكون مبدأ الاستنفاد دولياً بمعنى منع مزاحمة الغير لصاحب البراءة فى البلد المعنى فضلا عن حظر استيراده المنتج موضوعها[البراءة] من أي مكان فى العالم.[6] إزاء ذلك الموقف الخلافي فقد تطلب الأمر صدور قرار من مجلس التريبس العام بتاريخ 30/8/2003 ليواجه مشكلة عدم قدرة بعض الدول على تصنيع الأدوية مما يفرغ آلية الترخيص الاجبارى من مضمونها، ليقرر حق الدول الأعضاء فى استيراد الأدوية. وعلى الرغم من تلك المرونات التي حاولت الاتفاقية أن تقيم بها توازناً بين مصالح كل من الدول النامية والمتقدمة إلا أن الواقع العملي قد كشف عن شراسة شركات الأدوية متعددة الجنسيات فى التعامل مع الدول التي قد تقضى ظروفها الصحية استخدام مثل تلك المرونات التي أوردتها الاتفاقية، ففي جنوب أفريقيا أقامت 38 من شركات الأدوية فضلاً عن جمعية مصنعي الأدوية دعوى قضائية ضد حكومة جنوب أفريقيا مطالبة بإبطال تعديلات عام 1997 لنصوص قانون الأدوية والتحكم فى المواد ذات الصلة، التي تتيح للدولة صلاحية استخدام الترخيص الاجبارى لمواجهة وباء الإيدز، إلا أن القضية التي أقيمت أمام محكمة بريتوريا العليا قد انتهت إلى انسحاب الشركات نتيجة الموقف الدولي المساند لحكومة جنوب إفريقيا فى تصديها للوباء، وبتنسيق وجهود جبارة من طرف نيلسون مانديلا وكوفي عنان للتوسط لدى شركات الأدوية للتوصل إلى تسوية ودية للقضية[7]، كما حدث فى مصر من خلال الأزمة التي أثارتها هيئة بحوث وتصنيع الدواء الأمريكية (فارما) والتي تمثل كبرى شركات الأدوية فى الولايات المتحدة، عندما طالبت[الهيئة] الممثل التجاري الأمريكي بتأجيل موعد بدء مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع مصر "عقابا لها على قرار كان وزير الصحة الدكتور عوض تاج الدين قد أصدره فى الأسبوع الأول من يناير الماضي (2005 ) يقضى بطرح 850 دواء جديدا فى الأسواق المصرية من الأدوية الجنيسة"[8] بزعم أن القرار ينتهك كلا من اتفاقية التريبس وقانون حماية الملكية الفكرية المصري.وقد أصدرت نقابة الصيادلة المصرية بياناً صحفياً ينتقد موقف بعض الشركات المصرية المتعاونة مع (فارما) وطالبت جموع الصيادلة بمقاطعة منتجات هذه الشركات.[9] المعلومات غير المفصح عنها: "يعتبر تناول الاتفاقية فى المادة 39 منها حماية المعلومات غير المفصح عنها بالتنظيم القانوني، من الأمور الجديدة كبيرة المغزى فى النظام التجاري الجديد متعدد الأطراف الذي أتت به جولة اوروجواى أو اتفاقات التجارة العالمية، والواقع هو أن هذه هي المرة الأولى التي يلقى فيها على عاتق الدول فى النظام التجاري الدولي واجب قانوني بمنح الحماية للمعلومات غير المفصح عنها من أسرار تجارية ومعلومات متصلة بالمعرفة التكنولوجية وغيرها من المعلومات المتصلة بالأعمال ومن شأن الكشف عنها حرمان أصحابها من مزايا تنافسية فى مواجهة الغير، وكانت اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكاNAFTA هي أول اتفاقية ما بين الدول على المستوى الاقليمى- وليس العالمي - تقرر الحماية القانونية للأسرار التجارية"[10]، لذلك فقد دافعت الولايات المتحدة الأمريكية بشدة عن وجوب إقرار مثل هذه الحماية فى إطار الاتفاقية باعتبار تلك المعلومات نوعاً من أنواع هذه الملكية، إلا أن البلدان النامية اعترضت بشدة استناداً إلى أن الإفصاح عن تلك المعلومات أمر تتطلبه موازنة مصلحة المجتمع إلى جانب الحقوق الاستئثارية الممنوحة التي يتمتع بها صاحب هذه الملكية وتم التوفيق بين هذين الاعتبارين من خلال الاتفاق على توصيف تلك المعلومات وتحديدها فى إطار ضوابط المنافسة التجارية والصناعية المنصفة التي أوردتها اتفاقية باريس 1967 لحماية الملكية الصناعية فضلا عن عدم النص على حقوق استئثارية لصاحب هذه المعلومات، فجاء نص المادة 39 ليقرر أن على الدول مد الحماية للمعلومات غير المفصح عنها وهى بصدد ضمان الحماية ضد المنافسة غير المنصفة كما وردت فى المادة 10 مكرر من اتفاقية باريس 1967، وذلك بعدم الإفصاح عنها لآخرين أو تمكينهم من استخدامها على نحو مخالف للممارسات التجارية الأمينة ما دامت هذه المعلومات سرية، وذات قيمة تجارية، وتم بذل محاولات معقولة للحفاظ على سريتها، وذلك دون تحديد فترة زمنية معينة يسرى خلالها ذلك الالتزام، كما تلتزم الدول الأعضاء بحماية الاختبارات السرية - أو أي بيانات أخرى تم تقديمها إلى السلطات المختصة بغرض الحصول على الموافقة على تسويق الأدوية أو المنتجات الكيماوية الزراعية التي تستخدم مواد كيماوية جديدة – من الكشف عنها أو استغلالها تجارياً على نحو غير منصف. حماية حقوق الملكية الفكرية فى القانون المصري ( براءات الاختراع، والمعلومات غير المفصح عنها): أصدرت مصر القانون رقم 82/2002 بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية تحقيقاً للاتساق التشريعي بين قوانينها الداخلية والتزاماتها المترتبة بموجب اتفاقية التريبس، والذي أصبح سارياً منذ الأول من يناير 2005 وذلك فيما يخص المنتجات الكيمائية الصيدلانية والغذائية، والكائنات الدقيقة والمنتجات التي لم تكن محل حماية سابقة على صدوره، كانت الحكومة المصرية فى ظل القانون القديم رقم 132/1949 بشأن براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية لا تعطى الحق فى الحصول على براءات اختراع المنتجات الدوائية وإنما اعترفت فقط بحماية براءات عمليات تصنيع الأدوية ولمدة عشر سنوات فقط، وجاء القانون الجديد ليتبنى الأحكام الواردة فى اتفاقية التريبس من عدم التمييز فى منح براءات الاختراع بين كل من المنتج وعملية التصنيع، كما تبنى فترة العشرين عاماً المقررة لحماية تلك البراءات، إلا أنه توسع قليلاً فى الاستثناءات التي يجوز بموجبها منح التراخيص الإجبارية، وعلى خلاف التريبس فقد قيد مدة حماية المعلومات غير المفصح عنها بفترة خمس سنوات من تاريخ تقديمها للسلطات المختصة أو زوال صفة السرية عنها أى الفترتين أقصر. أثر نفاذ اتفاقية التريبس على الحق فى الحصول على الدواء: ".... إن اتفاقية التريبس مصممة لخدمة مصالح شركات الأدوية متعددة الجنسيات، ويرجح أن تزيد من فرض هذه الشركات لاحتكارها على الأدوية فى مصر، مما سيؤدى إلى رفع أسعار الأدوية وإضعاف قدرة الصناعة الدوائية المحلية، فارتفاع الأسعار لن يتوقف عند أسعار المواد الخام المستوردة عندما تدعم الشركات الدولية المنتجة لها من قبضة احتكاراتها، بل إن أسعار التراخيص الطوعية قد ترتفع أيضا، ويصعب الحصول عليها، كلما توسعت الشركات الدولية فى استغلالها للسوق المصري"[11] إلا أن البعض [12] يحاول التقليل من حدة تلك الآثار إلى الحد الذي ذهب فيه إلى عدم تأثر المستوى العام لأسعار الدواء فى مصر إلا بنسبة مئوية بسيطة تصل إلى 1.5 % وبحلول عام 2015 وسوف تستمر هذه الزيادة الطفيفة تدريجياً حتى بلوغ العام 2035 ، وذلك على اعتبار أن السلطات المختصة لن تبت فى الطلبات المقدمة للحصول على براءات اختراع أدوية جديدة إلا بحلول عام 2015 تقريباً، نظراً للفترة الطويلة التي تستغرقها تلك السلطات عادة والتي تصل إلى حوالي عشر سنوات تبدأ من بداية 2005 تاريخ نفاذ الاتفاقية فى مصر. إلا أن وجهة النظر تلك – على الرغم من تحفظنا عليها - قد فاتها التعرض لمصير الأدوية الجديدة المؤسسة على اكتشاف الخريطة الجينية للجسم البشرى، والتي جاءت الاتفاقية بالأساس لحمايتها، كما فاتها التعرض لأثر الاتفاقية على قدرة الحكومة المصرية على تلبية الاحتياجات الصحية لمرضاها من الأدوية فى ضوء التزاماتها الدولية بكفالة حق المواطنين فى التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والنفسية، كما أورده العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذي تعد مصر دولة طرفاً فيه منذ العام 1982، وملتزمة بإعمال نصوصه بعد التصديق عليه ونشره بالجريدة الرسمية على النحو الذي تتطلبه المادة 151 من الدستور المصري. مما لاشك فيه أن الحكومة المصرية – بالنظر إلى أدائها الاقتصادي – سوف تقف عاجزة عن دعم احتياجات المواطنين من الأدوية فى ظل ذلك الارتفاع التدريجي فى أسعار الأدوية، بل واختفاء البعض منها، وهو ما أشار إليه استطلاع الرأي الذي أعده مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، حول توافر الأدوية واستقرار أسعارها[13] كأحد المؤشرات الأولية لأثر تطبيق الاتفاقية، بل إن الوضع سيزداد تأزماً فى حالة توصل الحكومة المصرية إلى إبرام اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يجرى حالياً الإعداد للتفاوض بشأنها. اتفاقيات التجارة الحرة والدور الأمريكي فى تدعيم احتكارات سوق الدواء: الواقع أن ما عجزت الولايات المتحدة فى إنجازه فى إطار التريبس، تسعى جاهدة – الآن – إلى تحقيقه من خلال اتفاقيات تجارية حرة تفرض من خلالها شروطاً لحماية الملكية الفكرية تتجاوز فى حدتها وآثارها ما أوردته اتفاقية التريبس، وذلك فيما يعرف ب "تريبس بلس"، ومن خلالها تستهدف الولايات المتحدة تقوية نظام الملكية الفكرية من أجل ترسيخ احتكارات الشركات العاملة فى أراضيها، وذلك من خلال: - تجاوز حماية المعلومات غير المفصح عنها إلى تطبيق ما يعرف ب Data Exclusivity أو حماية الاستخدام الحصرى لبيانات التجارب المعملية الخاصة بالأدوية التي تنتجها شركاتها، وذلك بأن تطلب "الحكومات من شركات الدواء المحلية والأجنبية التي تقوم بإنتاج أدوية جنيسة رخيصة الثمن إعادة إجراء التجارب المعملية باهظة التكاليف لإظهار أن منتجاتها فعالة وآمنة وذات جودة عالية قبل طرحها في الأسواق، بعكس الوضع الحالي الذي يكتفي فيه مصنعو الأدوية الجنيسة بإثبات أن أدويتهم لها نفس الجودة والقدرة العلاجية للأدوية الأصلية ذات الأسماء التجارية، دونما حاجة إلى تقديم بيانات تجارب معملية جديدة"[14]، وهو ما سيؤثر على أسعار الأدوية بالزيادة نتيجة تحميل الأدوية الرخيصة تكاليف البحوث المعملية، أو القضاء نهائياً على منافسة الأدوية الرخيصة، إذ لن تكون هناك جدوى من بيع الأدوية بنفس الأسعار التي تبيعها الشركات مكتشفة الدواء الأصلي. - تمديد فترة حماية براءات الاختراع عما هو منصوص عليه فى اتفاقية التريبس كتعويض عن الفترة التي قد تستغرقها السلطات الصحية فى اختبار المنتج قبل تسجيله أو منحه براءة اختراع، وهو ما يهدف إلى زيادة أرباح الشركات طوال الفترة الممتدة. - الحد من قدرة الدول على استخدام آلية الترخيص الاجبارى أو الاستيراد الموازى له وذلك بقصر أسباب اللجوء إليها على الطوارئ الصحية، بهدف تدعيم احتكارات الشركات على سوق الدواء. - إخضاع المواد المعروفة لنظام حماية براءات الاختراع مرة أخرى فى كل استخدام جديد لها، مما يعنى المزيد من الأرباح طوال فترة الحماية الجديدة، فى الوقت الذي لا يوجد التزام قانوني على الدول وفقا للتريبس بحماية الاستخدامات الجديدة لمواد مشمولة بالبراءة .[15] موقف القضاء المصري فى مواجهة الاحتكارات العالمية: فى النصف الثاني من عام 2002 تربصت شركة فايزر إنك الأمريكية وفرغها بالقاهرة، صدور قانون حقوق الملكية الفكرية الجديد رقم 82/2002 فى محاولة منها لاستباق الأحداث بهدف فرض واقع قانوني جديد يخص المنتجات الصيدلية ويتجاوز فى مداه ما سيتم إقراره عام 2005 تاريخ سريان التريبس فى مصر، فأقامت دعوى قضائية برقم 1855/2002 أمام محكمة الزقازيق الابتدائية ضد الشركة المصرية الدولية للصناعات الدوائية (ايبيكو)، حيث دار النزاع فى هذه الدعوى حول القواعد القانونية المنظمة لحماية " المعلومات غير المفصح عنها “ من بيانات التجارب المعملية الخاصة بالعقار " ليبيتور" التي تثبت فاعليته وأمانه وقدرته على التحكم في نسبة الكولسترول في الدم، هذه المعلومات التي قدمتها الشركة المدعية[فايزر إنك] للسلطات الصحية من أجل الحصول على ترخيص بتسويق العقار المذكور بالأسواق المصرية، وطالبت شركة فايزر إنك بصفة مستعجلة بوقف إنتاج المنتج الدوائي ( أتور ) لدى مصانع الشركة المدعى عليها، ووقف بيع ما تنتجه منه تحت أي مسمى آخر، ووقف تصديره, وجميع الإعلانات التي تقوم بها الشركة المدعى عليها لترويجه لحين الفصل فى الموضوع، أما من حيث موضوع الدعوى فطالبت بإلزام الشركة المدعى عليها بدفع مبلغ 6 ملايين جنيها على سبيل التعويض عن الأضرار المادية والأدبية، ومنعها من إنتاج أو بيع أو تسويق أو تصدير المنتج الدوائي ( أتور )، نتيجة خطأ الشركة المدعى عليها التقصيرى والمتمثل فى الاعتماد على بيانات التجارب الخاصة يهما فى إنتاج العقار ( أتور ) وطرحه بالأسواق بثمن زهيد مما ترتب عليه عدم إقبال المستهلكين على العقار الخاص بهما. أثناء تداول الدعوى قررت محكمة الزقازيق – وقبل الفصل فى القضية – إحالة أوراقها إلى لجنة من الخبراء المختصين فى شئون الكيماويات الدوائية، لوضع تقرير بالرأي الفني فى ضوء النقاط التي رأت المحكمة استجلائها موضحة إياها فى حكم الإحالة، باشرت لجنة الخبراء مهمتها وأودعت تقريرها الذي تبنته المحكمة و استندت إليه فى حكمها، حيث قررت المحكمة رفض دعوى فايزر إنك استنادا إلى عدم إخلال الشركة المدعى عليها بأي واجب قانوني يفرضه عليها القانون المصري أو اتفاقية التريبس، حيث قررت أن " الظاهر من الأوراق أن الشركة المدعى عليها تقوم باستيراد المادة الفعالة "أتورفاستاتين" من الخارج بالمقادير التي تحتاجها وبما يمكنها من صنع الشكل الصيدلي حتى تصلح للجمهور، ومصدر هذا الاستيراد شركة هندية، ومن ثم تكون تلك المادة الفعالة سلعة متاحة ومعروضة فى الأسواق أي أن أمر إنتاج هذه السلعة لم يعد قاصرا على الشركة المدعية، والسند فى مشروعية هذا الاستيراد هو اتفاقية التريبس والقانون المصري لحماية الملكية الفكرية".[16] وواضح من الحكم استجابته لدفاع الشركة المدعى عليها من مشروعية الاستيراد الموازى فى إطار التريبس والقانون المصري، كما استند كذلك [الحكم] إلى تقرير الخبراء – فيما يخص بيانات التجارب باعتبارها معلومات غير مفصح عنها، واستهدفت الشركة المدعية تجاوز ذلك المفهوم إلى مفهوم آخر وهو الاستخدام الحصرى للبيانات المملوكة لها ومنع السلطات من الاعتماد عليها فى تسجيل أدوية مثيلة – حيث أورد أن " المألوف فى كثير من بلدان العالم أن الإجازة التي ينالها منتج دوائي جديد من مؤسسة كبرى، مثل إدارة الأغذية والأدوية بالولايات المتحدة، تعتبر كافية لبعث الاطمئنان إلى فاعلية ومأمونية المنتج الجديد، فلا تطلب إعادة إثبات تلك الفاعلية والمأمونية".[17] يتضح من الحكم السالف أهمية السوابق القضائية التي أتى بها، والتي يجب البناء عليها وتعزيزها بهدف الحفاظ على وضعية الدواء المصري باعتباره واحداً من أكثر المتطلبات الاجتماعية إلحاحاً، وذلك فى ضوء التحديات الوبائية التي يواجه المريض المصري بها مثل فيروس الكبد الوبائي "سي"، وفيروس نقص المناعة البشرى ومرض الإيدز، وأهمية تطوير تكنولوجيات الدواء لمواجهة هذه الأوبئة. * نشرت بمجلة "أحوال مصرية" – شتاء 2006 ، العدد 31 - مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام - القاهرة
[1]
محام
– المسئول القانوني ببرنامج الصحة وحقوق الإنسان – المبادرة المصرية للحقوق
الشخصية |
|
|
كل الحقوق محفوظة © المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بريد اليكتروني : eipr@eipr.org |