EIPR
- الحق في الخصوصية || الصحة وحقوق الإنسان || العنف والسلامة الجسدية English

    المحكمة الإدارية العليا
    الدائرة الأولى
     مذكرة بدفاع

      السيد/ حسام عزت محمد موسى                            مطعون ضدهما –طاعنون أصلا

      والسيدة/  رانيا عنايت عبد الرحمن رشدي

      ضد

      السيد/ وزير الداخلية                                         "بصفته"

      والسيد/رئيس مصلحة الأحوال المدنية بوزارة الداخلية      "بصفته"    طاعنون –مطعون ضدهم أصلا

      والسيد/رئيس مصلحة الجوازات والهجرة بوزارة الداخلية   "بصفته"   

      وضد

      السيد/ عبد المجيد العناني                                   طاعن  _ خصم متدخل أصلا

      السيد/ رئيس الجمهورية   "بصفته"                                   مطعون ضده مدخل

      السيد/ النائب العام         "بصفته"                                     مطعون ضده مدخل

      في الطعنين رقمي 18971 و 16824لسنة 52ق عليا

      والمحدد لنظرهما جلسة 2/12/2006

      وقائع الدعوى

      نحيل في شان وقائع الدعوى وإجراءاتها إلى صحيفة تقرير طعن الطاعنين وكذا تقرير هيئة مفوضي الدولة المودع ملف الدعوى، بما يغنى عن سردها حرصاً على ثمين وقت عدالة المحكمة.

      الدفاع

      في إطار الدفاع عن المطعون ضدهما تتناول هذه المذكرة النقاط التسع التالية:

      أولاً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً للحماية الدستورية والقانونية لحرية العقيدة.

      ثانياً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً للحماية الدستورية والقانونية للحق في عدم التمييز.

      ثالثاً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً للحماية الدستورية والقانونية للحق في الخصوصية والحرية الشخصية.

      رابعاً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.

      خامساً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً لقضاء المحكمة الإدارية العليا.

      سادساً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً لحكم المحكمة العليا الصادر في 1 مارس 1975.

      سابعاً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً للنظام العام والحد الأدنى من القواعد المقبولة في المجتمعات الديمقراطية.

      ثامناً: إثبات البهائية في السجلات الرسمية ليس إقراراً بصحة معتقداتها ولا إذناً بإقامة إحدى شعائرها.

      تاسعاً: الحكم المطعون فيه ألغى قراراً بإجبار المواطنين المصريين البهائيين على ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون.

      أولاً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً للحماية الدستورية والقانونية لحرية العقيدة:

      نص الدستور في المادة رقم 46 على أن "تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية". والعقيدة لغة هي الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده. والجمع: عقائد. وتعنى ما عقد الإنسان عليه قلبه جازماً به؛ فهو عقيدة، سواءٌ كان حقاً، أو باطلاً.

      وجاء في تفسير القرطبي لآية "لكم دينكم ولي دين" من سورة الكافرون: "وسمّى دينهم ديناً لأنهم اعتقدوه وتولوه".

      وقد عرفت المحكمة الدستورية العليا حرية العقيدة على النحو التالي:

      ""حرية العقيدة في أصلها تعنى ألا يحمل الشخص على القبول بعقيدة لا يؤمن بها أو التنصل من عقيدة دخل فيها أو الإعلان عنها أو ممالأة إحداها تحاملاً على غيرها سواء بإنكارها أو التهوين منها أو ازدرائها، بل تتسامح الأديان فيما بينها ويكون احترامها متبادلاً . ولا يجوز كذلك في المفهوم الحق لحرية العقيدة [للدولة]...أن يكون تدخلها بالجزاء عقاباً لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها."

      [المحكمة الدستورية العليا- الطعن رقم 8  لسنة 17ق – تاريخ الجلسة 18 / 05 / 1996 -  مكتب فني 7]

      فحماية حرية العقيدة على إطلاقها من المبادئ الدستورية المسلم بها منذ أن عرفت مصر الدساتير. وقد كفل الدستور الحالي بدوره حرية العقيدة وألزم الدولة بكل سلطاتها أن تكفل لكل فرد التمتع بهذا الحرية. كما جاء في قضاء المحكمة الدستورية العليا:

      "حرصت الدساتير المصرية المتعاقبة منذ دستور سنة 1923 على تقرير الحريات و الحقوق العامة في صلبها قصداً من الشارع الدستوري أن يكون لهذه الحريات و الحقوق قوة الدستور و سموه على القوانين العادية و حتى يكون النص عليها في الدستور قيداً على سلطات الدولة  فيما تسنه من قواعد و أحكام، فتارة يقرر الدستور الحرية العامة و يبيح تنظيمها لبيان حدود الحرية وكيفية ممارستها من غير نقص أو انتقاص منها، وطوراً يطلق الحرية العامة إطلاقاً يستعصى على التقييد والتنظيم ."

      [المحكمة الدستورية العليا- الطعن رقم 44 لسنة 7ق – تاريخ الجلسة 7/5/1988- مكتب فني 4]

       فالحريات المطلقة – بهذا المعنى- غير خاضعة للتقييد أو التنظيم أو التقييم. ولما كان من الثابت أن حرية العقيدة مطلقة بموجب الدستور، فإنه لا يجوز لسلطات الدولة أن تعلقها على شرط، أو تربطها بمدى تماشي العقيدة مع الاتجاه العام، أو تحصرها في عقائد بذاتها. وإنما أراد الدستور بضمان الحرية المطلقة للعقيدة أن يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها على العقل العام، فلا تكون المعايير الدينية للدولة مرجعاً لتقييم العقيدة سواء بصحتها وصلاحها أو خطئها وضلالها. كما لا يجوز للدولة بجميع سلطاتها أن تضع أي قيد مهما كانت ضآلته على هذه الحرية المطلقة؛ فإطلاق الحرية وتقييدها لا يجتمعان. ولا يكون للدولة أيضاً التدخل بالجزاء، جنائياً كان أو مدنياً أو أدارياً، لمن يعتنقون عقائد لا تصطفيها. فإن هي فعلت جاء عملها مخالفاً للدستور. بل عليها ووفقاً لما نص عليه الدستور أن تكفل الحماية لتلك الحرية ولكل فرد أن يكون عقيدته كيفما يشاء، فحرية العقيدة لها قوة الدستور ذاته من حيث إلزامها لكل سلطات الدولة، فعليها أن تزيل من أمامها أية قيود أو شروط أو عوائق  مهما كانت ضآلتها.

       ومن هنا فإن الحكم المطعون فيه قد صدر ليتصدى لتدخل إحدى سلطات الدولة بالجزاء لمن يعتنقون البهائية من مواطنيها، عبر حرمانهم من الحصول على أوراق رسمية ثبوتية تكشف عن عقيدتهم الحقيقية، مع كل ما يتبع ذلك الحرمان من مصاعب حياتية جسيمة، وهو ما يعد مخالفة للحماية الدستورية المطلقة لحرية العقيدة كما فسرها قضاء المحكمة الدستورية العليا.

       ولا يصح هنا الاستشهاد بالحوار الذي دار أثناء الأعمال التحضيرية للمادتين الثانية عشر والثالثة عشر من دستور سنة 1923، على نحو ما جاء بتقرير هيئة مفوضي الدولة. فمن ناحية، اقتصر هذا الحوار على "حرية إقامة الشعائر الدينية" وليس حرية العقيدة التي كانت ولازالت مطلقة، وإثبات البهائية في السجلات الرسمية لا يعد إذناً بإقامة شعائرها كما سيأتي أدناه. ومن ناحية أخرى، فإن النص والمنطق يرفضان قصر نص الحماية الدستورية لحرية العقيدة على شعائر الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية) وذلك لأنه فضلاً عن كونه تقييداً غير جائز لحق مطلق كما ورد أعلاه، فإنه يجرد الحماية الدستورية لحرية العقيدة من معناها ويقصرها على نطاق شديد الضيق لا يبين في النص الدستوري على الإطلاق. ولو شاء المشرع الدستوري لأضاف إلى نص المادة ما يفيد هذا المعنى. أما وأن النص قد جاء على إطلاقه فإن دلالته صارت قاطعة لا تقبل الخروج عليها، فقد جاء في قضاء محكمة النقض:

      "من المقرر أنه متى كان النص واضحاً جلي المعنى قاطعاً في الدلالة على المراد منه، فلا محل للخروج عليه أو تأويله استهداء بالمراحل التشريعية التي سبقته أو الحكمة التي أملته أو ما تضمنته المذكرة الإيضاحية من بيانات لا تتفق وصريح عبارة النص."

      [محكمة النقض- الطعن رقم 475  لسنة 65ق – تاريخ الجلسة 5/ 8 / 1996 – مكتب فني 47]

       كما رفض قضاء المحكمة الدستورية العليا ما أسماه الاعوجاج في تفسير النص الدستوري:

      "من المقرر أن الضوابط التي يفرضها الدستور على السلطات العامة  لضمان تقيدها بأحكامه، هي ضوابط آمرة لا تبديل فيها ولا مهرب منها، وليس لأي جهة أو سلطة بالتالي أن تبغي عنها حولاً، أو أن تنقضها من أطرافها، أو أن تجعل لها عوجاً، أو أن تتحلل من بأسها أمداً، إذ هي باقية دوماً، نافذة أبداً، لتفرض – بزواجرها ونواهيها – كلمة الدستور على المخاطبين بها، فلا ينسلخون منها  ولتكون قواعده مآباً لكل سلطة، وضابطاً لحركتها، ومتكئاً لأعمالها وتصرفاتها على اختلافها، ومترفقاً لتوجهاتها."

      [المحكمة الدستورية العليا- الطعن رقم 43 لسنــة 13ق- تاريخ الجلسة 6/12/ 1993 – مكتب فني 6]

       وفيما يتعلق بحرية العقيدة على وجه التحديد قالت المحكمة الدستورية العليا إن "كفالة حرية العقيدة التي نصت عليها المادة 46 من الدستور...يتفرع عنها الاعتداد الكامل والاحترام المطلق لعقائد المصريين الدينية كافة" فلم تقصرها على عقائد بعينها.

      [المحكمة الدستورية العليا- الطعن رقم 107 لسنــة 21 ق- تاريخ الجلسة 9/12/ 2001 – العدد 51 (مكرر) من الجريدة الرسمية]

       وإضافة إلى الدستور، فقد صادقت مصر على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ونشر في العدد رقم ١٥ من الجريدة الرسمية بتاريخ ١٤ أبريل ١٩٨٢. وبذلك اكتسبت مواده قوة القانون على أرض جمهورية مصر العربية عملاً بالمادة (١٥١) من الدستور. فقد قضت محكمتكم الإدارية العليا الموقرة بأنه

      "تكون للمعاهدة قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها، وهذه القوة تكون للالتزامات التعاهدية التي نصت عليها المعاهدة."

      لمحكمة الإدارية العليا لطعن رقم 474 – لسنـــة  39ق – تاريخ الجلسة  14 / 03 / 1995 – مكتب فني 40]

       كما جاء في قضاء المحكمة الدستورية العليا أنه

      "من المقرر طبقاً لقواعد القانون الدولي العام، أن المعاهدات الدولية التي يتم إبرامها والتصديق عليها واستيفاء الإجراءات المقررة لنفاذها لها قوتها الملزمة لأطرافها، وأن على الدول المتعاقدة احترام تعهداتها المقررة بمقتضاها. طالما ظلت المعاهدة قائمة و نافذة."

      [المحكمة الدستورية العليا الطعن رقم 44 – لسنـــة  7ق – تاريخ الجلسة  07 / 05 / 1988 – مكتب فني 4]

       وكذلك

      "الأصل في كل معاهدة دولية – إعمالا لنص المادة 31 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي تعتبر مصر طرفا فيها- هو أنها ملزمة لأطرافها – كل في نطاق إقليمه."

      [المحكمة الدستورية العليا الطعن رقم 57 – لسنـــة  4ق   تاريخ الجلسة  06 / 02 / 1993 – مكتب فني 5]

       من هنا فإن الدولة ملتزمة دستورياً قانونياً باحترام مواد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والذي نص في مادته الثامنة عشر على الحقوق التالية:

      "1. لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.

      2. لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره."

       وقد جاء في التفسير الرسمي الصادر عن الأمم المتحدة لهذه المادة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ما يلي:

      "الحق في حرية الاعتقاد التي تجمع حرية الفكر والضمير والدين - سواء كانت ممارسته فردية أو جماعية -يمتاز عن غيره من الحقوق بعدم إمكان تقييده تحت أي ظرف من الظروف حتى في حالات الطوارئ... ومفهوم الدين في نطاق المادة ١٨ لا يقتصر على الأديان التقليدية أو الأديان ذات المؤسسات الدينية أو الكهنوتية...والمادة (١٨) فقرة (٢) صريحة في منع الإكراه في كل ما يمس الدين أو الاعتقاد، بما في ذلك التهديد باستعمال القوة أو المعاقبة سواء أكان القصد حمل الإنسان على مراعاة أحكام الدين الذي هو عليه، أم حمله على اعتناق دين آخر، أو حتى إجباره على إنكار دينه أو اعتقاده... كما تنص المادة التاسعة عشر (١٩) فقرة أولى والمادة الثامنة عشر (١٨) الفقرة الثانية على عدم جواز إكراه أي شخص للإفصاح عن فكره أو عن دينه أو عن اعتقاده. ويمتد هذا المنع إلى أي تدبير يكون له الدافع ذاته أو يترتب عليه الأثر نفسه، كما لو وضعت شروط للقبول في مؤسسات التعليم أو الرعاية الصحية، أو للحصول على عمل، أو غير ذلك."

      [الشرح العام للجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، جلسة ٤٨ سنة ١٩٩٣، قرار رقم ٢٢ الخاص بالمادة ١٨ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية]

      ومن هنا فإن من البين أن منع المواطنين المصريين من أتباع البهائية من الحصول على أوراق رسمية لازمة "للقبول في مؤسسات التعليم أو الرعاية الصحية، أو للحصول على عمل، أو غير ذلك" يعد انتهاكاً للمادة 18 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي الذي يمثل قانوناً مصرياً بعد التصديق عليه.

       ثانياً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً للحماية الدستورية والقانونية للحق في عدم التمييز:

      تنص المادة 40 من الدستور المصري على كون "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة."
      وقد فسرت المحكمة الدستورية العليا التمييز على النحو التالي:

      "صور التمييز التي تناهض مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة 40 من الدستور ـ وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية ـ وإن تعذر حصرها ، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور أو القانون وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أو تعطيل أو انتقاص آثارها، بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين للانتفاع بها"

      [المحكمة الدستورية العليا- الطعن رقم 180  لسنة  20ق – تاريخ الجلسة  01 / 01 / 2000 – مكتب فني 9]

      وأخضعت المحكمة ذاتها سلطات الدولة جميعاً لواجب عدم التمييز في قوانينها وممارساتها على النحو التالي:

      لدساتير المصرية جميعها بدءاً بدستور سنة 1923 وانتهاء بالدستور القائم ترد المواطنين جميعاً إلى قاعدة موحدة حاصلها مساواتهم أمام القانون باعتبارها قواما للعدل وجوهر الحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الأغراض اليى تستهدفها تتمثل أصلاً في صون حقوق المواطنين وحرياتهم في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها فقد أضحى مبدأ المساواة أمام القانون في أساس بنيانه ـ وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا يقتصر مجال تطبيقها على الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور بل يمتد مجال إعمالها كذلك، إلى تلك التي كفلها المشرع للمواطنين.

      لمحكمة الدستورية العليا- الطعن رقم 40 لسنـــة  16ق – تاريخ الجلسة  02 / 09 / 1995 – مكتب فني 7]

      كما ينص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والملزم للسلطات المصرية كما أسلفنا أعلاه، في مادته الثانية على حظر التمييز على أساس الدين. كما ينص في مادته الساسة والعشرين على أن

      "الناس جميعا سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساو في التمتع بحمايته. وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب، كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيًا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب."

       كما صدقت الدولة المصري على كل من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (في عام 1982)، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (في عام 1984). وكلتا الاتفاقيتان تجرمان التمييز على أساس المعتقد الديني وتلزمان الدولة بمحاربته وسن القوانين لحمايته.

       ووفقا لقاعدة "تماثل المراكز القانونية في التكاليف والواجبات العامة"، فإن القانون حينما يوجب على المواطنين جميعاً بالقيام بفعل معين، مثلما الحال في الواجب العام على كل مصري يبلغ من العمر ستة عشر عاماً أن يحمل بطاقة تحقيق شخصية (المادة48 من القانون 143لسنة1994) فإن المراكز القانونية هنا لكل الأفراد تتماثل معاً لا فرق بين أتباع دين أو عقيدة معينة وأتباع دين أو عقيدة أخرى أو من لا دين لهم في استخراج تلك البطاقة. فهم متساوون بحكم الدستور فلا يجوز نهائياً القول بان المواطنين الذين يعتنقون الإسلام يتمايزون ويفضلون على غيرهم من المواطنين في حق استخراج بطاقة تحقيق الشخصية. وإذا كانت تلك البطاقة وما تشمله من بيانات مخاطب بها المواطنون كافة على اختلاف أصنافهم وميولهم وعقائدهم ولغاتهم وألوانهم فلا مجال لـ"تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد" بين المواطنين بين أتباع عقيدة معينة وأتباع عقيدة أخرى لا تصطفيها الدولة. فإن هي فعلت يعد ذلك تمييزاً بين المتماثلين في المراكز القانونية بسبب المعتقد الديني وهو ما جرمه الدستور والقانون على ما أسلفنا.

       وإضافة إلى كون امتناع جهة الإدارة عن إصدار بطاقة شخصية لمواطن من مواطنيها بسبب عقيدته تفرقة واستبعاداً وتمييزاً بسبب المعتقد الديني وإنكاراً لحقه المطلق في حرية العقيدة وتعطيلاً له لممارسة هذا الحق، فإن هذا الامتناع ينال بصورة تحكمية من حقوق وحريات للمواطن كفلها الدستور. فبدون شهادة ميلاد لا يتمكن الأطفال من الالتحاق بالمدارس، وبدون بطاقات شخصية لا يتمكن المواطنون البهائيون من الالتحاق بالجامعات، وبدون أوراق تأجيل الخدمة العسكرية الإلزامية لا يتمكنون من الحصول على شهادتهم الجامعية، وجميعها صور لانتهاك حقهم في التعليم. كما أن شهادات الميلاد لازمة للحصول على التطعيمات ضد الأمراض والأوبئة، وهو أحد عناصر الحق في الرعاية الصحية. ولا يستطيع المصريون ممارسة حقهم في التنقل والحركة دون جوازات سفر لأن استمارة الحصول على جواز السفر تحوي خانة الديانة. بل حتى شهادات الوفاة لا يتمكنون من الحصول عليها بسبب وجود خانة الديانة فيها. وجميع هذه الممارسات تحول بين المواطن ومباشرته تلك الحقوق على قدم المساواة الكاملة بينه وبين باقي المواطنين لأسباب تمييزية يجرمها الدستور والاتفاقيات الدولية الملزمة للحكومة المصرية.  

     ثالثاً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً للحماية الدستورية والقانونية للحق في الخصوصية والحرية الشخصية:

    يعد المعتقد الديني شأناً متعلقاً بحامله يقع ضمن أخص خصوصياته ويملك حامله حرية اختياره كاملة. فقد نص الدستور في مادته رقم 45 على أن "لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون". كما نصت المادة رقم 41 على أن "الحرية الشخصية حق طبيعي، وهى مصونة لا تمس". وقد تحدثت المحكمة الدستورية العليا عن سلطة الفرد في التقرير فيما يؤثر في مصيره على النحو التالي:

    "ثمة مناطق من الحياة الخاصة لكل فرد تمثل أغواراً لا يجوز النفاذ إليها، وينبغي دوماً ألا يقتحمها أحد ضماناً لسريتها وصوناً لحرمتها، فلا يكون اختلاس بعض جوانبها مقبولاً. وهذه المناطق من خواص الحياة ودخائلها تصون مصلحتين تتكاملان فيما بينهما وإن بدتا منفصلتين، ذلك أنهما تتعلقان بوجه عام بنطاق المسائل الشخصية التي ينبغي كتمانها وحجبها عن الآخرين، وكذلك بما ينبغي أن يستقل به كل فرد من سلطة التقرير فيما يؤثر في مصيره. وتبلور هذه المناطق جميعها التى يلوذ الفرد بها، مطمئناً لحرمتها، وامتناع إخضاعها لأشكال الرقابة وأدواتها على اختلافها، الحق في أن تكون للحياة الخاصة تخومها، باعتبار أن صونها من العدوان أوثق اتصالا بالقيم التي تدعو إليها الأمم المتحضرة، وأكفل للحرية الشخصية التي يجب أن يكون نهجها متواصلاً ليوائم مضمونها الآفاق الجديدة التي ترنو الجماعة إليها".

    [المحكمة الدستورية العليا- الطعن رقم 56 لسنـــة 18ق – تاريخ الجلسة  15 / 11 / 1997 – مكتب فني 8]

     كما أن الحرية الشخصية أصل يهيمن على الحياة بكل أقطارها، لا قوام للحياة بدونها، إذ هي محورها وقاعدة بنيانها، وقوام هذه الحرية الاستقلال الذاتي لكل فرد بالمسائل التي تكون أكثر اتصالاً بمصيره وتأثيراً في أوضاع الحياة التي اختار أنماطها لتكتمل لشخصيته ملامحها. وقد شرحت المحكمة الدستورية العليا نطاق حمايتها على النحو التالي:

    لحرية الشخصية لا يقتصر ضمانها على تأمينها ضد صور العدوان على البدن ، بل تمتد حمايتها إلى أشكال متعددة منها إرادة الاختيار وسلطة التقرير التي يملكها كل شخص، فلا يكون بها كائناً يحمل على ما لا يرضاه ، بل بشراً سوياً."

    [المحكمة الدستورية العليا الطعن رقم 16 – لسنـــة  17ق- تاريخ الجلسة  07 / 06 / 1997- مكتب فني 8]

     وأضافت المحكمة أن مجال عمل الحرية الشخصية هو "ما يكون لصيقاً بالشخصية مرتبطاً بذاتية الإنسان في دائرة تبرز معها ملامح حياته وقراراته الشخصية في أدق توجيهاتها وأنبل مقاصدها."

    [المحكمة الدستورية العليا- الطعن  رقم 8 لسنـــة 17ق – تاريخ الجلسة  18 / 05 / 1996 – مكتب فني 7]

     كما نص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته السابعة عشر على أنه "لا يجوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته" وأن "من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس". ومن هنا أشارت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، والمناط بها تفسير مواد العهد إلى "أن مفهوم الخصوصية يحيل إلى ذلك النطاق في حياة الشخص الذي يمكن له فيه التعبير بحرية عن هويته." [قرار اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في قضية كوريل ضد هولندا، (453/91)].    

     ولا شك أن تدخل سلطات الدولة لمعاقبة المواطنين البهائيين على معتقدهم الديني الذي اختاروه يعد تدخلاً غير مشروع في خصوصيتهم، وينتهك حقهم في الحرية الشخصية عبر إجبارهم على الدخول في ديانات بذاتها دون رغبة أو إيمان حقيقي من قبلهم.

     رابعاً: الحكم المطعون فيه جاء موافقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية:

     استند الحكم المطعون فيه في إثبات حق المواطنين البهائيين في إثبات عقيدتهم في أوراقهم الرسمية إلى أن "البين من مدونات الفقه الإسلامي أن دار الإسلام قد وسعت غير المسلمين على اختلاف ما يدينون، يحيون فيها كسائر الناس بغير أن يكره أحد منهم على أن يغير شيئاً مما يؤمن به."

    غير أن كلاً من تقرير طعن الطاعنين على هذا الحكم، وتقرير هيئة مفوضي الدولة في الطعن الماثل يزعم أن الشريعة الإسلامية لا تقر التعايش سوى بينأتباع الديانات الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية)، وهو زعم لم يأت أي من التقريرين بما يؤيده من قرآن أو حديث أو من فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) أو من تبعه من الخلفاء والصحابة والتابعين أو المذاهب الرئيسية في الفقه الإسلامي. والحق أن النظر في كتب السيرة النبوية والفقه والحديث والتفاسير يظهر بجلاء أن النبي لم يفرق في دولة المدينة بين أتباع "الديانات السماوية" وبين غيرهم من أتباع المعتقدات الأخرى كالمجوس والصابئة وغيرهم. فقد سمح لهم النبي بالإقامة في دولة الإسلام بالمدينة مثلهم مثل غيرهم من غير المسلمين، بل وأخذ منهم النبي الجزية، بما يشير إلى معاملتهم نفس معاملة أهل الكتاب. والجزية هي المعادل التاريخي لمفهوم (المواطنة) الحديث المستعمل في يومنا هذا.

    فقد جاء في موطأ الإمام مالك "عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم. فقال عبد الرّحمن بن عَوف: أشهدُ لسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب»." وهي سنة تقريرية تحمل إشارة صريحة وأمراً دينياً بمعاملة المجوس – وهم ليسوا من أهل الكتاب- نفس معاملة المسيحيين واليهود في دولة الإسلام.

    كما جاء في كتاب (أحكام أهل الذمة) لابن القيم الجوزية أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب، وكذلك من المجوس حسب سنة النبي. وجاء كذلك في كتاب الأم للشافعي، (كتاب الخراج، من يلحق بأهل الكتاب)، أن عثمان ابن عفان قد أخذ الجزية من البربر وهم أيضاً ليسوا من أهل الكتاب. وأضاف إليهم أبو يوسف يعقوب ابن إبراهيم في (كتاب الخراج) كلاً من الصابئة والسامرة، وهم أيضاً ليسوا من أهل الكتاب. ونقل الإمام القرطبي في تفسيره للقرآن الكريم عن الأُوْزاعيّ: "تؤخذ الجزية من كل عابد وَثَن أو نار أو جاحدٍ أو مكذّب."

    إن جميع هذه الدلائل تثبت بما لا يدع مجالاً للشك ألا صحة للزعم بأن دار الإسلام لا تسع سوى أتباع الديانات الثلاث. بل إن فعل نبي الإسلام ذاته يكذب هذا الزعم. فإن كان النبي لم يخش من غير أهل الكتاب على الدين الوليد ودولة الإسلام التي كانت وقتها ما زالت في المهد وتحيطها الحروب والمؤامرات والدسائس، فكيف نأتي بعد أربعة عشر قرناً وتعداد المسلمين يزيد عن المليار في مشارق الأرض ومغاربها ونأمر المصريين من غير أهل الكتاب بالدخول قسراً في الإسلام أو المسيحية أو اليهودية؟ وماذا يفعل ملايين المسلمين الذين يعيشون في بلاد يدين أغلب سكانها بمعتقدات "غير سماوية" كالبوذية والهندوسية في الهند أو الصين أو تايلاند؟ 

    وقد جاء أعلاه في تفسير القرطبي لآية "لكم دينكم ولي دين" من سورة الكافرون: "وسمّى دينهم ديناً لأنهم اعتقدوه وتولوه". فالقرآن الكريم ذاته على لسان النبي صلي الله عليه وسلم لم يقصر وصف الدين على أهل الكتاب وإنما استعمله حتى مع المشركين عبدة الأوثان الذين كانوا في حرب مع الإسلام.

    كما أن هذا التفسير يوافق ما لا يقل عن عشرين موضعاً في القرآن تؤكد جميعاً على حرية الاعتقاد وعدم جواز الإكراه في الدين:

    "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"، "ولو شاء الله ما أشركوا"، "قل فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة"، "ولو شاء لهداكم أجمعين"، "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها"، "ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، "إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا"، "قل الله اعبد مخلصاً له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه"، "قل يا أيها الكافرون. لا اعبد ما تعبدون. ولا انتم عابدون ما اعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا انتم عابدون ما اعبد. لكم دينكم ولي دين"، "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، "فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل"، "وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل"، "فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر"، "ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل"، "قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ"، "ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا"، "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا".

    وبالمثل، فلا صحة للزعم بأن البهائيين يعاملون معاملة المرتدين. فالمطعون ضدهما وبناتهما الثلاث لم يكونوا يوماً مسلمين ليرتدوا عن الإسلام، بل هم أبناء جيلين آخرين من البهائيين. وقد عرف العلماء الردة شرعاً بأنها "كفر بعد إسلام تقرر"، وأوجبوا أن يعتنق المرء الإسلام بقلبه ويظهره في عمله ويمارس شعائره عن اقتناع قبل أن يعتد مرتداً عنه، وهو ما لا ينطبق على المطعون ضدهما أو بناتهما الثلاث القاصرات.

    وإثبات البهائية في السجلات الرسمية للدولة ليس إقراراً بصحة معتقداتها في نظر الإسلام ولا بجواز التعبد بها كما سيرد بالتفصيل أدناه، وإنما هو كشف عن المعتقد الحقيقي لمن يختار اتباعها كي تتحدد الحقوق والواجبات والقواعد المطبقة عليهم أو التي لا يتمتع بها سوى المسلمون.  وقد أفتى الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي بهذا الرأي فقال:

    "مادام هذا هو معتقده وما يتخذه لنفسه عقيدة، فكتابة بهائي في خانة الديانة تبرئ منه أي ديانة أخرى وتمنع أن ينسب البعض أنفسهم إلى الديانات السماوية الأخرى وهي بريئة منهم.. البهائية ليست دينا لكن كتابتها كمعتقد في خانة الديانة أمر ممكن ولا ضرر منه بل هو تمييز واجب لمن هم خارجون عن الديانات السماوية.. حرية الاعتقاد مكفولة للجميع وليست لأحد بعينه، والمقصود بحرية الاعتقاد أن لكل إنسان عقيدته والذي يحاسب العباد هو الله."

    [انظر حافظة المستندات – مستند رقم 1]

     والرأي ذاته عبر عنه الدكتور منيع عبد الحليم محمود عميد كلية أصول الدين حيث قال:

    "يجب كتابة ديانة الشخص أو عقيدته في البطاقة لكي نحافظ على حقوق الناس وأمان المجتمع.. هذا الأمر فريضة حتى لا يؤدي إلى خداع الناس فليس هناك مكان للعواطف، ولك أن تتخيل داعية إسلاميا أو مسيحيا وهو بهائي مثلا بالتأكيد سيضل الناس، ولنا في القرآن الكريم القول الفصل حين قال رب العزة في "سورة الكافرون" لكم دينكم ولي دين. فسمى الكفر ديناً. والدين هو ما يدين به الإنسان في حياته."

    [انظر حافظة المستندات – مستند رقم 2]

     وهو ما عبر عنه عن حق الحكم المطعون فيه حين قال "وتقتضي الشريعة فيما بينه الأئمة من أحكامها أن يظهر ما يميز غير المسلم عن المسلم في ممارسة شئون الحياة الاجتماعية بما يقيم مجال الحقوق والواجبات التي يختص بها المسلمون ولا يستطيع سواهم القيام عليها لمخالفتها ما يعتقدون."   

     ومع ذلك، وحتى إن كان في رأي بعض الفقهاء قديماً أو حديثاً عدم جواز إثبات البهائية في السجلات الرسمية رغم كونها العقيدة الوحيدة والحقيقية التي يعرفها أصحابها، فإن هذه الآراء لا تعدوا كونها اجتهادات غير ملزمة أو قطعية الدلالة، لها من القوة والرجحان مثل ما للآراء المخالفة العديدة التي تم تفصيلها أعلاه. وقضاء المحكمة الدستورية العليا يسمح بل يوجب على السلطة أخذ أقرب الاجتهادات من الشريعة الإسلامية إلى إقامة المصالح الآنية للناس، وهو ما يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية:

    "الآراء الاجتهادية ليس لها في ذاتها قوة ملزمة متعدية لغير القائلين بها, ولا يجوز بالتالي اعتبارها شرعاً ثابتاً منفرداً لا يجوز أن ينقض وإلا كان ذلك نهياً عن التأمل والتبصر في دين الله تعالى وإنكاراً لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد بل إن من الصحابة من تردد في الفتي تهيباً. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالإتباع من اجتهاد غيره. وربما كان أضعف الآراء سنداً أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة ولو كان مخالفاً لأقوال استقر عليها العمل زمناً ولئن جاز القول بأن الاجتهاد في الأحكام الظنية وربطها بمصالح الناس عن طريق الأدلة الشرعيةـ النقلية منها والعقلية ـ حق لأهل الاجتهاد فأولى أن يكون هذا الحق ثابتاً لولى الأمر يستعين عليه في كل مسألة بخصوصها ـ بما يناسبها ـ بأهل النظر في الشئون العامة، إخماداً للثائرة وبما يرفع التنازع والتناحر ويبطل الخصومة على أن يكون مفهوماً أن اجتهادات السابقين لا يجوز أن تكون مصدرا نهائياً أو مرجعاً وحيداً لاستمداد الأحكام العملية منها."

    [حكم المحكمة الدستورية العليا- الطعن رقم 5 سنة قضائية 8 تاريخ الجلسة 06 / 01 /  1996- مكتب فني 7]

    ومن هنا فإن النعي على الحكم المطعون فيه بأنه لم يقف على نص المادة الثانية من الدستور والتي تقضي بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع يكون في غير محله، بل ويعد تزيداً على الشريعة الإسلامية وتحميلاً لها بما ليس فيها كما عرضنا أعلاه.

     ومع ذلك، فإن من المستقر عليه قضاء أن الشريعة الإسلامية تخاطب المشرع وليس السلطة التنفيذية التي ليس لها إعمال تفسيرها للشريعة في ممارساتها أو قراراتها التنفيذية دون سند من القانون. فقد قضت محكمتكم الإدارية العليا الموقرة بأنه

    "لا يسوغ لأي جهة إدارية مخالفة التشريعات السارية بحجة تنفيذ  قواعد الشريعة الإسلامية أو تضع من القواعد ما يتعارض مع هذه القوانين بمقولة تطابقها مع أحكام هذه الشريعة وإلا أصبح النظام القانوني في الدولة مسخاً تبرأ منه كل الشرائع وأصبح الناس في فوضى يحكمون لأنفسهم بما تشتهى أهوائهم من قواعد."

    لمحكمة الإدارية العليا الطعن رقم 483 – لسنـة 34ق الجلسة24 / 11 / 1991- مكتب فني 37]

     وكذلك

    "إن القول بعدم الحاجة إلى تقنين الشريعة الإسلامية على أساس أنها ملزمة بقوتها الذاتية لأدى الأمر إلى تضارب الأحكام واضطراب ميزان العدالة مع المساس في ذات الوقت بأحد المبادئ الأصيلة وهو مبدأ الفصل بين السلطات"

    ]المحكمة الإدارية العليا الطعن رقم 339 – لسنة 26ق الجلسة 03 / 04 / 1982 – مكتب فني 27]

     وبالمثل، قضت المحكمة الدستورية العليا بأنه

    "لو أراد المشرع الدستوري جعل مبادئ الشريعة الإسلامية من بين القواعد المدرجة في الدستور على وجه التحديد أو قصد أن يجرى أعمال تلك المبادئ بواسطة المحاكم التي تتولى تطبيق التشريعات دون ما حاجة إلى إفراغها في نصوص تشريعية محددة مستوفاة للإجراءات التي عينها الدستور لما أوعز النص إلى ذلك."

    [المحكمة الدستورية العليا الطعن رقم 47 – لسنة 4ق الجلسة 21 / 12 / 1985  - مكتب فني 3]

     وقالت محكمة النقض في المعنى ذاته إن

    "النص فى المادة الثانية من الدستور على أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ليس واجب الإعمال بذاته، إنما هو دعوى للشارع بأن تكون هذه الشريعة المصدر الرئيسي فيما يضعه من قوانين ومن ثم فإن المناط في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية استجابة الشارع لدعوته في إفراغ مبادئها السمحاء في نصوص القوانين التي يلزم القضاء بإعمال أحكامها بدءاً من التاريخ الذي تحدده السلطة الشرعية لسريانها، و القول بغير ذلك يؤدى إلى الخلط بين التزام القضاء بتطبيق القانون الوضعي و بين اشتراع القواعد القانونية التي تتأبى مع حدود ولايته، و يؤكد هذا النظر أنه لما كان الدستور المصري قد حدد السلطات الدستورية و أوضح اختصاص كل منها أو كان الفصل بين السلطات هو قوام النظام الدستور