دعوة للعودة إلى برامج التغذية المدرسى

علاء غنام

تعتبر برامج التغذية المدرسية من أهم السياسات المستخدمة على مستوى العالم لخفض معدلات الفقر وتقليل التسرب من التعليم اﻷساسى.

وكان برنامج الغذاء العالمى قد تم تأسيسه فى سنة 1963 كإحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة بهدف مواجهة الجوع فى العالم، وتمثل برامج التغذية المدرسية فيه محورا أساسيا، حيث يقوم بدعم التغذية المدرسية فى أكثر من سبعين دولة نامية.

ومن بعض قصص النجاح لهذا البرنامج يعد برنامج التغذية المدرسية فى البرازيل من أعرقها وأكثرها تنظيما، حيث أطلقت الحكومة البرازيلية مبادرة «الوجبة المدرسية» منذ سنة 1954، وأصبحت تغطى 37 مليون مستفيد فى 189 ألف مدرسة، وبمعدل 200 يوم فى السنة.

وفى العامين الماضيين تبنت الحكومة المصرية السابقة حزمة من السياسات والبرامج العاجلة لمواجهة الفقر فى ارتباطه بسوء التغذية عند اﻷطفال على وجه العموم، وفى ريف وصعيد مصر بوجه خاص.

فأين توارى هذا البرنامج الحيوى الآن.. وما مصيره أو تقييم آثاره؟

•••

إن نظرة سريعة إلى فجوات عدم الإنصاف والعدالة التى تواجه منظومتى الصحة والتعليم تكشف بجلاء عن عدة حقائق صادمة تتعلق بسوء تغذية اﻷطفال فى السن المدرسية وارتباط ذلك باﻷسباب الكامنة لمراضتهم وبنسب الوفيات بينهم.

وفى ذلك تشير المسوح الصحية المختلفة إلى زيادة معدﻻت قصر القامة من 23% إلى 29% (من 2005 إلى 2008 DHS) وإلى نقص الوزن بزيادة تمثل 6% والهزال بزيادة تمثل 7%.

وقدرت نفس المسوح أن 11% من أسباب وفيات الأطفال لدينا يصاحبها نقص فى التغذية مما يعد مؤشرا خطيرا يستلزم التدخل المبكر ببرامج فعالة للتغذية المدرسية لمواجهة هذا التحدى التنموى الكبير واﻷكثر شيوعا فى الريف، وفى صعيد البلاد وبين الشرائح الاجتماعية الأكثر فقرا.

كما أكدت الأبحاث العديدة حول الموضوع أن تلك البرامج الغذائية وسيلة مهمة لضمان تغذية سليمة للأطفال فى مراحل التكوين اﻷساسية، وذلك لدورها الحيوى فى تزويدهم بالسعرات الحرارية اللازمة لتعويضهم عما يبذلونه من جهد لتنمية قدراتهم الذهنية والبدنية، حيث أشارت إلى أن سوء التغذية يقلل من معدلات اﻻستيعاب لديهم بنسبة تصل إلى 30%.

•••

ومنذ سنوات طويلة كان ملف التغذية المدرسية فى مصر مطروحا (نظريا) على أجندة الحكومات المختلفة، وأتذكر أننى عندما كنت تلميذا فى المدرسة الابتدائية، كانت تقدم لنا أحيانا بعض الوجبات من برامج للمعونة الدولية تتمثل فى الخبز واﻷلبان وغيرها من المصادر الغذائية فى أوقات غير منتظمة.

وفى العقد الأخير سعت الدولة لتوفير وجبة غذائية آمنة فى المدارس المختلفة وبخاصة فى المناطق الريفية والنائية، وكانت تستهدف تحسين اﻷوضاع الصحية للأطفال ومحاصرة بعض اﻷمراض الناتجة عن سوء التغذية. ففى سنة 2004 خصص من التمويل الحكومى قرابة 353 مليون جنيه سنويا مستهدفا 7 ملايين طالب، ما يجعلنا نتساءل عن حجم الموارد التى خصصت فى موازنة العام الحالى كدلالة على الاهتمام ببعد العدالة اﻻجتماعية، وعلى الرغبة والإرادة فى غلق فجوة عدم الإنصاف بين شرائح اﻷغنى واﻷفقر فى المجتمع.

•••

كما تبرز إلى جانب ذلك العديد من التحديات التى كانت تواجه هذا البرنامج الحيوى عندما طرحته الحكومة السابقة فى إطار حزمة من السياسات اﻷخرى للعدالة اﻻجتماعية والتى كانت تتمحور أغلبيتها فى اﻻقتصار على التمويل الحكومى وإلى عدم ملاءمة الوجبات المقدمة ﻻحتياجات اﻷطفال وعدم تنوع مكوناتها وعدم شمول المدى الزمنى لها طوال العام الدراسى إلى جانب قصور نظم إدارة البرنامج فى محاوره التعاقدية والتوريدية وافتقاره إلى إطار تشريعى ثابت وملائم، أكثر من مجرد التعليمات الوزارية التى تتوارى باختفاء مُصدرها!

إن تلك التحديات ربما لا تزال قائمة وربما من شأنها أن تقف عائقا أمام تنفيذ منظومة غذائية مدرسية فعالة، تهدف إلى تحقيق العدالة وغلق فجوة الفقر.

وكانت من أهم الدروس المستفادة لهذا البرنامج فى البرازيل الذى دعمه برنامج الغذاء العالمى هو ضرورة التحول إلى ﻻ مركزية خدمات الوجبات المدرسية على الرغم من أنها فرضت عددا من المشكلات فى البداية، ارتبطت بقدرات المسئولين والموظفين فى المناطق المحلية، ما أدى إلى التأخر فى تسليم الوجبات وعدم كفاءة اﻹدارة فى المناطق النائية، وهو ما تم التغلب عليه من خلال تنمية قدرات القائمين على هذا البرنامج بمساعدة شركاء التنمية فى برنامج الغذاء العالمى الذى قام بتوفير الدعم الفنى إلى جانب الدعم المالى خلال فترات التنفيذ.

فهل نتعلم من الدروس الناجحة؟

ففى عام 1995 بدأت البرازيل فى جنى ثمار برنامج التغذية المدرسية فارتفع معدل اﻻلتحاق بالتعليم من 71% فى عام 1992 إلى 91% فى عام 1995 وانخفض معدل التسرب من 28% إلى 17% فى نفس الفترة.

فهل نستفيد من ذلك فى إطار سعى الدولة الحالى لوضع خطة إستراتيجية للتنمية المستدامة (2030) تهدف إلى تحقيق مبدأ العدالة اﻻجتماعية باعتباره أحد الشعارات الملهمة والدائمة للثورات أم يطل مجرد شعار للاستهلاك السياسى واﻹعلامى.

تم نشر هذه المقالة عبر بوابة الشروق الإلكترونية بتاريخ 10 أبريل 2015